عُلَبُ المَوتِ: عبوات “البمبان” القاتلة في السودان

بيم ريبورتس

منذ صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم، تشهد الشوارع السودانية تظاهرات سلمية مستمرة، احتجاجاً على سيطرة الجيش على الحياة المدنية في البلاد.

ففي الخامس والعشرين من أكتوبر، قاد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الرئيس السابق لمجلس السيادة الإنتقالي، وقائد الجيش، إنقلاباً على مؤسسات الحكم المدني الإنتقالي، وحل مجلسي السيادة والوزراء الإنتقاليين، وعطل المؤسسات الإنتقالية، وقطع الإنترنت، وعطل صدور بعض الصحف وأوقف بث بعض الإذاعات، واعتقل الوزراء المدنيين بالحكومة الإنتقالية، وعدد من أعضاء مجلس السيادة المدنيين، كما وضع رئيس مجلس الوزراء الانتقالي قيد الإقامة الجبرية.

ومنذ الإعلان عن هذه الإجراءات الإنقلابية، احتشدت الشوارع بملايين المتظاهرين المناهضين للانقلاب العسكري، الذين واجهتهم الشرطة والأجهزة الأمنية بالقمع والعنف المفرطين.

استخدمت الشرطة والأجهزة الأمنية أنواع متعددة من الأسلحة النارية، والرصاص المطاطي، والغاز المسيل للدموع.

في هذا التقرير، يتتبع فريق (بيم ريبورتس)  الجهات  المُصنِعة  لأنواع من الغاز المسيل للدموع الذي تستخدمه قوات الشرطة والأجهزة الأمنية في السودان لقمع المتظاهرين السلميين.  على الرغم من أن الجهات المصنعة تُعرِّف هذه الأدوات بأنها تكنولوجيا “غير قاتلة” إلا أن الأجهزة الأمنية وقوات الشرطة في السودان استخدمتها استخداماً قاتلاً في الكثير من الأحيان.

مصدر الغاز المسيل للدموع المستخدم لقمع الاحتجاجات السلمية في السودان:

نشر ناشطون بمواقع التواصل الإجتماعي ومتظاهرون صوراً توضح بعض أنواع عبوات الغاز المسيل للدموع المستخدم لتفريق و قمع التظاهرات السلمية بالسودان.

تتبع فريق البحث مصدر  هذا النوع من الغاز و توصل إلى إثنين من الشركات المصنعة له، هما :

  1. شركة كوندورناوليتل (Condornaoletal):

هي شركة تعرف نفسها بأنها تعمل في مجال التكنولوجيا غير القاتلة. الصورة أدناه توضح عبوة الغاز التي تداولت صورها عبر حسابات بعض الناشطين السودانيين.

  • مقر الشركة المصنعة للغاز المسيل للدموع و عبواته: البرازيل
  • طراز العبوة: GL-202
  • طريقة الاستخدام: يجب إطلاقه بواسطة بندقية قاذفة من طراز CONDOR AM-600.
  • نوع الغاز المستخدم: أورثو كلورو بنزيليدين مالونونتريل المعروف ب(CS)

تأثير الغاز المستخدم على الإنسان:

حسب تقرير صدر من وحدة الصحة بولاية نيوجيرسي الأمريكية بالعام 2000، فإن للغاز المسيل للدموع المستخدم هنا له عدة آثار قصيرة المدى و آثار مزمنة.

الآثار قصيرة المدى:

  • يمكن أن يؤدي لمس الغاز إلى تهيج وحرق الجلد والعينين.
  • استنشاق الغاز يمكن أن يؤدي إلى تهييج الأنف والحلق.
  • الاستنشاق أيضا يمكن أن يهيج الرئتين مسببا السعال و ضيق التنفس. يمكن أن يؤدي التعرض العالي للهذه المادة إلى تراكم السوائل في الرئتين (الوذمة الرئوية) ، وهي حالة طبية طارئة و خطيرة، مع ضيق شديد في التنفس.
  • التعرض أيضا يمكن أن يسبب ألمًا حارقًا في العينين ، وانتفاخًا في الجفون ، ودموعًا في العين ، وسيلان الأنف ، والغثيان ، والقيء ، والصداع.

