كيف تحولت الوثيقة الدستورية إلى توازن حرج على حافة التحول الديمقراطي والانقلاب العسكري؟

في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي المحلول، والتي كان من المؤمل أن تمهد الطريق إلى تحول ديمقراطي ينتهي بانتخابات عامة في يوليو المقبل. بدلاً من ذلك، انزلق السودان إلى حافة المجهول عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي أطاح بالحكومة الانتقالية.

كان مشهد نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي المحلول، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو يقف إلى جانب عضو تجمع المهنيين، أحمد ربيع، ملوحاً بالوثيقة الدستورية من أسفل إلى أعلى (معكوسة) والتي كانا قد وقعاها للتو، وسط حضور دولي وإقليمي رفيع المستوى، في يوم السبت السابع عشر من أغسطس 2019م، يلخص وقائع ما هو آتٍ بشكل مسبق.

لكن، رغم تلك الصورة المقلوبة، والتي ربما حملت إشارات لمستقبل سيء ينتظر الفترة الانتقالية، يومها كانت الخرطوم تنتظر قطاراً ثانياً من عطبرة، للاحتفال بتوقيع الوثيقة الدستورية. فيما كان الأمل أعتى من كل السقوف هناك في مكان التوقيع بـ(قاعة الصداقة) المطلة على شارع النيل، وآلاف السودانيين يرقصون فرحاً على أنغام انتصار الثورة، غير مصدقين لطيهم نحو 3 عقود من حكم نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

جنوب قاعة الصداقة، في محطة السكك الحديدية الرئيسية التاريخية بقلب العاصمة الخرطوم، استقبل عشرات الآلاف قطار عطبرة، قبل أن تتوجه الحشود شرقاً هذه المرة إلى ساحة الحرية بشارع أفريقيا (المطار) لإكمال الاحتفالات، في يوم لم يكن السودانيون يتوقعون أنه قد يأتي، في خضم قبضة حديدية عُمِّدت بالدم وامتدت لنحو ثلاثين عاماً. وسبب آخر، كان قد جعل الأمل بعيداً، بلا أفق، فض اعتصام القيادة العامة الدموي، بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، في الثالث من يونيو 2019م، أي قبل شهرين ونصف الشهر فقط من توقيع الوثيقة الدستورية.

تلك العوامل الخطرة، والكامنة بالانفجار، ذابت في فصول من الأمل انتابت مشاعر السودانيين، وهم يفتحون صفحة جديدة من كتاب ثورة ديسمبر 2018م. رغم ما انطوت عليه  الوثيقة الدستورية من عيوب، إلا أنها كانت حدثاً فريداً، في تاريخ الفترات الانتقالية التي أعقبت الثورات المدنية في البلاد.

بعد ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس/أبريل 1985م اللتين أطاحتا بنظامي الجنرالين إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي، مرت الفترتان الانتقالتيان بدون إطار دستوري جديد.

أيضاً، انطوت الوثيقة الدستورية على حدث جديد كليةً، في تاريخ الثورات السودانية، وهي نصها على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي.

بتوقيع الوثيقة الدستورية التي كانت امتداداً للاتفاق السياسي، وضع معارضو نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة التفاوض، مع لجنته الأمنية التي عزلته من السلطة على إثر أشهر من الاحتجاجات ضد حكمه، عبر الوثيقة الدستورية، المزيد من الصعوبات أمام المجلس العسكري. 

بعد عملية تفاوضية بدأت في أبريل 2019م، وانقطعت في يونيو، وعاودت في يوليو من نفس العام، تشكلت هياكل الحكومة الانتقالية وفق إطار دستوري لقي اعتراف العالم.

لكن، ريثما انتصر المعارضون سابقاً، وقادة الحكومة الانتقالية الجدد، وتمكنوا من فرض نموذجهم للانتقال على قادة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بدأ الأخيرون، جولاتهم، لإفراغ الانتقال من محتواه، كانت الجولة الأخيرة في انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

نصّت الوثيقة الدستورية، على تشكيل المجلس التشريعي خلال 90 يوماً، على أن يُستعاض عنه بمجلس تشريعي مؤقت يتمثل في (اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء) لإجازة القوانين وسن التشريعات.

غير أنه مرّت 25 شهراً، عمر الفترة الانتقالية حتى الانقلاب، ولم يتم تشكيل المجلس التشريعي، في كل مرة كان التأجيل يُعزى لأسباب مختلفة، لكن السبب الرئيس الذي عطّل قيامه، هو مطالب الحركات المسلحة بتأجيل قيامه إلى حين توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية.

بينما يتجادل المدنيون فيما بينهم، والمكون العسكري وقتها من جهة أخرى، حول نسب حصصهم في المجلس التشريعي الانتقالي، أتى اتفاق سلام جوبا الموقع في 3 أكتوبر 2020م، بأخبار غير سعيدة بالنسبة للوثيقة الدستورية، عندما تمت إضافة المادتين 79 و 80 وإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، في مخالفة صريحة للدستور.

أيضاً التعديلات التي أجريت على الوثيقة الدستورية ونشرت في الجريدة الرسمية، كانت مخالفة لآلية تعديل الوثيقة الدستورية التي نصت؛ على أن أي تعديل يُجرى عليها، يجب أن يتم بموافقة أكثر من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.

كان خرق الدستور، بمثابة إعلان مبكر لعدم قيام المجلس التشريعي من ناحية، وبمثابة اتساع الفتق على الراتق، وبداية تداعي حاكمية الفترة الانتقالية المبنية على الوثيقة الدستورية.

يُعتقد بأن من أكبر عيوب الوثيقة الدستورية، تقنينها لوجود الدعم السريع من دون تأكيد على إنهاء استقلاليته عن القوات المسلحة.

وفي هذا السياق، مثلت العادة السودانية الراسخة في عدم احترام الدستور، أكبر ضربة للوثيقة الدستورية.

ومع ذلك، نجحت الوثيقة الدستورية في إعطاء سلطات واسعة لرئيس مجلس الوزراء، كما ساوت بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة الانتقالي، وكانت جيدة كفاية، لولا تنازل مسؤولو الحكومة الانتقالية عن سلطاتهم في أحيان كثيرة دون أن يكونوا مضطرين لفعل ذلك.

في الثالث من فبراير 2020م، وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبدالفتاح البرهان، إلى مدينة عنتبي اليوغندية في زيارة سرية إلتقى خلالها برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، وهو الأمر الذي فجّر الخلافات بين المكونين المدني والعسكري، حول إدارة العلاقات الخارجية، بسبب أن الوثيقة الدستورية نصت على أنها ضمن سلطات الحكومة المدنية.

جاء لقاء البرهان السري بنتنياهو، بعد نحو 6 أشهر من تشكيل السلطة الانتقالية، إلا أنه مثل أساساً جوهرياً لخروقات توالت على الوثيقة الدستورية.

من جانب آخر، لم تكن المشكلة في أوقات كثيرة في الوثيقة الدستورية نفسها، بل كانت المشكلة متعلقة بعدم تنفيذ بنودها وإنشاء المؤسسات التي نصت عليها.

ومع ذلك، ظلت الوثيقة الدستورية، تقوم بدور فاعل في تثبيت أركان الحكومة الانتقالية، في العام الثاني من عمر الفترة الانتقالية رغم تصاعد وتيرة الخلافات بين المدنيين والعسكريين، حول ملفات عديدة. وصلت الخلافات ذروتها في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، في أعقاب محاولة انقلاب عسكري بالعاصمة الخرطوم.

تبادل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي بين المدنيين والعسكريين، مثّل الخيط الرفيع في الوثيقة الدستورية، الذي يفصل بين استكمال عملية التحول الديمقراطي أو وقوع انقلاب عسكري يقطع الطريق أمامها وهو ما حدث بالفعل في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

بعد انقلاب 25 أكتوبر، جمد البرهان عدداً من نصوص الوثيقة الدستورية على رأسها نص الشراكة مع قوى الحرية والتغيير.

بعد مرور نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر الماضي، تغيرت الكثير من الأمور، فرغم حملات القمع والتنكيل بالمتظاهرين السلميين والمعارضين لسلطة الأمر الواقع عامة، إلا أن النظام الحاكم فشل في شرعنة وجوده، في ظل تركيبته المتباينة الأهداف.

وسط ضغوط من واشنطن والرياض جلس المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير لمرتين، في يونيو الماضي، على أمل إيجاد حل سياسي. لكن، تلك الاجتماعات لم تُسفر عن جديد، فبينما عقدت قوى الحرية والتغيير ورشة لتقييم تجربتها في الحكم، أعلنت المؤسسة العسكرية خروجها من العملية التفاوضية والسياسية.

لكن واشنطن، عادت وجددت في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية بمطلوبات التحول الديمقراطي.

وقالت السفارة الأميركية بالخرطوم “نُشجع، في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، كل الملتزمين بالتحول الديمقراطي للمضي في حوار شامل. وما ستكون عليه الحكومة القادمة، هو شأن يقرره السودانيون، وقد كانوا واضحين في ذلك: يجب أن تكون حكومة بقيادة مدنية وتوفر العادلة والرخاء والسلام.”

وعلى الرغم من تشجيع واشنطن للأطراف السودانية للحوار، تجسد تباعد الشقة بين طرفي الوثيقة الدستورية السابقيَن، في انخراط قوى الحرية والتغيير، في كتابة إعلان دستوري جديد، ورعاية البرهان من جانبه ما أطلق عليها (مبادرة نداء أهل السودان)، التي تبنت ضمن توصياتها، العودة لدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، فيما شدد الإعلان الدستوري الجديد لقوى الحرية والتغيير الذي أطلعت (بيم يبورتس) على مسودته على سيطرة الحكومة المدنية بشكل كامل على إدارة الأجهزة الأمنية، ومراجعة اتفاق سلام جوبا بموافقة أطرافه.

بين يومي 8-10 أغسطس الحالي، عقدت نقابة المحامين السودانيين، ورشة عمل حول الإطار الدستوري الانتقالي خرجت بثماني توصيات؛ تمثلت إجمالاً في: الإطار المفاهيمي للدستور الانتقالي، مهام الفترة الانتقالية ومدتها، مؤسسات السلطة الانتقالية ومن يشكلها، توصيات السلام، الحقوق والحريات العامة، العدالة والأجهزة العدلية، العلاقات المدنية العسكرية والإصلاح الأمني والعسكري والحوار الدستوري. 

بطبيعة الحال، لم تخرج ورشة الإطار الدستوري، أو الإعلان الدستوري لقوى الحرية والتغيير، عن المبادئ العامة للوثيقة الدستورية، لكن يكمن الفرق، في استصحابها للأخطاء السابقة المتعلقة بالعلاقة مع المكون العسكري، كما أنها تنفتح هذه المرة على قوى سياسية مختلفة المشرب، لكنها تتفق على ضرورة إنهاء الانقلاب العسكري وإبعاد الجيش من السياسة.

تمر اليوم الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، وسط أوضاع سياسية غاية في التعقيد، أعقبت انقلاب 25 أكتوبر الماضي، وأحلام تبدو عصية التحقق في قيام سلطة مدنية ديمقراطية، على الأقل في الوقت المنظور.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
<