ما مشروعية وأهداف إنشاء مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع؟

ضمن رحلة محاولة شرعنتها المثيرة للجدل، منذ إجازة قانونها في عام 2017م في عهد البرلمان المحلول، على أن تكون جزءاً من الجيش في (الطوارئ والحرب)، وفقاً لنص المادة (5)، وفي حال قرر (الرئيس) دمجها في وزارة الدفاع يسقط القانون.

مروراً بتعديل في قانونها، أجراه رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، في عام 2019م، الذي قضى بإلغاء المادة (5) آنفة الذكر، وصولاً إلى وضعيتها في الوثيقة الدستورية، وليس انتهاء باستقلالها الاقتصادي والسياسي، تمضي قوات الدعم السريع قدماً، خلال 5 سنوات فقط، في محاولة الانفصال عن أجهزة الدولة عامة، والقوات المسلحة بصفة خاصة.

في الثامن من أبريل الحالي، نُشرت وثائقَ، تشير إلى إصدار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قراراً، قضى بإنشاء مفوضية خاصة بأراضي وعقارات الدعم السريع.

ويفتح القرار غير المسبوق، والذي أثار، وما يزال، جدلاً في الأوساط السياسية والقانونية، باب التساؤلات، حول مشروعية إنشاء مفوضية لأراضي وعقارات الدعم السريع بقرار صادر من قائد هذه القوات.

وتمتد التساؤلات، إلى الهدف من الخطوة، بالإضافة إلى الآلية والكيفية التي حددتها الوثيقة الدستورية لإنشاء المفوضيات، وما الجهات والشخصيات الاعتبارية التي منحت سلطة إنشائها.

وحدد القرار، سلطة المفوضية، بالإطلاع على الوثائق الضرورية التي تعينها في عملها، وتكوين مجموعات عمل مساعدة والاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهامها والتوقيع على جميع المستندات والأوراق الثبوتية الخاصة بعمل المفوضية.

كما حدد القرار مهام واختصاصات المفوضية؛ وهي حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع والحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات ومراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع والتأكد من أرقام الأراضي والعقارات بكشوفات مكاتب التسجيلات بجميع الولايات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع القانونية لجميع الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع بجميع الولايات، والحصول على تصديقات أراضٍ سكنية لمنسوبي قوات الدعم السريع من الضباط وضباط الصف والجنود بجميع ولايات السودان.

ورغم مرور نحو أسبوعين على تسريب وثائق قرار إنشاء مفوضية أراضي وعقارات الدعم السريع، لم تعلق أي من الجهات الثلاث المعنية بالقضية (الدعم السريع، وزارة الحكم الاتحادي، إدارة الأراضي) بشكل رسمي حتى الآن، فيما تتسارع المخاوف وسط الرأي العام السوداني، من استمرار هذا النمط غير المسبوق في التغول على السلطات.

تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس)، حول الوثائق وتأكد من صحتها، ووجد أن قرار إنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع يهدف بشكل أساسي لتأكيد السيطرة القانونية على مقار هيئة العمليات المحلولة التي استولى عليها، وكذلك مقار كانت تتبع لجهاز المخابرات العامة، مثل المقر الرئيس للدعم السريع بالخرطوم، بجانب بعض مقار حزب المؤتمر الوطني المحلول، وبعض الأراضي والعقارات التي استردتها لجنة إزالة التمكين.

أيضاً من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بالخرطوم، وتسعى لتقنينها عبر المفوضية، الحديقة الدولية، والتي كانت مقراً مؤقتاً لقوات حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.

كما أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية، من إنشاء مفوضية أراض عقارات الدعم السريع، هو إيجاد تمويل إضافي من العقارات والأصول، للصرف على أنشطة الدعم السريع المتنامية، بعد انخفاض المصادر الأخرى، وأيضاً لزيادة تمكينها الاقتصادي.

وكان القرار، قد حدد مهام واختصاصات المفوضية:

  • حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع.
  • الحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات.
  • مراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع.

"دستورياً، فإن إنشاء المفوضيات ليس من اختصاص الجيش أو الدعم السريع، وإنما هي سلطات ممنوحة للجهاز التنفيذي برئاسة مجلس الوزراء، وقد حددت الوثيقة الدستورية حصراً سبع مفوضيات كل منها تحت مرؤوسية رئيس الوزراء، وبكل تأكيد، ليس من ضمنها ما سمي بمفوضية أراضي الدعم السريع".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ويضيف الحاج لـ(بيم ريبورتس): “وفق قانون القوات المسلحة والعرف الثابت لديها، فإن توفيق أوضاع منسوبي الجيش بكل وحداته يتم تحت بند الأوامر المستديمة الخاصة بتوفير الخدمات الضرورية لضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة، وهذا ما درج العمل به تاريخياً، بما في ذلك إدارة المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش والتي تكون تحت إدارة وزير الداخلية وإشراف القائد الأعلى بحسب قانون القوات المسلحة لسنة 2007”.

وتابع الحاج “حسب الوثيقة الدستورية التي تعطلت عقب الإنقلاب فإن مجلس السيادة يعين أربع مفوضيات بالتشاور مع مجلس الوزراء. ومن جانب آخر، فإن رئيس الوزراء له حق تعيين رئيس وأعضاء لثماني مفوضيات أخرى مستقلة وفق نص المادة 39، ومن ضمن هذه المفوضيات مفوضية الأراضي، ويجب أن تكون مستقله تماماً ويحدد رئيس الوزراء مهامها وصلاحياتها”، مضيفاً “وبالتالي ما نشر عن تكوين مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع، هو قرار باطل وفاقد للشرعية والمشروعية وخرق كبير لمهام واختصاصات الحكومة التنفيذية الغائبة”. 

وحسب الحاج، تنشأ المفوضيات عند الحاجة لها، بقرار من رئيس الوزراء، ويسمي رئيس الوزراء وفق الوثيقة الدستورية، رئيس وأعضاء المفوضية ويحدد صلاحياتها واختصاصاتها بكل تأكيد.

وحول تداعيات هذا القرار وإمكانية مفاقمته لنزاع الأرض في دارفور بشكل خاص، يقول الحاج

"هذا القرار بطبيعته كارثي ويسبب الكثير من الإشكالات لأنه بكل بساطة يعتبر قرار احتلالي يجيز بطريقة غير مشروعة لقوات مليشيا الدعم السريع حيازة عدد لا يحصى من المواقع و العقارات والأراضي دون تخصيص وفي كل السودان، ما يؤكد أن نفوذ هذه المليشيات مستمر في التغلغل داخل مؤسسات الدولة لتصبح موازية للمؤسسة الرسمية للدولة".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ورأى الحاج، أن حالة دارفور لا تتحمل مثل هذه القرارات، لأن دارفور بها إشكال رئيسي وهو وجود من وصفهم بـالمستوطنين الجدد المقيمين على أراضي النازحين والمهجرين داخلياً، وهذا يعني، والحديث للحاج، أن تنفيذ مثل هذه القرارات لا يعد سوى مشروعاً استيطانياً جديداً يسعى قائد هذه المليشيات الاستحواذ على أكبر مساحة من الأراضي والتمكين اقتصاديا على حساب النازحين في المعسكرات والمشردين داخلياً.

تأسيس إشكالي للدعم السريع

مع اندلاع حرب دارفور في عام 2003م، استعان النظام البائد، في قتال الحركات المسلحة، بمليشيات ذات طابع قبلي، على رأسها مليشيا الجنجويد، التي ضمها إلى قوات حرس الحدود، ولاحقاً تم تتبيعها إلى جهاز الأمن والمخابرات، لتصبح في نهاية المطاف نواة للدعم السريع.

ومنذ إجازة قانونها في السابع عشر من يناير 2017م، بدا أن قانون قوات الدعم السريع إشكالي، من حيث الجهة التي تتبع لها القوات وما إذا كانت ستصبح قوات موازية للجيش.

وكان البرلمان المحلول، قد مرر مشروع قانون الدعم السريع، في عرضه النهائي بالأغلبية، حيث جوز لـ(رئيس الجمهورية) في أي وقت دمج قوات الدعم السريع مع القوات المسلحة، وألغى تكليف وزير الدفاع بشأن التوصية بتعيين القائد العام للدعم السريع وحصرها في الرئيس وحده.

وانتقد نواب وقتها، قانون الدعم السريع، الذي شهد إجازته القائد العام لقوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بجانب 20 ضابطاً من قواته، حيث رأوا أن بنود المشروع تعطي مدلولاً على أن هذه القوات تشكل قوة رابعة، لأنها لا تخضع لوزير الدفاع خضوعاً كاملاً. 

أيضاً وصف نواب آخرون، مشروع القانون بغير الواضح، بخاصة فيما يتعلق بتبعية هذه القوات لوزارة الدفاع، وما إذا كانت تتبع للجيش أم لا.

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي السابق ووزير الدفاع وقتها، عوض بن عوف، قد قال خلال المداولات، إن تبعية قوات الدعم السريع لرئيس الجمهورية، ليست بالحالة الشاذة، فهي مثلها مثل الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية، إذ لهما قانونان منفصلان ويتبعان للرئيس.

وأضاف: “لا توجد مشكلة طالما تعمل وفق المنظومة العسكرية في حالة الحرب والطوارئ”، لافتاً إلى أن 22 مادة من مجموع 25 مادة مستقاة من قانون القوات المسلحة.

لاحقاً، وصّفت الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها بين المدنيين والعسكريين في 17 أغسطس 2019م، الدعم السريع من ضمن القوات النظامية، لكن تلك القوات سرعان ما نمت وأصبحت الآن شبه قوات موازية للجيش، بعدما توسعت في مقارها في أنحاء البلاد المختلفة، كما ورثت مقار كانت تتبع لأجهزة عسكرية في عهد النظام البائد.

كما تمتلك الدعم السريع استثمارات وشركات خاصة وعلاقات دولية منفصلة، بالإضافة إلى أن قائدها ونائبه أخوين. أيضاً انشأت قطاعات في كل ولايات السودان، ووحدتي استخبارات وطب خاصة بها، وبعد انقلاب 25 أكتوبر، تمددت في أجهزة الدولة المختلفة، وصار قائدها يقوم بأدوار رئيس الوزراء، وأخيراً أصدر قراراً بإنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع المخالف للوثيقة الدستورية، فيما يبدو أنها مرحلة أخيرة لاستقلال قواته تماماً عن الجيش، لتصبح فقط في غضون 5 أعوام، جيشاً موازياً، وهو الأمر الذي يقطع الطريق أمام دمجها في القوات المسلحة، أو يجعل تكلفته باهظة على الأقل، في ظل تقارير مقلقة عن تنامي الخلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع. 

مشاركة التقرير