 

أما الآثار المزمنة فيمكن تلخيصها كالتالي عند التعرض لأورثو كلورو بنزيليدين مالونونتريل:

  • قد يسبب حساسية في الجلد، و إذا تطورت الحساسية يمكن أن يؤدي التعرض المنخفض جدًا في المستقبل إلى الحكة والطفح الجلدي.
  • قد يضر الكبد والكلى.
  • يمكن أن تهيج الرئتين و قد يؤدي التعرض المتكرر إلى الإصابة بالتهاب الشعب الهوائية، بالإضافة إلى السعال والبلغم و / أو ضيق التنفس.

 

2. شركة مجموعة صناعات شمال الصين المحدودة المعروفة ب (نورينكو):

  • مقر الشركة: جمهورية الصين الشعبية
  • طراز العبوة: NF01
  • طريقة الاستخدام: عن طريق بندقية قاذفة
  • نوع الغاز المستخدم: أورثو كلورو بنزيليدين مالونونتريل المعروف ب(CS)
صورة توضح شعار الشركة و إسمها على العبوة

منتجات شركة نورينكو ذات سمعة سيئة فيما يخص حقوق الإنسان. ففي العام 2008 قامت مملكة تايلاند بتدمير مخزونها بالكامل من منتجات نورينكو من الغاز المسيل للدموع، بعد أن أدت انفجارات عبوات الغاز المسيل للدموع إلى مقتل 3 أشخاص على الأقل في احتجاجات شعبية.

العديد من عبوات نورينكو تحتوي على كمية صغيرة من المتفجرات لتفجير عبوة الغاز وفتحها  ، تضم العلبة الواحدة بداخلها ثلاثة عبوات صغيرة تحتوي على المادة الفعالة، وبالتالي تسهم هذه التركيبة في تفريق الغاز بشكل أسرع وأكثر انتشارا وعبر مساحة أكبر من معظم قنابل الغاز الأخرى.

تشير بعض المصادر إلى أن هذا النوع من الغاز يتم تصنيعه محليا بهيئة التصنيع الحربي السودانية (المعروفة باليرموك). والتي تحول اسمها إلى (منظومة الصناعات الدفاعية ). كما ذكرت تقاريرٌ أن منظومة الصناعات الدفاعية بالسودان قد حصلت على توكيل صناعي لتصنيع بعض أسلحة شركة نورينكو الصينية.

استخدام الغاز المسيل للدموع كسلاح قاتل:

يؤكد شهود العيان، والعاملين بالحقل الصحي في السودان أن قوات الشرطة تُصوِّب عبوات الغاز المسيل للدموع مباشرة على أجساد المتظاهرين السلميين مما يجعله سلاحا قاتلا. وعزز تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” بتاريخ 23 نوفمبر، هذا الأمر، واعتبره عنفا غير مصرح باستخدامه.  ووفقاً للتقرير الميداني الصادر عن لجنة أطباء السودان المركزية، بتاريخ  26 نوفمبر، والخاص بتوثيق إصابات موكب مليونية 25 نوفمبر  فإن إجمالي عدد الإصابات يلغ 63 حالة، تضمنت 9 حالات اختناق بالغاز المسيل للدموع، بالإضافة إلى 22 حالة إصابة نتجت عن تصويب مباشر لعبوات الغاز المسيل للدموع تجاه المتظاهرين السلميين، منها 19 إصابة في الرأس، و 3 إصابات بالعين، تسببت إحداها في  فقدان عين أحد المصابين. أي أن مجموع الإصابات  الناجمة عن إستخدام الغاز المسيل للدموع يعادل نصف عدد الإصابات تقريبا في موكب 25 نوفمبر 2021 فقط.

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها تعليقاً  على استخدام الغاز المسيل للدموع:

"يُسمح باستخدام الغاز المسيل للدموع للسيطرة على الحشود عندما يتحول الاحتجاج إلى أعمال عنف، يجب ألا تستخدم القوات الغاز المسيل للدموع إلا عند الضرورة ولمنع المزيد من الأذى الجسدي؛ وحيثما أمكن، يجب عليهم إصدار تحذيرات قبل إطلاقها"
رسم يوضح الطريقة المصرح بها لإستخدام قاذف الغاز المسيل للدموع

حسب دليل الاستخدام الخاص بشركة كوندورناوليتل البرازيلية، فإنه عند استخدام الغاز المسيل للدموع الذي تنتجه الشركة، فيجب توجيه البندقية القاذفة للعبوة بزاوية حادة بدرجة 45 على بعد يبدأ من 90 إلى 120 مترا. و حذر الدليل من أن يتم توجيه القذيفة لأجساد المتظاهرين لأنه سيتحول من سلاح غير قاتل إلى سلاح قاتل.

مشاركة التقرير

Share on facebook