توترات حدودية مستمرة.. ما قصة سيادة السودان على الفشقة؟

جددت تصريحات أدلى بها قائد القوات البرية، عصام الدين كرار، يوم الأربعاء الماضي، حول سيطرة القوات المسلحة على الوضع في منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، التساؤلات حول طبيعة وتاريخ التوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا.

تلقي (بيم ريبورتس)، في هذا التقرير، الضوء، على تاريخ تخطيط الحدود السودانية الإثيوبية بالتركيز على مثلث الفشقة، وكيف بدأ الخلاف حولها.

رغم الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على منطقة الفشقة على مر الحقب الحديثة إلا أنه ومع إعلان الجيش السوداني، في نوفمبر 2020م، ما سماها، عملية انفتاح على الحدود الشرقية، بدأ الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة، محل شك من قبل أديس أبابا.

وجاءت العملية التي وصفها الجيش السوداني، بأنها إعادة انتشار وانفتاح على حدود البلاد الشرقية، بالتزامن مع إطلاق أديس أبابا من جهتها عملية عسكرية بإقليم تغراي شمالي البلاد. كما أتت التطورات على الحدود، في ظل تنامي الخلافات حول سد النهضة بين السودا، إثيوبيا ومصر.

أين تقع الفشقة؟

تقع الفشقة في ولاية القضارف شرقي البلاد، وتمتد من منطقة نهر سيتيت، وحتى منطقة القلابات جنوبي القضارف. وتضم الفشقة أخصب الأراضي الزراعية في السودان. وتنقسم إلى ثلاث مناطق أصغر؛ وهي: الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والمنطقة الجنوبية.

تبلغ مساحة الفشقة 5,700 كلم، وتعتبر أخصب الأراضي بالسودان. تحتكر الفشقة مسافة 168 كيلو متر من الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا البالغ طوله 265 كلم.

التطورات الأخيرة:

خلال العملية العسكرية للجيش السوداني بالفشقة، تبادلت الحكومتان الاتهامات، حيث قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية (دينا مفتي) ، إن “الجيش السوداني تخطى الحدود مع إثيوبيا انتقاماً من المليشيات الإثيوبية التي هاجمت المزارعين السودانيين”. في السياق نفسه، اتهم السفير الإثيوبي بدولة الإمارات (سليمان ديدافو) الجيش السوداني بالدخول في حرب مع إثيوبيا بالوكالة عن مصر – لتصوير السودان كمناصر لمصر ضد تشييد سد النهضة-. 

بالمقابل قال وزير الثقافة والإعلام السوداني الأسبق ، (فيصل محمد صالح)، إن السودان حريص على عدم اللجوء للحرب سواء مع إثيوبيا أو غيرها من الدول الأخرى. 

غير أن عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، محمد الفكي سليمان رد بالتفصيل على اتهامات الحرب بالوكالة قائلاً: 

  • منطقة الفشقة سودانية، وطالبنا إثيوبيا بالانسحاب من نقطتين على الحدود بين البلدين.
  • لا نقوم بهذه الحرب وكالة عن أحد وهذه أكاذيب محضة، لم نتخذ قراراً بالحرب، ولكن من حقنا الانفتاح حتى آخر نقطة حدودية داخل أراضي السودان.
  • نستطيع أن نخوض حرباً، لكن الأولوية للحل السياسي وقرار الانفتاح شرقاً تم بموافقة مجلس الأمن والدفاع بكامل عضويته.
  • مجلس الأمن والدفاع السوداني هو الذي يوصي بإعلان الحرب وليس هنالك إعلان حرب على إثيوبيا.

أيضاً قال القائد العام للجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، إنه اتفق مع الرئيس الإثيوبي على تأمين حدود البلدين إبان (عملية إنفاذ القانون)، وأن ما قام به الجيش السوداني هو فقط تأمين للحدود وليس حرباً.

خلفية تاريخية:

بدأت الاشتباكات بين السودانيين والإثيوبيين عندما قاد شخص يدعى “كنفي” – يتبع لقومية الأمهرا- هجوماً على جبل أبو طيور، وسيطرت مليشياته على مساحة شاسعة في الفشقة الكبرى، بما فيها جبل أبو طيور، و كان ذلك في العام 1968م. بعدها بعام واحد، حررت الشرطة السودانية بمعاونة الأهالي المحليين المنطقة. في عام 1972م، اتفق البلدان على إعادة تخطيط الحدود بينهما عبر اتفاق موقع  من قبل وزيري الخارجية بالبلدين.

احتلال إثيوبي:

في عام 1996م، احتلت القوات الإثيوبية مساحات واسعة من أراضي الفشقة، بالتزامن مع اشتداد وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان. 

بجانب انسحاب الجيش السوداني من الحدود الشرقية، لإسناد القوات المقاتلة في الجنوب، حيث مثلت المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في أديس أبابا عام 1995، والتي اتهمت بها الخرطوم، دافعاً إضافياً للنظام الإثيوبي لاحتلال الفشقة.

