كيف يحاول العسكر احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها لخدمة أجندتهم السياسية؟

لم يكن رفض مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان، لسيارات أهداها لهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قبل عدة أسابيع، سوى مؤشر جديد، لمحاولات قديمة معلنة من المجلس العسكري الانتقالي وحميدتي على وجه الخصوص، لاستمالة الإدارات الأهلية والعمل معها، منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع، عمر البشير، عبر ثورة شعبية في أبريل 2019 م. 

وتكثفت هذه المحاولات، لتحويل الإدارات الأهلية، إلى حاضنة سياسية للمجلس العسكري، عقب فض اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسية للجيش السوداني في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، في 3 يونيو 2019 م. ومع انقلاب 25 أكتوبر الماضي، عادت المحاولات الحثيثة مرة أخرى، للاحتماء بالإدارات الأهلية، لتثبيت السلطة العسكرية من ناحية، واستبقائها نشطة كحاضنة سياسية، للاستعانة بها في أية انتخابات محتملة.   

ويحاول المجلس العسكري، ممثلاً في القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) من الجانب الآخر، فيما يشبه عملية تنافسية، تثبيت وجودهما في السلطة، وفتح نافذة لمستقبل سياسي من خلال احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها في خدمة أجنداتهما السياسية.

مساومة في الحقوق

وفي هذا الإطار، التقى البرهان، يوم الثلاثاء الماضي، ضمن لقاءات مستمرة، وفداً من الإدارة الأهلية قادم من ولاية جنوب دارفور، والذي أشاد خلال لقائه بهم، بما وصفها بــ”الأدوار المتعاظمة التي ظلت تضطلع بها الإدارات الأهلية في بسط السلم والأمن المجتمعي ونشر ثقافة السلام”. 

وفي بلدٍ تعاني أريافه انعداماً للخدمات، يظل الحديث عن التنمية مدخلاً أساسياً، لاختراق الإدارات الأهلية بتقديم وعود تنموية. حيث أكد البرهان، أثناء استقباله، لإدارات أهلية قادمة من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، على “ضرورة توفير الخدمات الضرورية لكافة الولايات والمحليات وتحسين معاش الناس”. 

ومع عجز الدولة المستمر، عن حماية مجتمعات الريف وحل مشاكلها التنموية والخدمية، دعا البرهان، لأهمية، ما وصفها بــ“وحدة الصف والتماسك المجتمعي وضرورة نبذ العنف والتفرقة، بما يضمن استتباب الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة”. 

فيما قال ناظر عموم بني هلبة، التوم الهادي عيسى دبكة، إن الوفد جاء ليؤكد دعمهم لعملية الحوار الجامع من أجل تحقيق “تطلعات” الشعب السوداني، داعياً الأحزاب والقوى السياسية لما وصفها بتغليب المصلحة الوطنية وتحكيم صوت العقل وإعلاء روح التسامح من أجل تحقيق السلام والحرية والعدالة المنشودة.

محاولات حميدتي لصناعة قاعدة شعبية

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أصبح المجلس العسكري، وخصوصاً حميدتي يعمل بشكل علني، فيما يبدو أنها، محاولات لخلق قاعدة انتخابية شعبية، بالتحالف مع الإدارات الأهلية للانتخابات المحتمل قيامها في العام المقبل، من طرف واحد. 

في مارس الماضي، زار حميدتي ولاية البحر الأحمر لمدة 5 أيام، كان طابع الزيارة الأساسي؛ هو عقد لقاءات مع قادة الإدارات الأهلية، بجانب زيارات للموانئ وإصدار قرارات بشأنها، أيضاً تحدث عن مشكلة المياه في مدينة بورتسودان، حيث قدم وعوداً بحلها، مقدماً نفسه في صورة رجل دولة يسعى لحل قضايا شعبه.

خلال زيارته إلى بورتسودان، وبعدها، نشطت حملات ترويجية على وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تشيد بقراراته وكونه قادر على حل مشاكل شرق السودان المستعصية، والتي يتحالف مع أطرافها المتناقضة جنباً إلى جنب.

أجندة قديمة في قوارير جديدة!

