هل تنهي مقاومة السودانيين غير المسبوقة لانقلاب 25 أكتوبر ممارسة الجيش للسياسة؟

قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة“. شكّل هذا الشعار الذي أطلقته لجان المقاومة، بوصلة للسودانين، في مقاومتهم المستمرة لانقلاب 25 أكتوبر 2021م، في سعيهم الحثيث لإقامة حكم مدني ديمقراطي.

ولا تعد الانقلابات العسكرية، باستيلاء الجيش على السلطة، حدثاً جديداً، في تاريخ السياسة السودانية ما بعد الاستقلال. لكن، في 25 أكتوبر 2021م، خرّق الجيش عادته الراسخة بتقويض الحكومات المنتخبة، بتنفيذه أول انقلاب على حكومة انتقالية أتت بعد ثورة شعبية، وهو الأمر الذي صحبته بالمقابل أول مقاومة جماهيرية شعبية لانقلاب عسكري في تاريخ البلاد، بدأت منذ الساعات الأولى لوقوعه فجر الاثنين 25 أكتوبر 2021م، وما زالت مستمرة حتى الذكرى الأولى لتنفيذه.

ففي انقلابات؛ 17 نوفمبر 1958م، 25 مايو 1969م و30 يونيو 1989م، التي نفذها الجيش ضد حكومات منتخبة، استطاعت النخب العسكرية التي استولت على السلطة، فرض الأمر الواقع خلال ساعات وأيام معدودة. فبينما شكّل انقلابي 17 نوفمبر و25 مايو حكومتيهما في اليوم الأول لاستيلائهما على السلطة، شكّل انقلاب 30 يونيو حكومته بعد عدة أيام، لكن بالنسبة لانقلاب 25 أكتوبر لم يتمكن من تشكيل حكومة، حتى بعد مرور عام على تنفيذه.

ما قبل الانقلاب

لم تكن البيئة السياسية والإشارات التي سبقت قيام انقلاب 25 أكتوبر استثناءً من بقية الانقلابات العسكرية في البلاد. ففي 24 أكتوبر 2021م، وصل التوتر ذروته بين المدنيين والعسكريين الذين اتفقوا على تشكيل حكومة انتقالية في 17 أغسطس 2019م، في أعقاب إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل من العام نفسه، عبر ثورة شعبية امتدت لعدة أشهر. بجانب التوترات، وقعت سلسلة من الأحداث المفصلية، بدأت في سبتمبر، بإغلاق شرق السودان، ومحاولة انقلابية فاشلة في الخرطوم، وانتهت باعتصام القصر الجمهوري، جعلت جميع هذه الأحداث من الانقلاب أمراً واقعاً في فجر يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021م. 

رغم الإشارات الدالة عليه، إلا أن توقيت انقلاب 25 أكتوبر بدا مفاجئاً، في ظل وجود مسؤول أمريكي رفيع في البلاد، والذي كان يجري مباحثات مع جميع أطراف الأزمة، بمن فيهم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وقتها، عبد الفتاح البرهان. 

عشية الانقلاب، في مساء 24 أكتوبر، عقد المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي السابق، جيفري فيلتمان، اجتماعاً منفرداً للمرة الثانية مع رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، كان قد سبقه اجتماع ثلاثي ضم إلى جانب حمدوك، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). حيث أكد البرهان في ذلك الاجتماع “حرص القوات المسلحة على الانتقال الديمقراطي”.   

 بعثت تصريحات البرهان الطمأنينة لدى المسؤول الأمريكي، خاصة تلك المتعلقة بعدم السماح بحدوث أي انقلاب من شأنه عرقلة الانتقال الديمقراطي بالبلاد، وضرورة الاحتكام إلى الوثيقة الدستورية. واستجابة لذلك، نشرت السفارة الأمريكية في السودان بحسابها على فيسبوك، تأكيد فيلتمان “دعم الولايات المتحدة لانتقال ديمقراطي مدني وفقًا للرغبات المعلنة للشعب السوداني”. 

لكن، كل ذلك لم يمنع البرهان أن يعلن، بعد أقل من 24 ساعة، عن فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل ببعض المواد في الوثيقة الدستورية، سبق كل ذلك اعتقال رئيس الوزراء وعدداً من  أعضاء الحكومة الانتقالية.

وكان المسؤول الأمريكي الرفيع، قد أعرب عن تفاؤله بتجاوز الأزمة السياسية في البلاد، عقب اجتماعه مع حمدوك،  قبل أن يستقل في وقت مبكر من صباح 25 أكتوبر الطائرة عائداً إلى بلاده، وقتها بدأت عملية اعتقال قادة الحكومة الانتقالية، بمن فيهم حمدوك. 

بداية الانقلاب

أتى انقلاب 25 أكتوبر الذي نفذه القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، قبل أقل من شهر على موعد تسلم المدنيين لرئاسة مجلس السيادة الانتقالي في 17 نوفمبر 2021م والتي كان من المفترض أن تستمر حتى قيام  انتخابات عامة، حسب اتفاق الوثيقة الدستورية، الموقع بين الطرفين.

فمع تأزم الوضع السياسي والتوجهات المعلنة للعسكريين بتقويض الفترة الانتقالية، كان وقوع انقلاب 25 أكتوبر مسألة وقت وحدثا متوقعا يتداوله الكثيرون في أحاديثهم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وكان الواقع السياسي يرويه بوضوح تام، لكن ذلك لم يخفف من روع السودانيين عند اصطدامهم بحقيقة تلك التوقعات، عندما استيقظوا في ذلك اليوم ليواجهوا أحداثاً ضبابية وشائعات لا مفر أن تروى نسبة لانفصالهم عن العالم وعن بعضهم البعض، حيث لم يكن هناك أي وسيلة تواصل متاحة فقد قطعت السلطات الانترنت والمكالمات قبل أن يطل فجر ذلك اليوم. 

لكن السودانيين كانوا قد تسلحوا بتاريخهم الطويل مع الانقلابات العسكرية، فكان الأمر واضحاً، ففي هذه المرة لم ينتظر السودانيون سماع صوت المارشات العسكرية التي تعلن عن بيان انقلابي على تلفزيون السودان القومي أو الإذاعة كما جرت العادة، وانطلقوا إلى الشوارع قبل بزوغ الشمس يرددون هتافات مناهضة للانقلاب على الحكومة الانتقالية، مستخدمين جميع أنواع الاحتجاجات السلمية من حرق للإطارات وإغلاق للشوارع الرئيسية.

بيان الانقلاب

تأخر البرهان لأكثر من 8 ساعات في قراءة بيانه الذي استغرقت تلاوته على التلفزيون القومي دقائق معدودة، الأمر الذي لم يعتده السودانيون في الانقلابات السابقة. كما لم يعتد العسكر على ظهور معارضيهم في الشوارع قبل صدور البيان حتى. أكثر من 8 ساعات، كسر الثوار فيها أطواقاً أمنية عدة وأغلقت شوارع رئيسية وفرعية، ونفد وقود المتظاهرين لإشعال إطاراتهم، والذين نجحوا في إصابة البلاد بشلل تام يعبر ضمنياً عن غضبهم إزاء هذه الأحداث، في تلك الأثناء كان تلفزيون السودان ينبه إلى بيان “عاجل” بعد قليل، بعد أن بث ما في أرشيفه من مارشات عسكرية وأغانٍ وطنية وثورية لمغنيين قدماء وثورات سابقة.

وبعد طول انتظار، ظهر البرهان في بث مباشر يتلو بياناً يعلم الجميع غالبية فحواه، ليبدأ بيانه بافتتاحية يتحدث فيها عن عز وشموخ السودانيين ويشيد بقوتهم ورفضهم الحاسم للحكومات التي لا تؤمن (بالحرية، السلام، والعدالة) في تناقض فادح لكون تلك الكلمات مقدمة بيان انقلابي. وفي الوقت نفسه، الذي كان الآلاف يحتلون الشوارع احتجاجاً على الانقلاب.

أردف البرهان قائلا:“نؤكد مضي القوات المسلحة في إكمال التحول الديمقراطي، حتى تسليم قيادة الدولة لحكومة مدنية منتخبة”. وردت هذه العبارة في بيان الانقلاب، وأشار البرهان إلى الصراع بين شركاء الفترة الانتقالية، والذي وصفه بأنه تهديد لأمن الوطن ووحدته وسلامه. وعلى ضوء ذلك، نفذ البرهان انقلابه الذي أطلق عليه (إجراءات 25 أكتوبر التصحيحية) والتي قضت باعتقال قادة السلطة المدنية المشاركة له في الفترة الانتقالية، وإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد ثم حل مجلسي السيادة والوزراء وإعفاء جميع ولاة الولايات من مناصبهم.

بالإضافة لتجميد عمل لجنة تفكيك نظام ال30 من يونيو، وهكذا قضى السودان تلك الليلة بلا حكومة وتلتها ليال عدة مشابهة تحكي فشل الانقلاب الذريع في التحرك بالبلاد نحو مربع جديد.

ردود الفعل الدولية

تباينت ردود الفعل الدولية على الانقلاب، باعتبار أن المجتمع الدولي كان منخرطاً في الأزمة السياسية ما قبل الانقلاب، بجانب أن تنفيذ الانقلاب تم بعد ساعات قليلة من اجتماع المبعوث الأمريكي، جيفري فيلتمان، مع رئيس الوزراء السابق،عبد الله حمدوك، والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، حيث طمأن الأخير المبعوث الأمريكي، والذي عبر عن تفاؤله بوجود مخرج للأزمة الحالية في السودان.

لذلك سارعت الولايات المتحدة في إعلان رفضها القاطع لما وصفته بـ”استيلاء الجيش على السلطة” وتوعدت الحكومة الانقلابية بقطع مساعدتها في حالة فرض أي تغييرات بالقوة. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عن قلقه إزاء الأحداث، حيث غرد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، على منصة تويتر أنهم يتابعون الأحداث الجارية في السودان، وأضاف:”الاتحاد الأوروبي يدعو جميع المعنيين والشركاء الإقليميين لإعادة العملية الانتقالية لمسارها الصحيح“. 

أما الاتحاد الأفريقي من جهته، فقد أعرب عبر مفوضيته عن قلقه البالغ إزاء الوضع في السودان، ودعت مفوضة الاتحاد الأفريقي إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. 

وكان موقف الأمم المتحدة مشابها حيث نشرت على حساب البعثة الأممية بيان لرئيس البعثة (فولكر بيرتس) يتحدث عن “انقلاب جار في السودان” وكتب بيرتس معلقاً على الوضع “الاعتقالات التي طالت رئيس الوزراء و المسؤولين الحكوميين والسياسيين غير مقبولة“. ودعا في حديثه قوات الأمن لإطلاق سراح المعتقلين.

لم يختلف موقف المملكة العربية السعودية فقد شددت بدورها في بيان من الخارجية السعودية على “أهمية ضبط النفس والتهدئة وعدم التصعيد و الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات سياسية و اقتصادية لحماية وحدة الصف بين المكونات السياسية في السودان“.

عام يسدل ستاره على الخامس والعشرين من أكتوبر، الانقلاب الذي بدأت مقاومته منذ اللحظات الأولى، وما تزال مستمرة، برغم العنف والتقتيل الذي تمارسه القوات الأمنية المختلفة في حق المتظاهرين، والتي حصدت 118 شهيداً، كان آخرهم عيسى عمر، يوم أمس 23 أكتوبر، بحي الصحافة بالخرطوم، حيث تلقى رصاصة مباشرة في الصدر.

وحتى المتظاهرين الذين نجوا من الموت، لم ينجوا من الإصابات، فالعنف واستخدام الرصاص، والغاز المسيل للدموع، والاعتداءات بالضرب والتعذيب تسببت في