ما خلفية مرسوم (البرهان) بأيلولة سلطات قانون المناطق البحرية لوزير الدفاع؟

في الثامن والعشرين من مارس الماضي، أصدر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مرسوماً، قضى بتعيين وزير الدفاع ياسين إبراهيم ياسين، كوزير مختص، لتنفيذ (قانون المناطق البحرية والجرف البحري لسنة 2018م). 

ونص المرسوم الذي نشرته صفحة مجلس السيادة الانتقالي، على أن تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ القانون المشار إليه لوزير الدفاع من (المفوضية القومية للحدود).

وأتى القرار البرهان، بعد تحركات إقليمية، أعقبت زيارة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي إلى موسكو، وتصريحه بأن بلاده لا تمانع في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، سواء كان لروسيا أو غيرها. 

وقال “نحن مستعدون للتعاون مع أي دولة تريد بناء قاعدة على ساحلنا الذي يبلغ 730 كلم طالما تحقّق مصالحنا ولا تهدد أمننا القومي سواء كانت روسيا أو غيرها”.

سلطات القانون

لمعرفة تفاصيل أكثر حوله، تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس) عن القانون المذكور في موقع وزارة العدل السودانية وغيره من المواقع الحكومية على الإنترنت، وكل ما وجدناه هو نسخة مترجمة للغة الإنجليزية في موقع المفوضية القومية للحدود.

يمنح قانون المناطق البحرية والجرف البحري للعام 2018م السلطات التالية:

  1. منع السفن الأجنبية من المرور البريء في مساحات محددة من البحر الإقليمي.
  2. عدم مرور السفن الأجنبية الحربية في البحر الإقليمي.
  3. مراقبة السفن التي تعمل أو تحمل الطاقة النووية.
  4. اتخاذ الإجراءات الجنائية على ظهر أي سفينة أجنبية.
  5. تحديد مناطق السلامة في البحر الأحمر وشروطها.
  6. التصديق بتوصيل الكوابل البحرية.

خلفية القرار

صدر القرار، عقب عودة البرهان من زيارته الأخيرة للرياض في نهاية مارس الماضي، والتي كان قد التقى خلالها العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد محمد بن سلمان، حيث تم الاتفاق على التعاون فيما يخص أمن البحر الأحمر، بالإضافة إلى المجال العسكري على نحو عام.

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، سبق البرهان إلى الرياض، حيث أكد السيسي وبن سلمان على أهمية “ضمان أمن البحر الأحمر”، باعتباره ركيزة أساسية في حركة التجارة الإقليمية والدولية. ونوه الجانبان، في بيان مشترك، إلى ضرورة تضافر جهود الدول المتشاطئة لضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وكانت السلطات المصرية، عقدت مباحثات في مطار القاهرة الدولي، مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو في طريق عودته إلى الخرطوم، قادماً من موسكو.

العلاقات السودانية الروسية

تمتنت العلاقات السودانية ـ الروسية، خلال حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، حيث استغلت موسكو العزلة الدولية والعقوبات المفروضة على الخرطوم في توسيع نشاطها مستهدفة الموارد الطبيعية. بالمقابل، استفادت الخرطوم من توفير السند السياسي الدولي والأسلحة الروسية التي يعتبر السودان من بين أكبر مستورديها في أفريقيا.

عقب سقوط البشير، وقعت موسكو اتفاقيات مع المجلس العسكري الانتقالي، وفي ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية، نص اتفاقية بين السودان وروسيا، حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة، كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب  ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر من العام 2020م.

 لكن، لاحقاً مرّت هذه العلاقة بمنعرجات خلال الفترة الانتقالية التي تلت سقوط البشير ونظامه، حيث كان تركيز السودان منصباً نحو العودة للمجتمع الدولي وفك العزلة وتطبيع العلاقات مع الدول الغربية من جديد، إلا أن انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أعاد فتح الطريق بين الخرطوم وموسكو مرة أخرى. 

أدانت العديد من الدول الغربية والمؤسسات الدولية ما سمته “الاستيلاء العسكري على السلطة”، في 25 أكتوبر الماضي، وهو ما جعل سلطة الأمر الواقع في السودان تتجه نحو المحور الروسي من جديد.

ذكرت صحيفة (ديلي تلغراف) البريطانية، أن روسيا تجهزت مسبقا للعقوبات الأمريكية بعد غزوها لأوكرانيا عبر مخزون من الذهب السوداني المهرب.

الوجود الروسي في أفريقيا

في السنوات الأخيرة، بدأت روسيا في تعزيز وجودها في أفريقيا، للاستفادة من مواردها الطبيعية، وتقوية شوكتها العسكرية في المنطقة. وعادةً ما يكون مدخلها عبر الأسلحة والتدريب العسكري، وهو ما يتضح عند البحث عن مصادر الأسلحة بالدول الأفريقية.

استطاعت روسيا، خلال سنوات معدودة، إنشاء علاقات قوية مع بعض الدول الأفريقية، تكاد تصل مرحلة السيطرة على مقاليد الدولة ككل. وكمثال على ذلك السيطرة الروسية على جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة للبلاد، كما أن الإدعاءات المقدمة من عدة جهات، تتهم فيها روسيا بتنفيذ انقلابات عسكرية في العديد من الدول الأفريقية، أو الوقوف وراءها على رأسها السودان، مالي وبوركينا فاسو، بجانب المحاولة الانقلابية الفاشلة في (غينيا بيساو)، توضح حجم التمدد الروسي بالقارة السمراء.

لروسيا أيضاً علاقة قوية مع جمهورية الكونغو (برازفيل)، فقد تقدمت موسكو بباقة من العتاد العسكري والأسلحة والتدريب للدولة الواقعة بوسط أفريقيا في 2019م، بالإضافة إلى توقيع اتفاق تعاون نووي للاستخدامات السلمية. أيضا أعلنت موسكو في 2018م، إرسال “مدربين مدنيين” مكلفين بتدريب الجيش الحكومي بأفريقيا الوسطى، فيما قال خبراء إنهم من مجموعة “فاغنر” شبه العسكرية.

كيف يمكن للسودان أن يكون بوابة روسيا لأفريقيا؟

يمثل موقع السودان الاستراتيجي نقطة قوة له، ولكن ترى روسيا، أنه يمكن يمثل بوابتها إلى القارة الأفريقية. 

توجد روسيا بثلاث دول ذات علاقات مميزة معها، وهي (السودان، أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو). إثنتان من هذه الدول ساحليتان -السودان وجمهورية الكونغو-، إحداهما مطلة على البحر الأحمر والأخرى على المحيط الأطلنطي، وهي ميزة كبيرة تقوي الدول اقتصادياً وسياسياً.

بالنظر إلى خريطة أفريقيا من المحيط الأطلنطي إلى البحر الأحمر، نجد أن روسيا تعمل على خلق طريق يربط بين المحيط والبحر. وكبداية، فإن إنشاء قاعدة على البحر الأحمر بمنطقة (فلامنغو) السودانية، يمكن أن يكون بوابة لروسيا إلى مناطق نفوذها في أفريقيا، وربطها بالمحيط الأطلنطي عبر الشواطئ الكونغولية.

إقامة قاعدة روسية في البحر الأحمر، بالإضافة لقاعدة (طرطوس) بالشواطئ السورية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، عوضا عن ربط أفريقيا من شرقها لغربها، مع إمكانية إقامة قاعدة بالمحيط الأطلسي، يمكن أن يجعل من روسيا قوة جديدة تغير من طبيعة النظام العالمي وتؤثر على قواعد لعبة المصالح بين الدول الغربية من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.

تهديد روسي لأعالي البحار

التمدد الروسي في أفريقيا، يمكن أن يكون بداية لسيطرةٍ روسيةٍ على المياه الدولية، أو ما يعرف بأعالي البحار. المياه الدولية الآن تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور قوة منافسة لتنفيذ هذه المهمة من الممكن أن يخلق نزاعا بأعالي البحار بين القوى العظمى، وهو ما يهدد أمن طرق التجارة الدولية والأمن والسلم الدوليين.

 وبالعودة، إلى أيلولة سلطات تنفيذ قانون المناطق الحرية والجرف البحري بالسودان لوزير الدفاع، يبدو أنه جاء تحت دفع إقليمي من القاهرة والرياض، لتحجيم ال