ومع كل عملية هجومية ظلت تشنها مليشيات (فانو)، و (الشفتة) وغيرها من المليشيات التي تتبع لقومية الأمهرا؛ تتبع السلطات الإثيوبية سياسة تتبرأ بها من إحتلال الفشقة، بإلقاء اللائمة على تلك المليشيات بينما تستنكر هذه الهجمات و تدعي أنها لمليشيات لا علاقة لها بها.

بالعودة إلى الوضع الحدودي على الأرض بين السودان وإثيوبيا، عادةً ما يتم تداول مصطلح “إعادة ترسيم”، هذا المصطلح خاطئ؛ لأن ترسيم الحدود تم مسبقاً، أما ما يمكن الحديث عنه حالياً، هو تخطيط الحدود، وهو ببساطة يعني إظهار الترسيم المتفق عليه.

الإطار القانوني للحدود السودانية الإثيوبية:

بنيت حدود السودان وإثيوبيا الحالية على معاهدة (أنجلو-إثيوبيا) الموقعة في عام 1902م بين بريطانيا -إبان سيطرتها على الأراضي السودانية- وإثيوبيا إبان حكم الإمبراطور (منليك الثاني). 

نصت المعاهدة على تعريف الخط الحدودي الفاصل بين البلدين كالتالي:

“يسير من خور «أم حجر» إلى «القلابات»، فالنيل الأزرق فنهر بارو فنهر بيبور ثم نهر أكوبو حتى مليلي، ومنها إلى نقطة تقاطع خط عرض 6 شمالا مع خط طول 35 شرق جرينتش” ، تم رسم خط الحدود بالخط الأحمر في الخريطتين الملحقتين بالاتفاق.

جاءت هذه الاتفاقية تبعاً لخطاب أرسله الإمبراطور (منيليك الثاني) للقادة الأوروبيين، محدداً فيه حدود إمبراطوريته، حيث ذكر أنها تمتد غرباً حتى كركوج على النيل الأزرق بأواسط حدود السودان الحالية. الخريطة أدناه تعرض الخريطة المرفقة مع المعاهدة المذكورة، و يتضح فيها الخط الأحمر الذي يمثل الشريط الحدودي بين البلدين.

عادة ما يعترض الإثيوبيون على هذه الاتفاقية وينكرون توقيعهم عليها قائلين بأنها من حقبة الاستعمار، لكن الحقيقة أن الإمبراطور (منليك الثاني) كان موافقاً عليها وتعهد بالمادة الثانية من المعاهدة على “عدم تشييد أو السماح بتشييد أي عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو نهر السوباط”، بينما كان السودان تحت سيطرة التاج البريطاني ولم يكن له كامل الإرادة من التوقيع أو عدمه. و بناء على هذه المعاهدة كسبت إثيوبيا أراضي بني شنقول الغنية بالمعادن، بينما اعترفت المعاهدة بأن أراضي الفشقة سودانية.

نصت المعاهدة أيضاً على تشكيل لجنة لترسيم الحدود بين البلدين، و تم ترسيم الحدود في عام 1903م عن طريق الرائد الايرلندي (قُوِين) الذي استخدم صخوراً ضخمة يصل طولها لثلاثة أمتار، بالإضافة إلى بعض الأنابيب المعدنية في بعض الأحيان. بدأ (قوين) ترسيم الحدود في ديسمبر 1902م من تقاطع خور الرويان مع نهر ستيت، وانتهى في يوليو 1903م في مليلي.

صورة تظهر ترسيم الرائد (قوين) للحدود بمنطقة (قلعة الزراف) بالعام 1903 مصدر الصورة: نور طه حسن (1971) دراسة عن الجغرافيا السياسية بالحدود السودانية-الاثيوبية

دأبت السلطات الإثيوبية على استخدام حجة أن الرائد (قوين) رسّم الحدود منفرداً دون رفقة إثيوبية أو تصريح من الإمبراطور، إلا أن (قوين) نفسه ذكر في تقريره الأخير أن “الإمبراطور (منليك الثاني) أعطاه وثيقة تفوضه ليرسم الحدود بالإنابة عن إثيوبيا”. فضلاً عن ذلك، فقد ذكر (اللورد كرومر) -قنصل بريطانيا في مصر- في برقية أرسلها إلى ممثل ملكة بريطانيا في روما بتاريخ 17 نوفمبر 1902م “أفاد (هارينجتون) -ممثل بريطانيا في أديس أبابا- أنه إذا تم توظيف الرائد (قوين)، فإن الإمبراطور (مينليك) لا يريد إرسال أي مندوب. فلديه ثقة كاملة في الرائد قوين وسيصدر أوامر باحترام الحدود التي سيحددها”. 

بالإضافة إلى ذلك، أقرت اتفاقية