كيف تدفع إغراءات المال آلاف الجنود السودانيين لسباق المشاركة في دمار اليمن السعيد؟

سباق المشاركة

خلال أكثر من عام بقليل قضاها كمستشار عسكري على الحدود السعودية ـ اليمنية، أكمل العقيد بالجيش السوداني، (أ.أ)، والذي أنهى مهمته ضمن اللواء الثامن، قبل عدة أسابيع فقط، بناء منزل فخم من عدة طوابق في إحدى ضواحي العاصمة السودانية الخرطوم، بتكلفة بلغت ملايين الجنيهات، ما كان ليستطيع فعل ذلك، بناء على راتبه الرسمي.

العقيد (أ.أ)، ليس العسكري الوحيد الذي مثّلت له حرب اليمن، مصدراً مالياً كبيراً لتحسين وضعه الاقتصادي بما في ذلك إنشاء استثمارات صغيرة ومتوسطة، تبدو بعيدة المنال في الظروف العادية.

بينما بات حديث ضابط الصف الفني بقوات الدفاع الجوي السودانية، (م.أ) منذ عودته من حرب اليمن قبل عدة أشهر، مركزاً حول شراء عقار أو قطعة أرض، بما يعادل نحو 15 مليون جنيه سوداني، وإنشاء بعض المشروعات الصغيرة، كحصاد لعام قضاه في الحدود السعودية ـ اليمنية.

لا يعتقد (م.أ)، أنه، كان يعمل كمرتزق يقول “نحن مجرد فنيين ونقيم في القواعد العسكرية”.

بعد عام، و6 أشهر فقط قضياه في اليمن كل على حدة، تمكن الجنديان الشقيقان (م . ع)، من شراء قطعتي أرض بأمدرمان وسيارة نقل عام وركشة، وباتا حديث سكان الحي، من خلال رحلة ثرائهما السريع، أو على الأقل تحسين أوضاعهما بطريقة غير متاحة للآخرين.

أولئك الذين حققوا أحلامهم بالمشاركة في حرب اليمن لجني المال، ينتظر آلاف العسكريين السودانيين دورهم في الذهاب إلى أرض الأحلام (اليمن)، لاختبار كيف تحولك أشهر قليلة من عسكري يتقاضي ما لا يتجاوز عشرات الآلاف من الجنيهات السودانية في الشهر، إلى شخص تداعبه أياديه ملايين الجنيهات.

منذ ما يقارب العام سافر كل من العسكريين بقوات الدفاع الجوي (م.ش) و(ك.ع)، ضمن 600 عسكري آخر إلى مدينة الجنينة غربي البلاد للعمل هناك، على وعد أن يتم اختيارهما للسفر إلى اليمن بنهاية مهمتها التي قاربت على الانتهاء.

لكن أحداث العنف التي تشهدها ولاية غرب دارفور منذ يوم الجمعة قبل الماضي، ربما تمدد مهمتهما هناك، يقولان سنذهب إلى اليمن إذا بقينا أحياء.

أيضاً ينتظر المئات من قوات الدفاع الجوي الموجودون في منطقة الفشقة بولاية القضارف جنوب شرقي البلاد، دورهم في الذهاب إلى اليمن، لكن، مع بداية إعادة انتشار الجيش السوداني في الفشقة في نوفمبر 2020م، قتل العديدون بينهم، دون أن يروا اليمن.

جاءت مشاركة السودان في حرب اليمن، في عام 2015م، كتحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، لكن الدوافع والأهداف مبهمة.

عدد القوات والوحدات العسكرية

ومنذ ذلك الوقت تشارك كل الوحدات العسكرية السودانية، على رأسها المشاة، وبعض الوحدات تشارك بأطقم فنية، مثل المدرعات والمهندسين والدفاع الجوي وسلاح الإشارة، وكل فئات الجيش المشاركة عبارة عن مستشارين فنيين ومهنيين.

أيضاً استقطبت حرب اليمن عدداً من الرياضيين العسكريين، مثل لاعب نادي الهلال والمنتخب الوطني السابق، أبوبكر الشريف، حيث يشارك في اللواء 11. بجانب بطل السودان السابق في ألعاب القوى، إسماعيل أحمد إسماعيل، أيضاً يوجد ضمن اللواء 11.

وآلية الاختيار كانت تتم حسب سنوات الخدمة ونموذج العمليات، كلما كان لديك سنوات خدمة وخبرة طويلة تكون فرص المشاركة أكبر. لكن حالياً، بدأ يتم إبعاد كبار السن بجانب صغار السن، وأولئك المصابين بمرض الكبد الوبائي بطبيعة الحال. أيضاً، يضع بعض كبار الضباط أياديهم من خلال، التحكم في قائمة المشاركين عبر المال مقابل إتاحة فرصة المشاركة، في حرب اليمن لمدة عام، حيث يمنح الجنود وضباط الصف 13 ألف ريال شهرياً، بجانب قيمة للدولة غير معروفة.

وتتم المشاركة من اللواء الأول حتى العاشر، والآن تم تعديل الاتفاق المالي، بداية من اللواء الـ11، ولا تعرف القيمة بعد، لأنهم سافروا فقط الشهر قبل الماضي.

ويبلغ العدد الكلي للواء 5 آلاف جندي، بجانب ما تعرف بـ(كتائب اليمن)، وهي تضم العسكريين من كبار السن، وأولئك الذين يتم اختيارهم عبر الواسطة، ويكونوا موجودين في أماكن آمنة نسبياً، بجانب أن فترتهم 6 أشهر.

يوجد على مدار العام لواءين من الجيش السوداني في السعودية، حالياً يوجد اللواء العاشر والحادي عشر الذي لديه عقد جديد بقيمة أعلى، بينما يوجد ما يقدر بنحو 5 آلاف عسكري من الدعم السريع، غالبيتهم داخل الأراضي اليمنية، ومدة بقائهم 6 أشهر ويتم تغييرهم مرتين في العام.

حالياً يتم إعداد اللواء الـ12، لتغيير اللواء العاشر، بعد عدة أشهر، بينما سيتم تغيير اللواء 11 باللواء 13 في مارس 2023م.

شركات الجيش

مع امتلاك الجيش السوداني، لمئات الشركات التي تُقدر أصولها بمليارات الدولارات، لا يستطيع غالبية أفراده تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وسرت موجة غضب في أوساطهم بعد مضاعفة رواتب قوات الشرطة منذ الشهر الماضي، دون أن تشملهم زيادة الرواتب.

الأحاديث والمعلومات التي تحصلت عليها (بيم ريبورتس)، من عدد من العسكريين، توضح أن الحرب في اليمن، لا تمثل بالنسبة لهم سوى مورد اقتصادي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لا يأتي فيها ذكر لأية أسباب أخرى تدعو للمشاركة فيها.

أسير سابق

“قضيت أكثر من عام في اليمن إلى أن تم أسري. لن أذهب إلى هناك مرة أخرى لأي سبب كان”، يقول المساعد في الاستخبارات (ع.ع)، وهو يمتلك حالياً حافلة مواصلات يقدر سعرها بحوالي 10 ملايين جنيه سوداني.

هروب بعد العودة من اليمن

"أولادكم الذين قمنا بتجنيدهم في الدعم السريع، يذهبون إلى اليمن ويأتون، للتو صرفوا شيك بمبلغ مليارات و400 ألف جنيه، الواحد يمشي يشتري موتر ويشتري بندقية ويشتري لي شال ويخلي الدعم السريع.. نحن يا جماعة في سنة واحدة في 8 ألف فاتوا خلونا"

يقول أحد ضباط الدعم السريع، في مخاطبة منشورة على الإنترنت قبل عدة أشهر.

أصوات رافضة للحرب

ورغم هذه الموجة الحماسية للمشاركة في حرب اليمن المستمرة منذ اكثر من سبع سنوات، إلا أن ضباطاً وجنوداً كثر يرفضون المشاركة فيها، بل ويرفضون مبدأ مشاركة الجيش السوداني في الحرب وما ترتب عليها.

الموقف المعارض للحرب داخل الجيش، يتفق مع مواقف القوى السياسية المدنية التي كانت تعارض نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. أيضاً يتفق مع موقف الحكومة الانتقالية السابقة، حيث دعا رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، إلى حل سياسي للأزمة اليمنية.

بداية الحرب

في عام 2015م، أعلنت المملكة العربية السعودية، بدء عملية عسكرية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين، تحت مسمى عاصفة الحزم بمشاركة 10 دول بينها السودان، وهي كانت بمثابة فرصة ذهبية لنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، لتمويل اقتصاد البلاد الذي كان يعاني من تبعات انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م.  

لكن بعد أكثر من 7 سنوات على انضمامها إلى جانب المملكة العربية السعودية في حربها ضد اليمن تحت مسمى تحالف استعادة الشرعية، بدا أن مشاركة القوات المسلحة السودانية تركت آثاراً عميقة على سمعتها بالدرجة الأولى، بجانب تبعات سياسية عالية وقعت على السودان جراء المشاركة في هذه الحرب. فضلاً عن مقتل وجرح وأسر مئات العسكريين، حسب إحصائيات سودانية، لكن اليمنيين يتحدثون عن آلاف القتلى من القوات السودانية.

ومنذ بدء انضمامها إلى التحالف العربي بقيادة السعودية، ثار الجدل، وما يزال، وسط السودانيين، حول مدى مشروعية وأخلاقية مشاركة القوات السودانية، باعتبار أن عملها الأساسي حماية الشعب والتراب الوطني. 

وغداة انضمامه إلى (عاصفة الحزم)، قال الجيش السوداني في بيان، إن هذه المشاركة تأتي “من منطلق المسؤولية الإسلامية لحماية أرض الحرمين الشريفين والدين والعقيدة”.

في مارس 2015م، أعلن الناطق باسم الجيش السوداني وقتها، الصوارمي خالد سعد، مشاركة السودان في “عاصفة الحزم” رسمياً، لدعم قوات التحالف بقيادة السعودية في حربها ضد الحوثيين باليمن، وفي أكتوبر من نفس العام، أعلن الرئيس المخلوع، عمر البشير، وصول أول دفعة من الجيش إلى اليمن، وقال إن عددها لا يتجاوز لواء واحد من المشاة.

حمدوك يدعو للحل السياسي

عقب أشهر من إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، أعلن رئيس الوزراء السوداني السابق، عبد الله حمدوك،  في ديسمبر من نفس العام، أن عدد القوات السودانية العاملة في اليمن هو 5 آلاف.

وقال حمدوك في تصريحات صحفية وقتها، إن بلاده بدأت سحب قواتها من اليمن تدريجيا، كاشفاُ أن العدد تقلص من 15 ألف جندي إلى 5 آلاف جندي.

وأكد حمدوك، أن الصراع في اليمن “لا يمكن حله عسكرياً.. ويجب إيجاد حل سياسي”، وقال للصحفيين إنه لم تُجر مناقشات حول سحب القوات السودانية من اليمن أثناء زيارته لواشنطن”.

وتعمل القوات السودانية في إطار تحالف تقوده السعودية تدخل في اليمن عام 2015 لمواجهة جماعة الحوثي التي تسيطر على العاصمة صنعاء.

ومنذ إعلان الإمارات الماضي تقليص وجودها العسكري في اليمن ثم سحبها لقواتها من ميناء عدن جنوبي البلاد، بدأ انخفاض عدد القوات السودانية المشاركة في اليمن خصوصاً مليشيا الدعم السريع.

سبع سنوات من الحرب

وحرب اليمن التي يشارك فيها الجيش السوداني منذ أكثر من 7 سنوات، أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص ودفعت الملايين إلى شفا مجاعة.

وكان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قد أعلن أن عدد القوات السودانية التي تشارك في حرب اليمن بلغ ثلاثين ألف جندي، معظمهم من قوات الدعم السريع.

تجنيد الأطفال

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، كشفت في تحقيق صحفي لها، أن 40% من الجنود أطفال يتم تدريبهم في منا