عمل حميدتي المستميت مع الإدارات الأهلية، لجعلها حاضنة سياسية واجتماعية، على حساب الأحزاب السياسية المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، بدأ بعد أيام من فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم. ففي يونيو 2019م، تم تجميع عدد كبير من الإدارات الأهلية من أنحاء البلاد المختلفة بمعرض بري، شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، لتفويض المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة، لتشكيل حكومة تكنوقراط.

ونشر الموقع الإلكتروني للقصر الجمهوري، في يوم 18 يونيو 2019م، خبراً عن تفويض الإدارات الأهلية في عموم السودان، المجلس العسكري الانتقالي، بتشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات السودانية لإدارة الفترة الانتقالية.

وجاء إعلان الإدارات الأهلية، بتفويض المجلس العسكري الانتقالي، في البيان الختامي لملتقى الإدارات الأهلية في عموم السودان، بالخرطوم والذي أشار الخبر، إلى حضور أكثر من (٧) آلاف من قيادات الإدارة الأهلية من كل أنحاء البلاد.

وقال حميدتي، خلال مخاطبته ختام الملتقى، إن البلاد تحتاج في الوقت الراهن إلى الإسراع في تكوين حكومة من الكفاءات السودانية إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة في “أقرب وقت”.  

وأضاف “أن هذا اليوم هو يوم نصر، لأنه جمع الإدارات الأهلية التي تضم كل مكونات الشعب السوداني” على حد قوله. متابعاً: “الإدارات الأهلية تمثل برلمان السودان ومجالسه التشريعية في ظل غياب البرلمان المنتخب”، مطالباً قيادات الإدارة الاهلية بالعمل جنباً إلى جنب مع المجلس العسكري في “هذه المرحلة”، باعتبارهم “أصحاب إرث راسخ” في تقديم الحلول للقضايا من خلال الأعراف السودانية التي أصبحت مُعترف بها عالمياً، وفق قوله.

من جهتها، أشادت الإدارات الأهلية في البيان الختامي للملتقى بدور القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في دعم الثورة وانحيازها للشعب، وفوضت المجلس العسكري الانتقالي لتشكيل الحكومة الانتقالية والإسراع بقيام انتخابات تفضي إلى حكومة منتخبة، فضلاً عن اتخاذ كافة القرارات التي تفضي لاستقرار البلاد.

ودعت الإدارات الأهلية، في بيانها الختامي، إلى “الشروع الفوري” في مفاوضات سلام مع الحركات المسلحة لتحقيق الاستقرار بالبلاد. وسلمت الإدارات الأهلية بالبلاد في ختام الملتقى، حميدتي، ما سمتها وثيقة عهد وميثاق، أكدت فيها وقوفها مع المجلس العسكري.

كيان سياسي

في تلك الفترة التي تلت فض اعتصام القيادة العامة، بدأ المجلس العسكري الانتقالي، توجهاً واضحاً في محاولة تشكيل كيان سياسي، يعمل من خلاله على إدارة الدولة وشؤون الحكم بعد تباطؤه في تسليم السلطة للمدنيين. حيث تم الإعلان عن حزب جديد تحت مسمى “الحزب الأهلي السوداني”، بمباركة حميدتي الذي عبر عن ترحيبه بالكيان الجديد، وأنه يعوّل في المستقبل على رجالات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في تحقيق الأمن والاستقرار بالسودان.

مشهد قاتم بالشرق من صنع حميدتي

بالعودة إلى رفض مجلس شورى الأمرار، السيارات التي أهداها لهم (حميدتي)، ندد المجلس بالخطوة. وقال في بيان، “إن هذه السيارات ليست مكرمة وإنما اساءة بالغة لنا ولا يمكن تقبلها”. مضيفاً “هذا المسلك مرفوض بالنسبة لنا وإساءة بالغة لا يمكن تقبلها، وهذه ليست مكرمة يمكن تقبلها وإنما تدنيس لدماء شهداء البجا”.

ويعتقد ناشط في قضايا شرق السودان تحدث لـ(بيم ريبورتس)، أن حميدتي، يحاول من خلال نفوذه مع قادة أطراف الإقليم الرئيسية أن يوازن وجوده في السلطة، لكن هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً إذا ما شعر بأن وجوده في السلطة المركزية بات محل شكوك، إذ بإشارة منه يمكن أن يشعل الشرق. 

ورغم أن قضية شرق السودان، واضحة المعالم، يقول الناشط، إلا أن حميدتي لا يريد حلها لاستخدامها كورقة سياسية يحافظ بها على موقعه في أي تسوية مقبلة. 

بيان مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان

وقال في هذه الحالة، يمكن أن يُشكل خطراً كبيراً على الشرق، باعتبار علاقاته الوثيقة مع الأطراف المتناقضة والوعود التي قدمها للجميع، لحل مشاكل الإقليم، إذ يتعامل معه الجميع ليس بصفته الشخصية ولكن كممثل للدولة.  

أيضاً يسيطر حميدتي على تنظيمات كانت موالية للنظام البائد بولاية البحر الأحمر، مثل مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، كذلك يسيطر على ما يسمى بتجمع المهنيين (المركز العام)، في ولاية البحر الأحمر.

أبعاد جيوسياسية وإقليمية تتفاعل في أزمة الشرق، حيث منح مجلس السيادة، الرئيس الإرتري، أسياس أفورقي، الضوء الأخضر، للتعاطي مع قادة الإقليم، حيث ينشط في محاولة ترك كلمته في الأزمة.

تاريخ الإدارة الأهلية

وتعود نشأة الإدارة الأهلية إلى عهد السلطنات السودانية القديمة، وارتبطت بتاريخ نشأة مملكة الفونج ومملكة التنجر ومملكة الفور، حسب بعض المؤرخين.

وعقب إطاحتها بالحكم التركي – المصري، في عام 1885م، استصحبت الدولة المهدية، التكوين القبلي الذي يمثل روح الإدارة الأهلية، وعملت على تكريس ذلك النظام وأسبغت على زعماء الإدارات الأهلية الألقاب والرتب وأصبحوا أمراء.

ليأتي بعدهم البريطانيون، عقب احتلالهم البلاد في عام 1898م ويستمروا في ذلك النمط الإداري، في حكمهم للسودان، بل عملوا على تهجينه وتطويره مع ما يتماشى ورغبتهم في إحكام قبضتهم على البلاد، فعملوا على تعزيز دور قادة الإدارات الأهلية  بالترهيب والترغيب والرشاوى ومنحهم الامتيازات وشكلوا عاملاً مشاركا في إدارة البلاد.

بعد إجلاء الاستعمار البريطاني في عام 1956م دخلت الإدارة الأهلية مرحلة جديدة في نموها، إذ انقسمت كياناتها بين القوى الحزبية الطائفية وشكلت ذلك النسيج الضارب الجذور في خلايا الدولة السودانية.

غير أن الإدارات الأهلية، تاريخياً، ظلت ترى الدعوة للديمقراطية والحداثة خطراً يهدد امتيازاتها التاريخية المادية والمعنوية الموروثة، وبالتالي أصبحت ذلك الحليف الطبيعي لأنظمة الاستبداد، حيث تبدي تخوفها من كل نزعة نحو المستقبل والتغيير، خاصة التحديث في هيكل الدولة القديمة المتوارث.

توظيف في الحروب الأهلية

وشهدت عقود النظام البائد الثلاثة في الحكم، تمدد نسيج الإدارة الأهلية في جهاز الدولة وعصره الذهبي، ولم يقم المجلس العسكري الحالي، سوى بإعادة إحيائه مجدداً. أيضاً وظف النظام البائد، الإدارات الأهلية ضمن الحروب الأهلية، حيث عمل مع قياداتها لمده بالمتطوعين للقتال ومساندة الجيش، قبل أن تتحول إلى شيء أشبه بالعمليات التجارية، حيث كانت تتم عبر مقاولات مباشرة، بين بعض شيوخ الإدارات الأهلية وبين مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع، حيث يتلقوا عوائد مالية نظير كل شخص يتم إرساله إلى مناطق العمليات العسكرية. أيضاً كانوا يتلقوا أموالاً وامتيازات أخرى نظير تجميع حشود مصنوعة لاستقبال مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع.

لكن هذه العمليات، عملت من جانب آخر على تفكيك النسيج الاجتماعي، من خلال عمليات استنفار المجموعات للانخراط في الحروب. وتمثل بعض الإدارات الأهلية، امتداداً للنظام البائد، ويتم استخدامها حالياً من قبل المجلس العسكري، لخلق حالة من الاضطرابات والتناقضات السياسية والاجتماعية، في مشهد البلاد القاتم.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp