في خضم حملات تضليلية.. السودانيون يستعدون لتكرار سيناريو 30 يونيو 2019م

بعد فض اعتصام القيادة العامة الدموي بالعاصمة السودانية الخرطوم ومدن إقليمية أخرى في 3 يونيو 2019م، اعتقد الكثيرون أنه كان بمثابة تشييع لثورة ديسمبر وإيذاناً بسيطرة كاملة للمجلس العسكري الانتقالي المحلول. لكن لم تكد تمر أقل من 4 أسابيع، حتى تغير المشهد تماماً، تحت هدير الشوارع في مواكب مليونية 30 يونيو والتي أنهت اعتقادات العسكريين بالسيطرة من جهة، وفاجأت أولئك المتابعين للشأن السوداني من جهة أخرى.

وأتت مواكب 30 يونيو 2019م، رغم القبضة الأمنية المشددة وظروف قطع الانترنت والصدمة التي اعترت ملايين السودانيين، لا لتنهي انقلاب المجلس العسكري الانتقالي المحلول، على الثورة وحسب، وفقاً لبيان القائد العام للجيش وقتها، عبد الفتاح البرهان، وإنما كانت إعلاناً مزلزلاً باستمرار الثورة. كما أنها قادت المجلس العسكري الانتقالي للتراجع عن انقلابه واستئناف التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير والذي أسفر عن توقيع الوثيقة الدستورية في السابع عشر من أغسطس 2019م والتي تقاسم بموجبها المدنيون والعسكريون السلطة إلى حين انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

عقب انقلاب 25 أكتوبر في العام الماضي، عاد السودانيون مجدداً إلى نقطة 3 يونيو 2019م، يواجهون الموت في الطرقات والقبضة الأمنية المشددة على يد المجلس العسكري الانتقالي نفسه، بعدما أعاده البرهان إلى الحياة مجدداً، ضمن فقرات بيانه المتعلقة بالوثيقة الدستورية التي تلاها في بيان انقلابه يوم الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

مياهاً كثيرة مرت تحت الجسر منذ 30 يونيو 2019م، لكنها اليوم تتجمع مرة أخرى على عتبة مواكب 30 يونيو 2022م، لتتخذ مجرى جديداً لها، في خضمِ واقع سياسي واقتصادي واجتماعي ملتهب، لكنه على تناقضات الفاعلين فيه، إلا أنه ذو هدف واحد؛ “إسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الحكم المدني”؛ وإن كان بلافتات متعددة.

“في الفترة التي سبقت 30 يونيو 2019م، وبعد أن عطل المجلس العسكري خدمات الإنترنت، عملت لجان المقاومة بصورة مباشرة داخل الأحياء للحشد لمليونية 30 يونيو، حيث استعملت اللجان تكتيكات الكتابة على الجدران باستخدام البخاخات والمخاطبات المباشرة في الأحياء والأسواق والتجمعات المختلفة وتوزيع الأوراق الدعائية، كما عملت على تنظيم نقاشات مع السكان بصورة مستمرة”، تروي عضوة لجنة الإعلام في تنسيقية لجان مقاومة بحري، مآب صلاح، جانباً من الاستعدادات لمليونية 30 يونيو 2019م.

وتضيف مآب، في إفادتها لـ(بيم ريبورتس) أن “السبب الأساسي لنجاح مليونية يوم 30 يونيو 2019م هو أن الناس كانوا مشحونين أصلاً بسبب الانتهاكات التي ارتكبها المجلس العسكري في فض الاعتصام”.

وأوضحت أن طريقة عمل اللجان في الحشد لمليونيات 30 يونيو في 2020م و2021م اختلفت حيث اعتمدت على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أكبر، وبدأت في عمل (لايفات) – البث المباشر عبر الانترنت- وفتح قنوات للناس لطرح الأسئلة وغيرها من الطرق التي تضمن للجان الوصول إلى عدد كبير من الناس.

وتعود إلى تنظيم مليونية 30 يونيو 2019م قائلة: “في مليونية 30 يونيو 2019 عملت اللجان الميدانية والإعلامية التابعة للجان المقاومة مع اللجان الميدانية لقوى الحرية والتغيير في تنظيم المظاهرات وتحديد المسارات، ولكن انتهى هذا الشكل من أشكال التنسيق وأصبحت لجان المقاومة تنظم المليونيات بصورة منفردة”.

المشهد السياسي في 30 يونيو 2022م

تأتي مليونية 30 يونيو هذا العام، والمشهد السياسي ينقسم إلى معسكرين رئيسيين؛ انقلاب 25 أكتوبر وحلفائه، مقابل القوى الساعية لإسقاطه، بالإضافة إلى حراك دولي وإقليمي يحاول جمع الأطراف السودانية على طاولة تفاوضية. بينما ترفض لجان المقاومة والحزب الشيوعي ومنظومات أخرى التفاوض، تقبله قوى الحرية والتغيير بشرط أن يُبنى على إنهاء الانقلاب.

فيما دعا رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرتس، السلطات إلى ضمان التزامها بحماية الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، مشددا على أنه لن يتم التسامح مع العنف ضد المتظاهرين. أيضاً دعا بيرتس “الجميع” إلى عدم إعطاء أي فرصة لـ”المفسدين” الذين يريدون تصعيد التوترات في السودان.

بينما قالت الشرطة السودانية، في بيان نادر، إنها سوف تلجأ لاستخدام “القوة المدنية” في مليونية 30 يونيو. كما ذكر البيان تقدم وزير الداخلية ورئاسة الشرطة بطلب للنائب العام ووزير العدل بنشر مستشارين اتحاددين بأقسام الشرطة كمراقبيين للقوات منذ خروجها والتأكد من تسليحيها، ومرافقة وكلاء النيابة التابعيين لولاية الخرطوم. 

ويأتي بيان الشرطة بعد مقتل 104 متظاهرين وإصابة الآلاف، منذ انقلاب 25 أكتوبر. 

تأكيدا لذلك طلب السيد وزير الداخلية و رئاسة الشرطة من النائب العام ووزير العدل نشر مستشارين اتحاديين باقسام الشرطة ومواقع التعامل كمراقبين للقوات منذ خروجها والتاكد من تسليحها ومرافقة وكلاء النيابة التابعين لولاية الخرطوم وتدوين اي ملاحظات اثناء التعامل.

حملات تضليل إعلامية تسبق 30 يونيو

بيان الشرطة بعد مقتل 104 متظاهرين وإصابة الآلاف، بالتزامن، مع الدعوات لمليونية 30 يونيو بدأت تغزو وسائل التواصل الاجتماعي السودانية حملات تضليل إعلامي ممنهجة في محاولة لضربها و التشكيك في جدواها.

وتنشط الحملات على زرع الخوف وسط أولئك الذين ينوون التظاهر في مليونية 30 يونيو، حيث اتجهت المجموعات التي تعمل في التأثير على الرأي العام، بتنسيق حملات ممنهجة، تعمل على التخويف من المشاركة في مليونية 30 يونيو، واستبقوا ذلك اليوم، بادعاء أن أي دماء سوف تكون مسؤولية القوى المعارضة.

بدأ هذا النشاط المنسق، بفبركة مقال للقيادي بتجمع المهنيين السودانيين (الحرية والتغيير)، محمد ناجي الأصم، بعنوان (عودة الوعي للأصم، حيث ادعى المقال المفبرك أنه دعا إلى (حفظ دم الشباب وعدم الاستجابة لدعوات الخراب)، لكن الأصم نفى صلته بالمقال جملة وتفصيلاً، في منشور كتبه على حسابه بموقع فيسبوك.

وفي إطار الحملة الممنهجة ضد مليونية 30 يونيو نشر الكاتب ورئيس التحرير السابق لـ(صحيفة الرائد) ،الناطقة باسم حزب المؤتمر الوطني المحلول، ياسر محجوب الحسين، في تغريدة على حسابه بموقع تويتر إن الدعوة “لتظاهرات مليونية 30 يونيو ليست لأمر مبدئي كإزالة ما يسمونه بالانقلاب وإنما تكتيكي لتحسين الموقف التفاوضي المُستهدِف حصاد كراسي الحكم، فلو حصلوا على كراسيهم فليس هناك سبب لازالة (الانقلاب) ولا عزاء لأمهات الشهداء وكذلك الذين هم مشاريع شهداء فداءً للكراسي”.

بينما نشر القيادي الإسلامي، ورئيس تحرير (صحيفة مصادر)، عبد الماجد عبد الحميد، منشوراً على حسابه بموقع فيسبوك، قال فيه الإدعاء الآتي:

بينما درجت مجموعة على فيسبوك باسم (مبادرة تفويض القوات المسلحة لاستلام السلطة)، منذ أيام على نشر معلومات مضللة ومفبركة، ومنشورات تخويفية تحث على عدم المشاركة في مليونية 30 يونيو ونشر أحد أعضاء المجموعة الإدعاء الآتي:

أيضاً نشرت مجموعات على موقع فيسبوك، إدعاءات تهدف إلى بث مناخ الخوف، عن خطة مدروسة عن عملية اغتيالات خلال مليونية 30 يونيو المقبل. وجاء الادعاء كالآتي:

يعتقد مروجي هذا النوع من المعلومات المضللة بأنها قد تثبط عزم المتظاهرين، ولكن دائماً ما يكون الرد هو امتلاء الشوارع بالمزيد من الحشود.

اتساع رقعة المقاومة في 30 يونيو 2022م

بعد ثلاث سنوات، نمت لجان المقاومة في السودان، وشملت غالبية أحياء ومدن وقرى البلاد، وأصبحت مستقلة عن قوى الحرية والتغيير، ورغم أنهما يتشاركان الأهداف العامة، إلا أن الحيثيات مختلفة بعد 25 شهراً من تجربة الحكومة الانتقالية، التي كانت فيها قوى الحرية والتغيير شريكاً في السلطة.

لكن رغم ذلك، حشدت القوى الرئيسية المعارضة لانقلاب 25 أكتوبر لمليونية 30 يونيو هذا العام على حد سواء، وفق عناوين عامة تبدو متشابهة، مجتمعة على إسقاط الانقلاب وإقامة حكم مدني.

ومع احتمالية انقطاع خدمات الانترنت والاتصالات، وإغلاق الجسور في العاصمة الخرطوم، وضعت لجان المقاومة والقوى الأخرى المشاركة في مليونية 30 يونيو خطوط الحراك العامة وموجهات ومسارات المواكب، واستعدت لتكرار سيناريو 30 يونيو 2019م، الذي استعادت فيه الجماهير زمام المبادرة في قيادة الثورة.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp