(8) ولايات سودانية تحت وطأة (حمى الضنك).. كيف استجابت السلطات؟

منذ عدة أسابيع والحمى النزفية (حمى الضنك) تضرب ولاية شمال كردفان، قبل أن ينتقل المرض سريعاً إلى 7 ولايات أخرى، وذلك في ظل تعتيم رسمي ونظام صحي متهالك، يعاني من تبعاته ملايين السودانيين.

يصف عضو لجنة مقاومة منطقة طيبة جنوب بـ(ولاية شمال كردفان)، خطاب إدريس، الوضع الصحي، بالخطير، ويقول “في حيّنا فقط توجد 21 حالة إصابة مسجلة بحمى الضنك و4 حالات وفاة خلال الأسبوعين الماضيين، وهناك وفيات أخرى في أحياء مجاورة”. 

ويضيف إدريس لـ(بيم ريبورتس):“نعمل كمتطوعين لجمع التبرعات وشراء الاحتياجات اللازمة لرعاية المرضى المصابين في منازلهم ونقوم بتوفير الكوادر الطبية، ومعظمهم من طلاب وطالبات كليات الطب، نسبة لاكتظاظ المستشفيات والضغط الكبير والمتواصل على الطواقم الطبية فيها”.

وحمى الضنك، هي عدوى فيروسية تنتقل عبر الدم الملوث، حيث  تعمل إناث البعوض من نوع (الزاعجة المصرية)، على نقل المرض عبر لدغ شخص مصاب بالمرض وآخر غير مصاب، ويمكن أن تنقل هذه البعوضة حميات أخرى مثل (الشيكونغونيا) و(الحمى الصفراء)، وتنتشر هذه الحمى في المناخات المدارية وشبه المدارية. تسبب حمى الضنك، اعتلالات خطيرة قد تؤدي لوفاة المريض.  بالرغم من عدم وجود علاج محدد لها، إلا أن الإبكار في الكشف عنها وتلقي الرعاية الصحية المناسبة يقلل من معدلات الوفيات الناجمة عنها.

في 6 نوفمبر الحالي، كشف تقرير صادر عن الإدارة العامة للطوارئ الصحية التابعة لوزارة الصحة، عن تأثر 8 ولايات سودانية بحمى الضنك؛ وهي: (شمال كردفان، غرب كردفان، شمال دارفور، جنوب دارفور، غرب دارفور، البحر الأحمر، النيل الأبيض، وكسلا).

الأبيض.. تجاهل الاستغاثة

في الـ 21 من أكتوبر الماضي، بدأ نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بمدينة الأبيض، في تداول معلومات عن انتشار حمى غريبة تصاحبها آلام مفاصل، بعدها بأيام، انطلق وسم (الأبيض تنزف)  والذي تحول إلى فضاء واسع لمشاركة عشرات القصص والصور التي تحكي تفاصيل الكارثة الصحية التي تعاني منها المدينة، وواقع النظام الصحي المتهالك في مواجهة الوباء الفتاك، حيث تنتشر الحمى في كل المنازل وتكتظ المستشفيات بالمرضى، فيما تحولت السيارات إلى وحدات علاجية. 

وقبل أن تستجيب السلطات المعنية للسيطرة على الوضع الصحي بالبلاد، كان مواطنو مدينة الأبيض الذين اعتبروا أن ما يحدث تعتيم رسمي، قد أخذوا على عاتقهم تكوين مبادرات ولجان قامت بأدوار مختلفة لمجابهة المرض. حيث تعمل المبادرات بالتكامل مع الكوادر الصحية في الأبيض وشباب الأحياء وكل من بيده تقديم مساعدة سواء بالرش أو المتابعة الصحية للمرضى، علاوة على التوعية الصحية وسط سكان المدينة وتثقيفهم حول الوباء وطرق التعامل معه.

تعتمد الوقاية من حمى الضنك ومكافحة انتشارها على اتخاذ تدابير فعالة لمكافحة نواقلها. بالنسبة للسودان، فإن حمى الضنك فيروس قديم ومن الوارد تجدد انتشاره في الفترة التي تعقب الخريف، حيث أن المياه الراكدة التي تعقب أمطار فصل الخريف تزيد من انتشار البعوض الناقل لفيروس حمى الضنك، ما يجدد إمكانية انتشار الفيروس سنوياً عقب فصل الخريف. 

حول الوضع بولاية شمال كردفان، يعود إدريس ويضيف قائلاً: “في الأسبوعين الماضيين كانت مدينة الأبيض تعاني ظروفاً صعبة، يوجد تكدس بالمستشفيات ونقص حاد في الإمدادات الطبية الأساسية للمرضى، خاطبنا المحلية بشأن احتياجاتنا لتوفير ناموسيات وطلمبات رش ومحاليل وريدية للمراكز الصحية، وكان الرد من المدير التنفيذي للوحدة، أن وزارة الصحة لم ترد حتى الآن”.

لكن، ثمة فرق كبير بين ما رواه مواطنو مدينة الأبيض، التي شهدت أكبر موجة انتشار للمرض حتى الآن، ورواية السلطات، وذلك يبدو واضحاً حسب مقاطع فيديو وصور بثها نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت، عن أوضاع المستشفيات وصفوف المحاليل الوريدية وعدد الوفيات المتزايدة يوماً بعد يوم.

ويشير أحدث تقرير في 19 نوفمبر لوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية في ولاية شمال كردفان، عن وفاة 5 أشخاص متأثرين بحمى الضنك منذ بداية انتشار المرض، كما سجلت 14 حالة اشتباه جديدة ليرتفع العدد التراكمي للحالات إلى 613 حالة، مع وجود 3 حالات بمركز للعزل.

من جهتها علقت لجنة أطباء السودان المركزية على انتشار حمى الضنك في مدينة الأبيض، وأشارت إلى أن الولاية تعاني من “وضع خطير”، حسب معدل الإصابات والوفيات المتزايد بالمدينة. 

وأضافت في بيان “تشير كل الدلائل اننا أمام كارثة صحية فأغلب مستشفيات المدينة ما زالت تكتظ بالمرضى وبعضهم قد لا يجد حتى مكاناً لتلقي العلاج”.

وتابع البيان، أن المنومين بالمنازل عددهم أضعاف من يصلون إلى المستشفيات والمراكز الصحية”. 

استجابة حكومية:

 بعد مرور أكثر من 3 أسابيع على معاناة أهالي ولاية شمال كردفان وشمال دارفور وبقية الولايات المتضررة بالجائحة، أعلنت وزارة الصحة تزايد أعداد المصابين بحمى الضنك لترتفع خلال عدة أيام إلى آلاف الحالات.

يقول وزير الصحة الاتحادي بسلطة الأمر الواقع، هيثم محمد إبراهيم : “كنا نتوقع منذ بداية الخريف كثافة نواقل الأمراض، كان يوجد تحسب بالإسناد لهذه الولايات بتدريب الكادر الطبي وإرسال الإمدادات لمعظم هذه الولايات”.

وأشار إبراهيم، إلى أن الحالات المسجلة لدى وزارة الصحة تقدر بـ 2400 حالة، وأن وزارة الصحة تقدر العدد الفعلي للحالات بأكثر من 12 ألف حالة ولكن معظمها ليست بتلك الخطورة، إذ انها لا تستدعي إلا رعاية صحية منزلية.

كما أشار إلى أن الوزارة قد هيأت الوضع قبل انتشار الجائحة بالعمل على عدة محاور رئيسية منها الرش و التوعية الصحية و تدعيم المراكز الصحية.

لكن، حديث الوزير عن التحوطات والاستعدادات المسبقة للتعاطي مع مثل هذه الحميات، يكذبه الواقع وخريطة انتشار المرض وانتقاله لولايات عديدة يوماً بعد يوم.  

الجائحة في شمال دارفور:

سجلت ولاية شمال دارفور، غربي البلاد، حسب آخر تقرير لوزارة الصحة بالولاية، 315 حالة مؤكدة معملياً حتى 14 نوفمبر الحالي بجانب حالة وفاة واحدة لطفل من منطقة “أمراحيك” التابعة لريفي مدينة الفاشر. كما أشار  التقرير الذي تم عرضه خلال اجتماع للجنة الفنية للطوارئ الصحية بالولاية، إلى استمرار أنشطة مكافحة النواقل من خلال الرش وتفتيش المنازل، بالإضافة لاستمرار أنشطة التوعية الصحية بالولاية.

لم يقتصر تأخر استجابة الجهات الرسمية لانتشار الحمى على ولاية شمال كردفان، حيث يعاني مواطنو ولاية شمال دارفور من ذات المشكلة، وتعتبر الولايتان هما الأكثر تضرراً من انتشار حمى الضنك حتى الآن، حسب الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية.

يسرد المواطن إبراهيم البشير، أحد سكان مدينة الفاشر قصة عائلته مع المرض لـ(بيم ريبورتس)، حيث أصيبت بهفي  ابنته أواخر أكتوبر الماضي.

“أصيبت ابنتي الأولى بحمى الضنك قبل إعلان الجهات الرسمية انتشار المرض، وعندما ذهبنا إلى المستشفى طلبوا منّا تحليلاً معملياً، تم تشخيص مرضها بالملاريا.. وصف الطبيب  محاليل وريدية وبندول فقط، لم يصف لنا أقراص الملاريا (الكوارتم) واستمر الوضع لأكثر من أسبوع حتى مطلع نوفمبر عندما أعلنت السلطات انتشار المرض”، يوضح إبراهيم.

الحميات في السودان

لا تعتبر هذه الجائحة هي الأولى بالسودان، فقد عانت البلاد بمختلف ولاياتها في الأعوام الأخيرة من انتشار حميات عديدة، بينها حمى الضنك بنسب متباينة في مدن مختلفة.

يشير مكتب تنسيق الشؤون الانسانية بالأمم المتحدة في آخر تحديث إنساني لشهر أكتوبر الماضي، الى إن النمط المتزايد للحميات في السودان سنوياً يعد من الهموم الرئيسية لشركاء القطاع الصحي الذين يقدمون الدعم لوزارة الصحة الاتحادية لتجاوز هذه الأزمة.

لعبت الجهود الشعبية دورا محوريا في مجابهة الكارثة الصحية الحالية بولايات السودان، و اخذت على عاتقها مسؤولية العمل وفق ما يتطلبه محاربة الوباء و تسليط الضوء على الوضع الجاري.

ومع ذلك، يبدو أن السودان سيعاني مراراً وتكراراً عقب كل فصل خريف في السنوات المقبلة، وذلك بالنظر إلى الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعاني منها، بالإضافة إلى سياسات سلطة الأمر الواقع التي ترتكز موازنتها على الصرف الأمني وتمويل الصرف على الوظائف الحكومية العليا. في الوقت الذي تتجاهل فيه القطاعات الحيوية مثل القطاع الصحي الذي يعاني من هشاشة تكاد تعصف به في خضم الأوبئة والحميات التي ما انفكت تضرب البلاد في السنوات الأخيرة، دون أن يقود ذلك إلى محاولة إصلاح القطاع الذي يرزح تحت وطأة الإهمال والتجاهل.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية