كيف رسّخ انقلاب عبود لسيطرة الجيش على مقاليد الحكم في السودان؟

“وبما أن قوات الأمن قد تسلمت مقاليد الحكم، ولكي تستطيع أن تقوم بمهمتها خير قيام، فإني آمر بالآتي وأن يُنفذ فوراً؛ أولاً: حل جميع الأحزاب السياسية، ثانياً: منع التجمعات والمواكب والمظاهرات في كل مديريات السودان، ثالثاً: وقف الصحف حتى يصدر أمراً بذلك من وزير الداخلية”. 

هذا المقتطف من بيان انقلاب الجيش السوداني في يوم الاثنين السابع عشر من نوفمبر 1958م، الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، وأطاح عبره بالديمقراطية الأولى، وذلك بعد أقل من 3 سنوات على استقلال البلاد في عام 1956م، والذي مثل بداية ولوج الجيش في السودان الى معترك السياسة.

منذ انقلاب 17 نوفمبر 1958م، وانتهاء بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، وصل عمر الحكم العسكري منذ الاستقلال إلى نحو 53 عاماً، مقابل توق مستمر للمواطنين من جهة أخرى إلى حكم مدني رسخته ثورة ديسمبر، وقبلها ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس ـ أبريل 1985م، حيث أصبح الرفض القاطع للحكم العسكري، ليس محل تساؤل وحسب، وإنما قرار اتخذته كل الأطراف، لكن كل على طريقته.

ومع فارق العصر والسياقات، بين انقلابي نوفمبر وأكتوبر، ظل قائد الجيش السوداني الحالي، عبد الفتاح البرهان، منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، يقاتل في جميع المنابر التي تحدث عبرها في نفي قيادته انقلاباً عسكرياً. في الوقت الذي تتمسك قوى الحرية والتغيير بجانب الحزب الشيوعي، بإبعاد الجيش عن العملية السياسية، تُشدد لجان المقاومة القائدة للاحتجاجات في البلاد، على أن مكان الجيش الوحيد، هو العودة إلى ثكناته، مرةً واحدة وإلى الأبد، رافعة شعار “قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة”.

تحت وقع هذه الضغوط المستمرة على قادة انقلاب 25 أكتوبر، خرج الجيش للمرة الأولى عن صمته في مارس الماضي، عندما أوصى في ندوة بخروج، المؤسسة العسكرية من العملية السياسية.

هل يرغب الجيش في الخروج من السياسة؟

“إن القوات المسلحة لا تسعى للحكم لا في الفترة الانتقالية ولا بعدها”، يقول نائب رئيس هيئة الأركان إدارة ـ ممثل المجلس الأعلى لأكاديمية نميري العسكرية العليا، منور عثمان نقد.

ودعا نقد في الندوة التي نظمتها رئاسة هيئة الأركان بأكاديمية نميري العسكرية، بمدينة أمدرمان وأثارت جدالاً سياسياً، مكونات الشعب السوداني للتشاور والتحاور والاتفاق على الثوابت الوطنية لتأسيس حكم ديمقراطي يخدم التحول.

وأكد خلال مخاطبته ما سميت بالندوة المنهجية الأولى (حول تأثير نظم الحكم في السودان على العلاقات العسكرية المدنية)، التي عقدت في الخامس عشر من مارس الماضي، بأن “القوات المسلحة عينها مفتوحة لأي محاولة انقلابية وأنها تدعم خيارات الشعب في الحرية والسلام والعدالة”، مشيراً إلى أن “هناك فرصتين متاحتين هما التوافق أو الانتخابات للخروج من الأزمة وإيقاف التدهور الذي يعاني منه الشعب السوداني”.

“لابد أن يتفهم الجميع، بأن الديمقراطية هي الحكم الأمثل للسودان”، يقول نقد قبل أن يدعو أجهزة الإعلام الى توعية الشعب السوداني بمفهوم الديمقراطية تمهيداً لمستقبل مشرق. 

وأوصت الندوة بضرورة خروج المؤسسة العسكرية من المعادلة السياسية والقيام بدعوة كافة الأطراف والمكونات السياسية والأحزاب للتفاوض والوصول إلى حل سياسي في مدة زمنية محدودة، قبل أن تدعو للترتيب والتوجه نحو صناديق الاقتراع والتوافق على انتخابات حرة بإشراف لجنة قومية من المستقلين مع الاستعانة بلجان دولية محايدة للمراقبة وتأجيل قضية الإجماع إلى ما بعد الحكومة المنتخبة. 

Play Video

من بين القادة السياسيين الذين علقوا على توصية الجيش بخروجه من السياسة، رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير واضعاً سياقات عديدة، حتى تؤخذ في الاعتبار كونها خطوة جدية، وموضحاً أن هذا الأمر هو ما يدعو إليه السودانيين، خصوصاً قوى الثورة.

ويشخص رئيس حزب المؤتمر السوداني، أزمة المؤسسة العسكرية، في بعض قادتها، وقال “من جهةٍ أخرى، فإن أكثر ما أضَرّ بالمؤسسة العسكرية في السودان هو سَوْقها بواسطة بعض قادتها – بمشاركة أو مباركة مدنيين – إلى الانغماس في السياسة لعدة عقود، ما يعني اختطافها بواسطة نخبة “عسكرومدنية” للسطو بها على الحكم وممارسته باسمها والتسلط على البلاد والعباد استناداً على ما تحوزه من قوةٍ مادية باطشة”.

خروج المؤسسة العسكرية من السياسة لديه العديد من المطلوبات، يقول الدقير “الدعوة لخروج المؤسسة العسكرية من المعادلة السياسية تَجُرُّ معها الحديث عن ضرورة الإصلاح المؤسسي، بما في ذلك ما هو مطلوب لضمان ولاية الحكومة التنفيذية على المؤسسات الاقتصادية العامة، وأن تكون هناك مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة تحتكر شرعية حمل السلاح، في فضاء دولة سيادة القانون ومؤسسات الحكم المدني الديمقراطي، وتكون مسؤولةً عن حراسة حدود الوطن من أي اعتداء وحماية الشرعية الدستورية، ولا شأن لها بالحراك السياسي وما يعتمل فيه من جدلٍ – بين الرؤى والمواقف – يكون الحكم فيه للشعب”.

كيف دخل الجيش إلى معترك السياسة في السودان

بالعودة إلى بيان الفريق إبراهيم عبود، الذي مثّل في ذلك الصباح البعيد، الحلقة الأساسية التي تناسلت منها الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة، كما أنه كان بمثابة شرعنة لتدخل دائم للجيش في معترك السياسة السودانية.

بعد مرور أكثر من 6 عقود على تنفيذه، مثل بيان الانقلاب الإطار السياسي والثيم اللغوي الأبدي، الذي يصلح للاستدعاء غداة أي انقلاب عسكري في البلاد، لذا لم يكن انقلاب 25 أكتوبر الماضي، الذي قاده الجيش السوداني، استثناءً من مضامين، بيان انقلاب الجيش الأول في 17 نوفمبر 1958م.

صورة أرشيفية للفريق ابراهيم عبود

صناعة المبررات بغرض السيطرة على الحكم

“الفوضى والأحزاب السياسية والسفارات الأجنبية”، تمثل العنوان الأبرز لمبررات تدخلات الجيش في السياسة، يقول عبود في مفتتح بيانه: “أيها المواطنون أحييكم جميعاً أطيب تحية. كلكم يعلم ويعرف تماماً ما وصلت إليه حالة البلاد من سوء وفوضى وعدم استقرار للفرد والمجموعة. وقد امتدت هذه الفوضى والفساد، إلى أجهزة الدولة والمرافق العامة بدون استثناء، كل هذا يرجع أولاً وأخيراً إلى ما تعانيه البلاد من الأزمات السياسية القائمة بين الأحزاب جميعها، كل يريد الكسب لنفسه بشتى الطرق والأساليب المشروعة منها وغير المشروعة باستخدام بعض الصحف و الاتصال بالسفارات الأجنبية، وكل ذلك ليس حباً في إصلاح وحفظ استقلال السودان وتقدمه ولا رغبةً في صالح الشعب المفتقر للقوت الضروري، ولكنه جرياً شديداً وراء كراسي الحكم والنفوذ والسيطرة على موارد الدولة وإمكانياتها”.

على نفس نسق مبررات بيان عبود في الاستيلاء على السلطة، صاغ البرهان حججه، في الإطاحة بالحكومة الانتقالية.

قبيل انقلاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر الماضي، بعدة أسابيع كثر الحديث عن فشل الحكومة القائمة وأن الصبر عليها قد نفد، فيما يتم التأكيد على ضرورة حلها، وتشكيل حكومة تكنوقراط، وهذا يتطابق مع بيان انقلاب الفريق عبود من ناحية، إذا يقول في هذا الصدد؛ “وقد طال وقصر ذلك وصبرنا على تلك الحكومات الحزبية حكومة تلو أخرى آملين أن تتحسن الأحوال ويسود الاستقرار وتطمئن النفوس وتزول الكراهية الكامنة في النفوس والقلوب. ولكن ومع الأسف الشديد، لم تزدد الحالة إلا سوءاً على سوء، فنفد صبر كل محب لسلامة السودان وشكا كل فردٍ من تدهور الحالة وما آلت البلاد إليه من الفوضى والفساد حتى كادت أن تتردى في هاوية سحيقة لا يعلم مداها إلا الله”.

ونتيجة لذلك، يمضي البيان “وهو المسلك الطبيعي، أن يقوم جيش البلاد ورجال الأمن بإيقاف هذه الفوضى ووضع حد نهائي لها وإعادة الأمن والاستقرار لجميع المواطنين والنزلاء، والحمد لله قد قام جيشكم المخلص في هذا اليوم السابع عشر من نوفمبر سنة 1958م، بتنفيذ هذه الخطة السليمة المباركة والتي بإذن الله ستكون نقطة تحول من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الفساد إلى النزاهة والأمانة، وإني واثق بأن كل مخلص لهذا البلد سيتقبلها بصدر رحب