كيف استخدمت السلطات السودانية (الاختفاء القسري) لإسكات المعارضة ؟

بعد اختفائه في 3 أبريل 2021م أثناء وقفة احتجاجية دعت لها لجان المقاومة بالخرطوم لتخليد ذكرى شهداء ثورة ديسمبر المجيدة، لم يعد (ود عكر) ليروي قصة اختفائه، لكن جثته القابعة في المشرحة لأكثر من 10 أيام بصفتها “مجهولة الهوية” كانت تحمل تفاصيل تلك الحادثة و تروي أحداثها.

تبدأ القصة بعد أشهر قليلة من إعلان حكومة السودان الانتقالية مصادقتها على (الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة) واتفاقية (حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري).

تصدرت حادثة اختفاء عضو لجان مقاومة الجريف محمد اسماعيل (ود عكر) مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ حملات البحث عنه , بعد أيام حضرت والدته لمشرحة التميز حيث تم الاشتباه بوجود جثمان فقيدها ، و بعد مطابقة العينات الوراثية تأكد في 24 مايو 2021م انه جثمان الشهيد (ود عكر) ، وجد الجثمان حليق الرأس ووضع شعره في جيبه و تظهر عليه آثار التعذيب .

قصة إختفاء (ود عكر) تجسد واحدة من مئات القصص المحتشدة بالآلام والمآسي التي عايشتها أسر سودانية جراء الاختفاء القسري لأحبابهم وفلذات أكبادهم، لا سيما عقب حادثة الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019م.

ويقصد (بالاختفاء القسري) الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.

الاختفاء القسري في السودان

ظل الاختفاء القسري حاضرا في السودان لعقود طويلة كممارسة حكومية لإسكات الأًصوات الناقدة والمعارضة، استخدمت حكومة البشير الإخفاء القسري بصورة ممنهجة في مواجهة المعارضة. 

ويحفل سجل حكومة البشير بمئات الحالات من  جرائم اخفاء الاشخاص قسرياً، كان أشهرها حادثة اختفاء الشاعر اسماعيل الحسن (أبو ذر الغفاري) في أكتوبر 1989م -بعد أشهر قليلة من سيطرة نظام البشير على مقاليد الحكم عبر انقلاب عسكري- ولم يتضح ما وراء تلك الحادثة المأساوية حتى الآن، ثم توالت تلك الجرائم، لا سيما في أوساط الطلاب المناوئين للسلطة، مثل حادثة اختفاء (احمد ضو البيت) عضو مؤتمر الطلاب المستقلين، الذي اختفى منذ ما يقارب السبعة عشر عاماً، ولم يعرف مصيره حتى تاريخ اليوم، حادثة اختفاء الشهيد (محمد موسى بحر الدين) الذي أُختطف بواسطة قطاع الطلاب في حزب المؤتمر الوطني (الحاكم حينها)، في العام 2009م وعثر على جثته بالقرب من مقابر احمد شرفي بأم درمان تظهر عليها آثار التعذيب.

تشير هذه الحوادث إلى ممارسات ممنهجة لجريمة الإخفاء القسري التي كان يمارسها نظام البشير، والانتهاكات التي تصاحبها. وقد ساهم في تفاقم هذه الممارسات غياب الحماية القانونية للأشخاص من الاختفاء القسري، علاوة على الحصانات الممنوحة لمنسوبي القوات النظامية، الذين عادةَ ما يرتكبون مثل هذه الجرائم.

وتحتشد القوانين السودانية بالعديد من النصوص التي توفر الحصانة لمنسوبي القوات النظامية، مثل قانون جهاز الأمن للعام 2010 (المادة 52وقانون القوات المسلحة لعام 2007 المادة 35، وقانون الشرطة لعام 2008 (المادة 45)، مما يساهم بصورة اساسية في الإفلات من العقاب وكذلك تصاعد الانتهاكات.

وقد طالبت العديد من هيئات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حكومة السودان، بإلغاء الحصانات الممنوحة للمسؤولين الحكوميين.

من جانب آخر استخدم نظام البشير جريمة اخفاء الاشخاص قسريا اثناء النزاعات والحرب في دارفور، واتهمت الأمم المتحدة 2010 جهاز الامن والمخابرات العامة بجريمة إخفاء الأشخاص قسريا، و انتقدت الصلاحيات الواسعة الممنوحة للشرطة بالاعتقال والاحتجاز و الحماية من المسائلة.

جريمة الاختفاء القسري إبان ثورة ديسمبر

مع تصاعد الحراك الثوري المناهض لنظام البشير، وتنظيم المواكب الداعية لإسقاطه، لجأ النظام إلى ممارسة جريمة الاختفاء القسري بحق المناهضين له، اندلعت شرارة المظاهرات في التاسع عشر من ديسمبر 2019م، ثم توالت المواكب والمظاهرات، وسط قمع أمني مفرط، شمل الاعتقالات، ومداهمات المنازل، والاختفاء القسري للأشخاص.

كانت حادثة اختفاء الشهيد (عبد الرحمن الصادق سمل) -الطالب بكلية الآداب، بجامعة الخرطوم، أولى ممارسات الاختفاء القسري التي صاحبت حراك ثورة ديسمبر، اختطف عبد الرحمن بواسطة قوى أمنية، وبعد اختفاء دام لعدة أيام، عثر على جثمانه بأحد المستشفيات، وتبدو عليه آثار التعذيب.

وتواصلت ممارسات الاختفاء القسري للأشخاص المناهضين والرافضين لنظام البشير، بغرض إسكات أصواتهم، حتى سقوط النظام، في أبريل 2019م.

إلا أن الاختفاء القسري لم ينتهِ بنهاية نظام البشير، فقد شهدت حادثة الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة، في الثالث من يونيو 2019م، بجانب الانتهاكات الجسيمة والقتل والتنكيل، أيضاً حالات الاختفاء القسري لأعداد كبيرة من الأشخاص المعتصمين بمحيط القيادة العامة، عثر على جثامين بعضهم بالمشارح والمستشفيات، مثل الشهيد (قصي حمدتو) -الذي عثر على جثمانه بعد أربعة أشهر في إحدى المشارح، بينما لا يزال البعض في عداد المخفيين قسرياً، حتى تاريخ اليوم.

على الرغم من إعلان الحكومة الانتقالية موافقتها على إنضمام السودان لاتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إلا أن الخطوة لم تكن كافية في بيئة قانونية تعج بالتجاوزات، فخلال الفترة الانتقالية (2019-2021) شهدت البلاد حالات اختفاء قسري للعديد من الناشطين في الفضاء العام وأعضاء لجان مقاومة، مثل حادثة اختفاء بهاءالدين نوري، الذي شوهد آخر مرة أثناء زيارة لاصدقاءه ، قبل يتم العثور على جثته بعد خمسة ايام. وكشف تورط قوات الدعم السريع في حادثة اختفاء نوري المأساوية. وقد رفضت أسرته دفنه وطالبت بفتح تحقيق لمعرفة الجهة الأمنية الرسمية التي اختطفته ومن ثم قتلته.

الإختفاء القسري عقب انقلاب 25 اكتوبر

تصاعدت موجة الاحتجاجات الشعبية المناهضة لانقلاب 25 اكتوبر، وعلت مرة اخرى أصوات المعارضة و دخل السودان في مرحلة جديدة من ثورته الساعية للتغيير، و مجددا عادت السلطات لاستخدام وسيلة اخفاء الاشخاص قسريا لكسر شوكة المتظاهرين و ترهيبهم، و عاد السودان لمربعه الأول عندما صدر قرار باستعادة جهاز المخابرات العامة صلاحياته في الاعتقال و القبض و التفتيش.

استمرت الزيادة الملحوظة في أعداد المختفين قسريا . كحادثة اختفاء الناشط السياسي اويس احمد الذي شوهد لآخر مرة صبيحة 11 أبريل 2022م و اختفاء الطفل محمد عبد المنعم أثناء تظاهرات 30 نوفمبر 2021م و لم يتم العثور عليهما حتى اليوم.

كان سؤال الاختفاء القسري يشغل الفاعلين في الشأن السوداني، وانتظمت جهود متعددة للتصدي لهذه الجريمة، توجت هذه الجهود المبذولة بتكوين مبادرة مفقود، التي بدأت عملها بعد فض الاعتصام، وشرعت المبادرة في البحث عن مفقودي القيادة العامة والمفقودين أثناء الحراك الذي سبق فض الاعتصام، وعملت المبادرة على تقديم الدعم النفسي والطبي والقانوني لأسر المفقودين.

تقول سارة حمدان، عضو مبادرة مفقود لـ(بيم ريبورتس)، “تم العثور على عدد من مفقودي القيادة العامة منهم 5 شهداء و اخرين تم العثور عليهم في حالة نفسية غير مستقرة اثر تعرضهم لتعذيب وحشي من قبل الاجهزة الامنية و حتى يوم 2 يونيو 2020 قدر عدد المفقودين الذين لم يتم العثور عليهم 19 مفقود “.

أما بعد انقلاب 25 اكتوبر فهناك 6 مفقودين لم يعثر عليهم حتى الآن، وفقاً لإفادة سارة.

يتخطى اثر جريمة الإخفاء القسري الضحايا ليشمل ذويهم، حيث يعيش أسر الضحايا و ذويهم ظروف نفسية قاهرة لعدم معرفتهم بمكان و ظروف اعتقال مفقوديهم أو إذا ما كانوا على قيد الحياة. تقول والدة المفقود محمد عبد المنعم بعد بحث مضني عن ابنها وعندما تقطعت جميع السبل أمامها “ذهبت الى القصر الرئاسي لمقابلة البرهان، وجه الحرس أسلحتهم نحوي و قالو انها حدود ممنوعة فأخبرتهم بأني اريد مقابلة البرهان و قالو انهم لن يسمحو لي بمقابلته مطلقا “. وأشارت إلى أن أسرتها تعيش أوضاعا نفسية قاسية بعد فقدان ابنهم ذو 16 عاما وأنهم اتخذوا جميع الاجراءات وانهم مازالوا يحاولون بكل السبل الممكنة.

علاوة على الظروف المأساوية التي يعيشها أسر الضحايا بسبب اختفاء ذويهم قد يتعرض اهالي الضحايا للتهديد أثناء البحث عن مفقوديهم أو بعد فتح البلاغات الى الدوائر الحكومية أو جهات حقوق الإنسان مما يضاعف صعوبة بحثهم.

تواصل السلطات في استخدام اخفاء الاشخاص قسريا بالتزامن مع الحراك الحالي في السودان كأسلوب استراتيجي لبث الرعب داخل المجتمعات التي تشعر بفقدان الأمن الناتج عن ذلك السلوك، و بالرجوع للحوادث السابقة فإن جريمة الإختفاء القسري عادة ما تجتر معها عدة سلوكيات تنتهك حقوق المخفيين، حيث يهدد حقهم في الحياة ، وسلب حريتهم، وتعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية و حقوقهم في الحصول على محاكمات عادلة.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter