كيف تضع التهديدات بطرد (فولكر) مهمته على المحك؟

كان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، يؤدي مهامه الروتينية مع أطراف الانتقال في البلاد منذ وصوله إلى الخرطوم في فبراير 2021م، عندما أعاد انقلاب 25 أكتوبر تعريف مهمته وتعقيدها بحكم الأمر الواقع. 

فبينما كان يعمل بيرتس، على دعم عملية انتقالية كانت تمضي قدماً، صار يقود عملية تسهيل للعودة إلى عملية الانتقال نفسها، في الوقت الذي صار بقاؤه هو نفسه، لإدارة هذه العمليات مهدداً، عقب تصريحات غاضبة بحقه، من قبل قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، عقب تقديم فولكر إحاطة لمجلس الأمن بشأن السودان، في مارس الماضي.

في الوقت الذي تمضي فيه عملية فولكر التشاورية قدماً، بجانب (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، ما تزال تهديدات البرهان بطرده مستمرة في شكل تقارير صحفية شبه يومية في صحيفة القوات المسلحة، حيث خصصت الصحيفة في عددها الصادر أمس الأحد صفحة كاملة للهجوم على رئيس بعثة (يونيتامس)، اتهمته فيها بأنه متخصص في الفوضى، وأنه خبير تنشيط الإرهاب في السودان. 

وبينما اكتفت الصحيفة بالاتهامات أعلاه، وصف رئيس تحريرها، إبراهيم الحوري، وهو ضابط برتبة عقيد في الجيش السوداني، في حسابه على فيسبوك فولكر بأنه (نازي).

وسرعان ما ردت بعثة يونيتامس على التحريض بحق فولكر، دون تسمية أية جهة، وقالت في تغريدة اليوم الاثنين: “شَيطنةُ الشخصيات العامة والخاصة والتحريض على العنف ضدها، سلوكٌ يحملُ بصمات جرائم الكراهية، ومن مصلحة المجتمع والسلطات إحالة القائمين عليه للمُساءلة دون إبطاء”. 

بالعودة إلى اللغة المتوترة والعدائية التي استخدمها البرهان، أخيراً، تجاه رئيس البعثة الأممية، فولكر بيرتس، نجد أن ذلك لا يعكس، كيف عمل البرهان عن قرب لأسابيع، مع بيرتس، في أعقاب الانقلاب وحتى توقيع اتفاق 21 نوفمبر بين (البرهان وحمدوك).

صورة من عدد الأحد - صحيفة القوات المسلحة

مع خروج رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، عن المشهد السياسي باستقالته من منصبه في 2 يناير الماضي، وتنامي التوترات الأمنية في الأقاليم والعاصمة، وتزايد القمع الأمني تجاه المتظاهرين السلميين، وضح أن اتفاق 21 نوفمبر لم ينجح في تحقيق تطلعات السودانيين، في الوقت الذي بدأ البرهان يتخذ قرارات سياسية وإدارية تفاقم الأزمة السياسية. ومن ثم انتقل الحديث إلى أن مهمة بيرتس تسهيل التفاوض، وليس التوسط، أو إطلاق مبادرة للأطراف السودانية .

على ضوء ذلك، وعقب تلك المرحلة، بعد استقالة حمدوك، أطلق بيرتس، عملية مشاورات سياسية مع الفرقاء السودانيين المرحب بها والمدعومة من قبل المجتمع الدولي، وخصوصاً القوى الغربية، على أمل فتح الطريق نحو الانتقال الديمقراطي مرةً أخرى. كما أن البرهان نفسه، أعلن تأييده لتلك العملية، على أن يقوم بدور المسهل لا الوسيط.

أثناء عمل بيرتس على المرحلة الأولى من مبادرته، ولقائه مختلف الأطراف السودانية، بدأت أصوات موالية للعسكريين تدعو إلى طرد البعثة وتصف رئيسها بأنه حاكم عام البلاد، حيث سيّرت عدة تظاهرات إلى مقر البعثة بالخرطوم.

غير أن تلك الحملات والدعوات بالطرد، وصلت إلى قمتها بعد بيان أدلى به رئيس بعثة يونيتامس، فولكر بيرتس، أمام مجلس الأمن الدولي حول الوضع في السودان في الثامن والعشرين من مارس الماضي، أشعلت غضب البرهان لدرجة تهديده بالطرد.

وتناول بيان بيرتس ما يجري في البلاد بالتفصيل، بما في ذلك عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء، وتوصيف ما حدث في 25 أكتوبر بأنه انقلاب، وهي ضمن أمور أخرى أغضبت البرهان.

فولكر في مجلس الامن,28-مارس2022

ومنذ تهديدات البرهان بطرد بيرتس، درجت صحيفة القوات المسلحة، على نشر تقارير منددة بتدخلاته في الشأن الداخلي. وفي أحد التقارير، عقدت مقارنة بينه وبين حاكم العراق السابق، في عهد الاحتلال الأمريكي، بول بريمر، رغم اختلاف السياق كلياً لحالتي البلدين. 

وعقب تلك التوترات، فبركت بعض المواقع الصحفية، رداً من بيرتس على تصريحات البرهان، لكن المتحدث الرسمي باسم بعثة يونيتامس، أكد أن الممثل الخاص للأمين العام فولكر بيرتس ‎لم يُدلِ بأي تصريحات أو ملاحظات تعقيباً على تصريحات رئيس مجلس السيادة السوداني؛ وأن ما تتناقله بعض المواقع الإخبارية من تصريحات منسوبة للسيد بيرتس؛ عاريةٌ تماماً عن الصحة”.

‏ولاحقاً، وبعد يوم واحد فقط من الهجوم عليه، التقى رئيس بعثة يونيتامس فولكر بيرتس، برئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، حيث ناقش معه سبل الخروج من الأزمة السياسية وتحقيق إنتقال ديمقراطي وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد، وهو كان أول لقاء بينهما بعد تهديدات البرهان بطرده.

البرهان يلتقي فولكر، 3-أبريل-2022

وتعيين بيرتس رئيساً للبعثة، كان في الأصل، خياراً وسط، بعد احتدام الصراع في أروقة مجلس الأمن، وبين المكونين المدني والعسكري، على تعيين مرشحين آخرين. كان المكون العسكري، رشح الجنوب أفريقي نيكولاس هايسوم، لرئاسة البعثة الأممية، ورفضه المدنيون. بالمقابل، رفض المكون العسكري وكل من الصين وروسيا المرشح الفرنسي الدبلوماسي جان كريستوف بليار، حيث جاء التوافق على الألماني فولكر بيرتس، لإنهاء الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن، وحسم تباين الرؤى بين المكونَين العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية السودانية. 

وفي يونيو 2020، قرر مجلس الأمن إنشاء بعثة أممية جديدة في السودان، بناء على طلب الحكومة السودانية، ممثلة في رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، بموجب القرار الأول رقم 2524. وحسب القرار 2524، فإن مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، تبدأ في الأول من يناير 2021م، ولمدة 12 شهرا كمرحلة أولية.

وتهدف بعثة يونيتامس للمساعدة في تحول البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام، بجانب الوحدة أيضاً وعمليات السلام وتنفيذ اتفاقات السلام في المستقبل؛ مساعدة بناء السلام والحماية المدنية وسيادة القانون، لا سيما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. بالإضافة إلى ذلك، كلف المجلس بعثة يونيتامس بدعم تعبئة المساعدة الاقتصادية والإنمائية وتنسيق عمليات المساعدة الإنسانية.

في 3 يونيو 2021 م، مددت الأمم المتحدة تفويض بعثة يونيتامس لعام آخر، وقال بيرتس في تلك المناسبة “ستواصل يونيتامس في نفس الأهداف الاستراتيجية حتى نهاية الفترة الانتقالية لتنفيذ التفويض المتمثل في المساعدة على عملية الانتقال السياسي في السودان، دعم اتفاق السلام، المساعدة في بناء السلام وحماية المدنيين، حشد الموارد الاقتصادية للسودان”.

تستعيد اللغة الغاضبة من البرهان تجاه بيرتس، إلى الذاكرة عملية طرد الرئيس المخلوع، عمر البشير ليان برونك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الراحل كوفي عنان في عام 2006م، وما إذا كانت ستتكرر مرة أخرى.

لا يتوقع المحلل السياسي، الحاج حمد، إن يقوم البرهان بطرد فولكر، وقال “حتى لو فعل ذلك، فإنه لن يلغي من قرار التكليف الأممي، بند رصد أوضاع حقوق الإنسان، ويكون كمن فسر الماء بعد جهد بالماء”.

ويضيف حمد لـ(بيم ريبورتس)، “أن البرهان يحب الظهور بأنه صاحب القرار والمتنفذ، لكن معيار الحقيقة هو الممارسة، وفي الممارسة فهو يتخذ قراراته  بلا قاعدة معلومات”.

ويتابع: “فولكر بيرتس شخصية اعتبارية، وحددت الأمم المتحدة مهامه بدقة، وبالتالي يغيره مجلس الأمن.. بالطبع، يجب ألا ننسى، بعد يوم واحد من “الدون كيشوتية” استقبل البرهان فولكر، وبالتالي مارس عملياً اعترافاً بالشخص والمهام”.

فيما أكد مصدر مطلع لـ(بيم ريبورتس)، أن فولكر بيرتس مستمر في عمله بشكل عادي، لكنه أشار إلى أن تهديدات البرهان لا تعبر عن سوء تفاهم وحسب، وإنما تعبر عن رغبة العسكر في كونهم لا يريدون البعثة في الأساس.

ولا تختلف الاتهامات الموجهة إلى برونك وبيرتس كثيراً، حيث جرى اتهام الأول بأنه لم يكن مساعداً، بل كان مسيئاً وأصبح جزءاً من المشكلة. بعد طرده طلبت الحكومة وقتها من الأمم المتحدة أن ترسل بدلاً منه مبعوثاً جديداً.

كذلك طلبت الحكومة السودانية وقتها من كوفي أنان، أن يتم استبدال برونك بشخص آخر تمنت أن يكون أكثر التزاما ومسؤولية تجاه التفويض الممنوح له. وأوضحت، أن من بين المخالفات التي رصدت لبرونك دعمه المعنوي للمتمردين في إقليم دارفور غربي السودان، و”تجاوزه” الاتفاقات المبرمة بين الخرطوم والمنظمة الدولية.

ويأتي قرار الخرطوم بطرد برونك، بعدما قال الجيش السوداني، وقتها، إن “رئيس بعثة الأمم المتحدة شخص غير مرغوب فيه، متهما إياه بالتدخل السافر في شؤونه، وبنشر معلومات مضللة تشكك في قدراته”.

التهديدات بطرد المسؤولين الأمميين، أو طردهم بالفعل، كما حدث في وقت سابق، بقدر ما أنه يعقد مهامهم، إلا أنه يضع البلاد على شفا مواجهة عزلة دولية، والسودان الذي خرج لتوه من عزلة دولية طويلة، قد تعيده مثل هذه التصريحات والتصرفات لتلك العزلة مجدداً.