كيف يلعب التوثيق دوراً مهماً في فضح انتهاكات قوات الأمن وعمليات تحقيق العدالة؟

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات المناهضة لحكمه، للشهر الثاني على التوالي، بأنحاء السودان المختلفة، في يناير 2019م، اتهم الرئيس المخلوع، عمر البشير، من وصفهم بـ”المندسين” بقتل المتظاهرين.

لكن ادعاءات البشير، باستخدام فزّاعة الطرف الثالث، لم تصمد كثيراً، بفضل مقطع فيديو تداوله نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر لحظة اعتداء قوات أمنية على الشهيد محجوب التاج، بالضرب حتى الموت في 24 يناير 2019م.

مثلت عملية التوثيق تلك، لاحقاً، أهمية كبرى عندما استعانت هيئة الاتهام بمحكمة الشهيد محجوب التاج بتلك الوثائق كمستندات تدين أفراد من جهاز المخابرات العامة.

بعد ذلك، أصبحت عملية التوثيق فيصلاً فيما يخص نتائج هذه المحاكمات، وعاملاً رئيسياً في تحديد المتهمين وهوياتهم، وبعد التحقق منها اعتبرت كدليل إدانة بالقتل وانتهاك حقوق الإنسان والذي بدوره يشير إلى نهج الأجهزة الأمنية والفظائع التي ارتكبتها حتى تلك التي تستند على أقوال وشهادات الضحايا أو ذويهم.

مع انطلاق شرارة ثورة ديسمبر 2018م، في مدن: مايرنو، الدمازين وعطبرة ووصولها إلى أقاليم البلاد المختلفة، مثّل التوثيق جزءاً جوهرياً، من الحراك، حتى في تلك المناطق التي لا تحظى بتغطية إعلامية كافية.

عقب كل تظاهرة، ينشر المتظاهرون سيلاً من الوثائق المصورة والشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن مع دخول التظاهرات يومها الثالث، بدا واضحاً أن النظام المخلوع، كان يعي جيدا دور التوثيق ونتائجه على تنامي الحراك، لذا سرعان ما بدأ معركته ضد المتظاهرين بحجب مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها السودانيون لتداول الوثائق. ومع ذلك، سرعان ما استخدم النشطاء الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وعادت المواقع لتعمل بفعالية مجدداً.

محاولة تغييب الحقائق وحجب الانتهاكات عن الرأي العام بقطع خدمة الانترنت بشكل كامل، تمت بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بالتزامن مع الفض الدموي لإعتصام القيادة العامة بالعاصمة الخرطوم ومدن أخرى في 3 يونيو 2019م.

عاد المجلس العسكري لممارسات قطع الانترنت، أضاف إليها هذه المرة قطع خدمة الاتصالات الهاتفية، صبيحة انقلاب 25 أكتوبر الماضي، لاحقاً فيما كنت تقطع خدمة الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية بالتزامن مع التظاهرات، لم تعد خدمة الانترنت إلا بعد أسابيع من الانقلاب.

لم تكن عملية التوثيق محصورة على جهة محددة أو أشخاص، وإنما كانت مفتوحة للجميع بدوافع وأهداف مختلفة، فهناك من يوثق بهدف إظهار الحراك الثوري، أو بهدف توثيق انتهاكات الأجهزة الأمنية و جرائمهم ضد المتظاهرين خلال التظاهرات.

كان لتوثيق الأفراد الناشطين تأثير كبير فكشفت كثير من الوثائق وجوه الأفراد التابعين للأجهزة الأمنية التي شاركت في قمع التظاهرات، مما اضطر رجال الأمن والقوات النظامية لحجب هوياتهم وتغطية وجوههم أثناء المواكب.

توثيق الأفراد والناشطين لكثير من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن أثناء الثورة، أصبحت فيما بعد بينات إدانة استندت عليها الجهات العدلية لتوجيه التهم ضد مرتكبيها. فقد صدر حكم بالإعدام شنقاً على المتهم أشرف الطيب -الشهير بـ(ابجيقة)- المتعاون مع جهاز الأمن، بعدما تمت إدانته بقتل الطالب حسن محمد يوم 25 ديسمبر 2019م خلال تظاهرة بوسط العاصمة السودانية الخرطوم. وثقت كذلك، العديد من المؤسسات الإعلامية جزءاً من الحراك ونقلت عدداً كبيراً من الوثائق التي تداولها الناشطون.

عندما بدأ النظر في قضايا انتهاكات ثورة ديسمبر، في الفترة التي تلت سقوط النظام، استعان رؤساء الهيئات ومحامو الطوارئ بعدد من تلك الوثائق لإدانة رؤوس النظام السابق حتى لا تخص العقوبات صغار الضباط الذين تلقوا الأوامر لقمع التظاهرات.

تقول عضوة مجموعة (محامو الطوارئ)، شيماء تاج السر لـ(بيم ريبورتس) “إنه في بلاغ قتل المتظاهرين الموجه ضد الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة نظامه مثل علي عثمان محمد طه، والفاتح عز الدين اعتمدنا بشكل كبير على وثائق لمؤتمرات صحفية ولقاءات صرح فيها هؤلاء بتهديد واضح لقتل المتظاهرين السودانيين.”

وكان الرئيس المخلوع، تحدث في لقاء مع قادة الشرطة في 30/12/2018م عن القصاص، أما علي عثمان تحدث في لقاء تليفزيوني في 18/1/2019م عن وجود كتائب ظل تحمي النظام وتوعد المواطنين الذين خرجوا للشوارع، وأشار البلاغ إلى أن الفاتح عزالدين هدد في لقاء تلفزيوني في 10/1/2019م بقطع رؤوس المتظاهرين.

تأثير التوثيق في عملية سير العدالة؟

تختلف أساليب التوثيق اعتماداً على الهدف المنشود منها، سواء كان الهدف هو استخدامها من أجل تزويد الجهات العدلية بالمعلومات التي قد ترشدهم إلى الشهود أو الضحايا و المقابر الجماعية وتسهم في إثبات عناصر بعينها من الانتهاكات مثل المنطقة التي حدثت فيها أو طبيعة الانتهاكات إذا كانت في شكل نمط أو عمل ممنهج تنتهجه جهة محددة.

كما يعزز التوثيق من ثقة المواطنين بالقانون والاحتكام إليه إذا أفضى إلى محاكمات عادلة مما يسهل على الجهات العدلية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني للوصول إلى المجتمعات التي تعاني من انتهاكات، أو الاحتفاظ بالوثائق لتنفيذ العدالة بعد إحداث التغيير المنشود.

وتعتمد الأخيرة بشكل كبير على الطرف الذي يمتلك تلك الوثائق ويحتفظ بها إذ أنه يحدد كيفية استخدامها والجهة التي ستستخدم لصالحها، بل ان هذه المسألة قد تمثل عقبة وحجة أمام إنفاذ العدالة بجانب قلة الدعم الفني للتحقق من الوثائق حتى بعد امتلاكها  كما حدث في العام 2019م، عندما اتهمت اللجنة المختصة بالتحقيق في فض اعتصام القيادة العامة الحكومة بعدم التعاون.

وأشارت اللجنة إلى أن أجهزة حكومية رفضت تسليم الوثائق المصورة بكاميرات المراقبة حول منطقة الاعتصام الى اللجنة، وقال  رئيس اللجنة،  نبيل أديب، خلال مؤتمر صحفي في وزارة الإعلام، “إن ظهور مقاطع الفيديو لأحداث فض اعتصام القيادة في الوقت الحالي يؤثر على سير العدالة”، لافتاً إلى أن الاحتفاظ بها خلال الفترة الماضية “إخلالٌ بالقانون وتقويضٌ للعدالة”. وأشار خلال المؤتمر إلى التعقيدات السياسية التي قد يحدثها نشر تلك الوثائق و اتهم الجهة التي نشرتها بان لها “اجندة سياسية”  

كما اشارت اللجنة الى عدم توفر الدعم الفني المطلوب، وقال أديب خلال المؤتمر الصحفي، إن الاتحاد الأفريقي رفض دعم اللجنة فنيا ووصف تلك الظروف بأنها كانت سببا أساسيا في تأخير الوصول لنتائج التحقيق.

عقبات تواجه التوثيق

اتسعت رقعة الموثقين و شملت عملية التوثيق الأفراد والناشطين، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إخبارية وإذاعات كما عملت عديد من منظمات المجتمع المدني المحلية على التوثيق.

وبمرور الوقت، واجهت الموثقين الكثير من العقبات التي إما أدت إلى حدهم من عملية التوثيق أو اضطرتهم إلى حذف الوثائق التي بحوزتهم. و لسهولة الوصول لتلك الوثائق وتداولها تعاملت الاجهزة الامنية معها بحسم.

وحسب شهادات المعتقلين إبان ثورة ديسمبر، فإن الوثائق الموجودة في هواتفهم أصبحت تمثل خطرا عليهم حين تعرضوا للاعتقال أو التفتيش فحذف الكثير من بينهم الوثائق التي بحوزتهم لحماية أنفسهم.

ولم تقتصر العوائق التي وضعتها الأجهزة الأمنية على الأفراد الموثقين فقد طالت المؤسسات الاعلامية ايضا اجراءات العنف التي تستخدمها الاجهزة الأمنية.  كما أدى اهتمام الصحفيين والمصورين بالتوثيق الى استهدافهم بالاعتقال، فقد اعتقلت السلطات المصور نقدالله ابراهيم اثناء تغطيته لمواكب 17 يوليو 2022م و تمت مصادرة كاميراته و دونت بحقه 3 بلاغات جنائية.

من جانب آخر، فإن الإدلاء بالشهادات يعتبر وسيلة من وسائل التحقق لإنفاذ العدالة، لكن عدم توفير الحماية للشهود قد يعرضهم الى الخطر.

وتوضح التجربة السودانية في التوثيق، لا سيما بعد انعقاد المحاكمات التي تسعى لتحقيق العدالة وتشكيل العديد من لجان التحقيق وعقد كثير من المحاكمات التي لعب فيها ادلاء الشهادات دورا مهماً، لكن في الفترة التي تلت انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر وعند بداية الحراك الرافض للانقلاب وعودة بطش الاجهزة الامنية اصبح استهداف الشهود و الموثقين امرا مرجحاً. بعد نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر، ما تزال التظاهرات المناهضة له مستمرة، فيما باتت الأجهزة الأمنية، أكثر قمعية، حيث سقط أكثر من 116 قتيل، وآلاف الجرحى.

ومع الفضح المستمر لانتهاكات الأجهزة الأمنية، أصبح استهداف الموثقين وسيلة لإخفاء الانتهاكات وضمان عدم المساءلة، لكن بالمقابل يعتبر التوثيق سلاحاً فعالاً في مواجهة محاولة الالتفاف على العدالة ومنفذا لتطبيقها.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter