هل تفلح الآلية الثلاثية في استعادة مسار التحول الديمقراطي بالسودان؟

بعد مرور 7 أشهر على انقلاب الجيش السوداني، في 25 أكتوبر الماضي، ما تزال البلاد تعيش وطأة تعقيدات سياسية كبيرة أعقبت الانقلاب الذي أنهى مسيرة سياسية كانت تهدف إلى الوصول بالبلاد إلى سلطة مدنية وتحول نحو الديمقراطية.

ورغم أن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وصف الانقلاب، بأنه “إجراءات تصحيحية”، إلا أنه واجه موجة من الرفض الشعبي، حاول تفاديها بتوقيعه اتفاقاً مع رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، في الحادي والعشرين من نوفمبر الماضي، لكنه فشل مرة أخرى، بعد استقالة حمدوك في الثاني من يناير الماضي. 

ومع الضغط الشعبي المتصاعد، واستمرار الاحتجاجات المناهضة لسيطرته على السلطة، انخرط مجلس السيادة في المشاورات التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) برئاسة فولكر بيرتس، في يناير الماضي، ولكنه سرعان ما انقلب عليها ووجه ضدها آلته الإعلامية الرسمية، على رأسها الصحيفة الرسمية للقوات المسلحة، وغيرها من الجهات غير الرسمية على شاكلة شبكات تضليل وأخبار زائفة منظمة تعمل على تشويه صورة رئيس البعثة أمام الرأي العام. 

بالتزامن مع هذه الحملات، بدأت أصوات تنادي بضرورة إدخال أطراف أفريقية أخرى لتكون جزءاً من عملية تسيير المشاورات السياسية، وتجسدت هذه المطالبات؛ بتكوين الآلية الثلاثية التي تضم اليونيتامس، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) في محاولة لتحقيق اختراق سياسي بين الأطراف. 

سبق الهجوم المباشر الذي شنته المؤسسة العسكرية ضد فولكر، محاولتهم استقطاب داعمين إقليميين، إذ زار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) إثيوبيا في 2 يناير، حيث التقى رئيس الوزراء آبي أحمد، وناقش معه سبل تعزيز التوافق بين البلدين، كما ذكر تقرير أن حميدتي سيناقش مع مسؤولين إثيوبيين “تطورات الأوضاع في السودان، والجهود المبذولة لتحقيق الوفاق الوطني”. 

ولا يبدو من الغريب، أن يتوجه حميدتي إلى إثيوبيا بالتحديد نسبة لعلاقتها القوية بمؤسستي الاتحاد الأفريقي والإيغاد، حيث يوجد مقر رئاسة الاتحاد الأفريقي في أثيوبيا، بينما يشغل وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق، وركنه جيبيهو منصب الأمين التنفيذي  للإيغاد. 

بعد زيارة حميدتي بمدة قصيرة، بدأ أول تدخل للإيغاد كطرف في المشاورات السياسية حيث أعلن الأمين التنفيذي لمنظمة الإيغاد ، وركنه جيبيهو، في 30 يناير عبر تويتر وصوله للسودان ولقائه بسفراء الإيغاد المعتمدين لدى السودان، كما قابل في زيارته فولكر وسفراء دول الترويكا، بالإضافة إلى (حميدتي) الذي رحب بمساعي الإيغاد لإيجاد سبل للحوار المفتوح بين جميع الأطراف لاستئناف عملية الانتقال، كما التقى بقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، حيث ناقش معه الدور الذي ستلعبه الإيغاد في الحلول التفاوضية للأزمة السياسية الحالية. 

أعقبت زيارة الأمين العام للإيغاد، زيارة وفد من الاتحاد الأفريقي برئاسة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، للبلاد واستهل الوفد زيارته بلقاء حميدتي الذي قال إن السودان يرحب بأي دور يمكن أن يقوم به الاتحاد الأفريقي في سبيل تقريب وجهة النظر بين الأطراف السودانية. كما ذكر الوفد أنه التقى بالبرهان في اليوم الذي يليه، قبل أن يختتم زيارته في يوم 14 فبراير معلناً أنهم قد التقوا بأغلب الفاعلين العسكريين، والسياسيين، والمدنيين ـ دون تقديم مزيد من التفاصيل ـ  كما التقى الوفد بالمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان والترويكا، وأشار موسى خلال زيارته لما وصفها بـ”المبادئ الأساسية ومسؤولية الاتحاد الأفريقي” في حل المشاكل الأفريقية من قبل الأفارقة أنفسهم، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، ولا سيما الأمم المتحدة، وفقاً لنهج يحترم هذه المبادئ بالإضافة لسيادة الشعب السوداني في التعامل مع شؤونه.

ورغم أن الاتحاد الأفريقي كان له موقف قوي بعد وقوع الانقلاب، إذ أعلن عن تعليق عضوية السودان في 27 أكتوبر، وقد ذكر في البيان، أن التعليق سيستمر “حتى الاستعادة الفعلية للسلطات الانتقالية بقيادة مدنيين”، كما أدان الإجراءات التي قام بها الجيش واصفاً إياها بالتغيير غير الدستوري للحكومة واعتبرها أمراً غير مقبول وإهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الأفريقي. كذلك، فعلت الإيغاد، إذ أصدر الأمين التنفيذي للإيغاد وركنه جيبيهو تصريحاً صحفياً في 25 أكتوبر أدان فيه “محاولة تقويض الحكومة المدنية”، كما أبدى انزعاجه من التطورات الأخيرة، خصوصاً أن السودان هو الرئيس الحالي للمنظمة.

لكن مع مرور الوقت، باتت مواقفهم أقل حدة وقد كان هذا السلوك ظاهراً منذ تصريحات محمد حسن ود لباد في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن تكوين الآلية في 10 مارس الماضي، حيث أوصى من أسماهم “فصائل الشعب التي تنظم المسيرات والمظاهرات”، بأن لا يشجعوا على أي سلوك قد يسئ إلى قوى الأمن ومؤسسات الدولة في ظل هذه الظروف الجديدة السلمية المواتية للحوار على حد وصفه.

ومع بدء العملية، بدأ الحديث عن تحيزات وقبول ورفض لها، حيث رفض حزب المؤتمر السوداني، أن يكون جزءاً من الاجتماع التحضيري الأول الذي دعت له الآلية، حيث أشار في بيان له بأن “الاجتماع التحضيري لا يقود لذلك (يقصدون العودة إلى المسار الديمقراطي)، لأنه يخطئ في تعريف طبيعة الأزمة وتحديد أطرافها وقضاياها ويشرعن حجج الانقلاب التي يريد من خلالها إخفاء دوافعه وطبيعة تركيبته“. بينما قال الحزب الشيوعي في رسالة وجهها إلى الآلية بعد رفضه المشاركة في المشاورات غير المباشرة في 14 مايو، إن الآلية تقيم تفاوضا مع قوة سياسية شاركت في النظام البائد، بالإضافة إلى أنها تؤيد إفلات الجناة من العقوبات في الجرائم التي تعرض لها الثوار، وقد ردت اليونيتامس على هذه التصريحات حيث وصفتها بـ الصادمة، إذ ذكرت أنها تتناقض مع مجهوداتها.  وكان آخرها اتهام عضو مجلس السيادة السابق صديق تاور للوسيط الأفريقي بالانحياز إلى العساكر، وأنهم دخلوا منذ البداية بعقلية التسوية لصالح الإنقلابيين.

برغم التقاطعات في عمل الآلية الثلاثية، والرفض الذي جوبهت به دعواتها من قبل العديد من المكونات السياسية ولجان المقاومة، إلا أن الآلية عقدت، في الثامن من يونيو الحالي، اجتماعاً تقنياً للتجهيز للمحادثات السودانية-السودانية، وأعلنت أن الاجتماع  ناقش القواعد الإجرائية وشكل المحادثات بشأن القضايا الموضوعية، وإنشاء هيئة وطنية من شخصيات سودانية للإشراف على المحادثات السياسية.

وجرت الجلسة بحضور شخصيات بارزة من مناصري و الحزب الشيوعي السوداني، ومجموعة حقوق النساء، وتجمع المهنيين السودانيين، ولجان المقاومة.

وفي ظل مقاطعة أغلب القوى السياسية والمقاومة لعمليات الآلية الثلاثية، وسط اتهامات للقائمين على أمرها بالتحيز، فستكون بلا جدوى.

وعقب اجتماع الآلية الثلاثية، الذي قاطعته قوى الحرية والتغيير انخرط ممثليها في اجتماع مباشر مع العسكريين للمرة الأولى منذ انقلاب 25  أكتوبر الماضي، بوساطة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميريكية، لكن سفارتي البلدين بالخرطوم، أكدتا في بيانين منفصلين، أن اللقاء بين المدنيين والعسكريين لا يعد بديلاً للآلية الثلاثية، لكن الأخيرة أعلنت تأجيل اجتماع كان من المنتظر أن يعقد اليوم الأحد بين تلك القوى المحسوبة على النظام البائد والعسكريين.

ومع وساطة الرياض وواشنطن التي أفضت إلى انخراط قوى الحرية والتغيير والعسكريين من جهة أخرى في محادثات مباشرة، وصفت بغير الرسمية، وتأكيدها من ناحية أخرى، أن هذه المحادثات لا تعد بديلاً للآلية الثلاثية، يبدو أن كثيراً من العوامل قد تلقي بظلالها على عمل الآلية الثلاثية، خاصة أن بعض أطرافها (الوسيط الأفريقي)، واجهت اتهامات بالتحيز للعسكريين.

خط زمني لمعالم العملية السياسية منذ انقلاب 25 أكتوبر: