بحجج مختلفة.. كيف وظّفت حكومتا شمال وغرب دارفور قانون الطوارئ لسجن المئات تعسفياً؟

 منذ حوالي 4 أشهر، ويعقوب آدم إدريس وابنه واثنين من أبناء عمومته، يقبعون بسجن بورتسودان شرقي البلاد، تحت طائلة قانون الطوارئ الذي أصدره قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان غداة انقلابه، ومن ثم ألغى العمل به في مايو الماضي.

 

وكان إدريس، المتحدر من ولاية غرب دارفور الواقعة أقصى غربي البلاد، قد اعتقل في يوليو الماضي دون أوامر قضائية، ليفقد التواصل مع عائلته، بمن فيهم أبناؤه الـ16 الذين تركهم في الجنينة بلا عائل، حسبما يقول أقرباؤه لـ(بيم ريبورتس).

 

بدأت حكاية إدريس والمئات غيره، من المعتقلين تعسفياً، في 27 يوليو الماضي، عندما أمر حاكم ولاية غرب دارفور، خميس عبد الله أبكر، باحتجاز 177 مواطناً من مدينة الجنينة، بدون الاستناد على أية إجراءات قضائية، بحجة مشاركتهم في نزاع أهلي بـ(منطقة آزرني)، نُقِل على إثره 90 بينهم إلى سجن بورتسودان في اليوم نفسه، ومن ضمنهم  إدريس، أما ابنه وأقربائه، فاعتقلوا في سجن الجنينة.

 

ومع ذلك، ما تزال الأجهزة الأمنية تشن حملات اعتقالات شبه مستمرة في أنحاء إقليم دارفور المختلفة، بحجة مشاركتهم في أعمال عنف أهلي، غير أن محامين وناشطين تحدثوا لـ(بيم ريبورتس)، أشاروا إلى أن الاعتقالات لم تكن قانونية وطالت أشخاص لا علاقة لهم بالأحداث.

 

ويؤكد ذوو المعتقلين على ذات الأمر، حيث ينفى أحد أقرباء المعتقل (إدريس) لـ(بيم ريبورتس) عبر الهاتف من مدينة الجنينة، أن يكون أقربائه الأربعة قد ارتكبوا أية جريمة، وقال إنهم كانوا في قرية (برونة) التي تبعد نحو 25 كلم من مدينة الجنينة، مشيراً إلى أنهم اعتقلوا لمجرد حديثهم مع القوات الأمنية الأمنية المرتكزة على بعد نحو كيلومترين من القرية، وأبدوا رغبتهم في إفادتها عن الأحداث القريبة منهم.  

 

 لم تقتصر الاعتقالات التي شنتها قوات الأمن على إدريس وعائلته، حيث تم اعتقال أكثر من 100 مواطن من قرية (كنغوك)، يقول المصدر. كما جرى استجواب المواطنين بشكل عشوائي وقمعي، قبل أن يتم اقتيادهم سيراً على الأقدام لمسافة 8 كلم من قرية (كنغوك) إلى قرية (مكو)، ومن بعدها رُحل المعتقلون ووزعوا على سجون: (أردمتا وبورتسودان والهدى).

معتقلو سجن الهدى

فصل آخر من الانتهاكات يعيشها المعتقلون تعسفياً في السجون، حيث يصفهم السجانون بسجن الهدى غرب مدينة أمدرمان بـ”أمانات والي غرب دارفور”، يقصد السجانون بذلك 21 شخصاً جرى اعتقالهم بواسطة لجنة أمن ولاية غرب دارفور في أبريل 2021م، في أعقاب أحداث (كريندق 2). ورغم انتهاء فترة حبسهم، إلا أن حاكم ولاية غرب دارفور، أصدر قراراً بالتحفظ عليهم.

تجدد الأحداث وزيادة المحتجزين

 خلال العامين الماضيين، شهدت ولاية غرب دارفور عدداً من موجات العنف الدامية في يناير 2020 ويناير وأبريل 2021 عرفت بأحداث مخيم كريندنق 1 وكريندنق 2 ومخيم أبو ذر وحي الجبل ، وأودت تلك الأحداث بحياة 452 قتيل على الأقل بينهم 43 من النساء والاطفال وخلفت 528 جريح .

 

وتجددت الأحداث في أواخر أبريل الماضي، حيث اندلعت موجة جديدة من العنف في مدينة الجنينة، راح ضحيتها أكثر من 200 شخص، فضلاً عن عشرات الجرحى.

ومع توقيف مئات الأشخاص دون اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، أقر قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بالتقصير في احتواء أحداث (كريندق) وأحداث غرب دارفور عامة.  

 

ومع استمرار الاعتقالات التعسفية، شكل محامون هيئة للدفاع عن معتقلي ولاية غرب دارفور المحتجزين بالسجون، حيث أسفرت جهودها عن الإفراج عن عدد من المعتقلين بسجن أردمتا.

اعتقالات بولاية شمال دارفور

 فيما ارتبطت الاعتقالات في ولاية غرب دارفور بأحداث العنف وقانون الطوارئ، جرت حملة اعتقالات شبيهة في ولاية شمال دارفور، في يوليو وأغسطس الماضيين، يقول محامون إنها جاءت هذه المرة بأوامر من قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، على خلفية مشاريع استثمارية في التعدين حاول فرضها بالقوة.

 

ومع احتجاجهم على مشروع دقلو، تم ترحيل أغلب الموقوفين إلى سجن الهدى غربي بأمدرمان لتتولى قضيتهم، بالإضافة إلى معتقلي ولاية غرب دارفور، هيئة دفاع مشتركة.

 

 وتقول هيئة محامي دارفور، إنه منذ مايو الماضي، جرى ترحيل 71 محتجزاً من الفاشر إلى سجن الهدى، ألحقت بهم دفعة ثانية في 31 أغسطس الماضي، ضمت 16 معتقلاً في 31 أغسطس الماضي ، وذلك بأوامر من قائد ثاني دعم سريع عبد الرحيم دقلو.

معتقلو سجن شالا

مع اختلاف أماكن السجون الجغرافية، إلا أن الاعتقال التعسفي ظل قاسماً مشتركا. تقول عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين من ولاية شمال دارفور بسجن شالا بمدينة الفاشر، وهيبة بشير لـ(بيم ريبورتس)، إن السلطات أطلقت سراح 17 من معتقلي سجن شالا بضمانات عادية بعد احتجازهم لأكثر من 3 أشهر.

 

وأشارت إلى أن 5 آخرين من المفرج عنهم مؤخرا بضمانات عادية تجري محاكمتهم بتهم ملفقة على حد قولها، لافتة إلى أن إدارة السجن ردت على استفساراتها بأن المحتجزين ألقي القبض عليهم بموجب أمر محلي وليس قانون الطوارئ الملغي.

 

 وبحسب المحامية وهيبة بشير، فإنه جرى توقيف معتقلي شمال دارفور، بسبب إقامة مواطني قرية (جبل حلة) وقفة احتجاجية رفضاً لاستثمارات مرتبطة بالتعدين كان (عبد الرحيم  دقلو)، يعتزم بدء العمل فيها، وهي المنطقة التي تشمل مزارع المحتجين.    

 

في خضم احتجازات غير قانونية بالأساس، كشفت هيئة الدفاع المشتركة أخيراً عن لجوء أسر بعض المعتقلين إلى غطاء الحركات المسلحة، إذ تم الإفراج عن أحد المعتقلين بعد خطاب توصية من حكومة ولاية شمال دارفور يتحدث عن تبعيته لإحدى الحركات المسلحة.

 

واتهمت الهيئة، السلطات بممارسة التمييز في الإفراج عن ضحايا الانتهاكات عبر تجزئة المشروعية، فيما تم الإفراج عن 4 من عضوية لجنة متابعة مطالب المتأثرين بأحداث منطقة ملاقات شمال دارفور، والذين تم اعتقالهم بسبب تمسكهم بمطالب المتأثرين بأحداث المنطقة في اجتماع ضم عبد الرحيم دقلو.

 

وإجمالاً يبلغ عدد المحتجزين من ولايتي شمال وغرب دارفور، بسجن الهدى حالياً، قرابة الـ100 محتجز، بينما يبلغ عدد المحتجزين بسجن بورتسودان 109، و77  محتجزاً بسجن أردمتا بالجنينة.

وضع صحي مزرٍ بسجن الهدى

بجانب احتجازهم غير المشروع، يواجه المعتقلون ضروباً أخرى من المعاناة، حيث أعلنت هيئة الدفاع عن معتقلي غرب وشمال دارفور، أن شاباً فقد عقله في الثاني من نوفمبر الحالي بسجن الهدى، دون أن يتمكن من مقابلة الطبيب بعدما فقد سيطرته على نفسه، جراء شعوره بالظلم نسبة لاحتجازه غير المستند لأية قوانين. 


أيضاً، أعلنت الهيئة عن إصابة سجين آخر في سجن الهدى بمرض الدرن المعدي، والمعتقلان الاثنان تم ترحيلهما من ولاية شمال دارفور. 

 

 ومع تفاقم أوضاع المعتقلين الصحية في السجن، قدمت الهيئة مذكرة للنائب العام، لكنها لم تتلقَ رد عليها حتى اليوم حسبما تقول. أيضاً في إطار تحركاتها للدفاع عن المحتجزين، زارت هيئة الدفاع المشتركة السجون للتعرف على أوضاع المحتجزين، كما شملت تحركاتها  النائب العام، ورئيس القضاء، للإفراج عن المحتجزين.

 

وخلال لقاء هيئة الدفاع  للنائب العام عدة مرات، أشار إلى أنه أرسل خطابات لحاكمي ولايتي شمال وغرب دارفور، وأنه في انتظار توضيحاتهما بشأن الاعتقالات، بجانب إرساله خطاباً لـ(مجلس السيادة) في القضية نفسها. ومع ذلك، وعد النائب العام، هيئة الدفاع بالتحرك وإصدار قرار منفرد حال لم ترد الجهات المعنية عليه حتى تاريخ 1/9/2022، لكن لم يطرأ أي جديد.

 

مواصلة في قضية المعتقلين، سلمت هيئة الدفاع مذكرة لرئيس القضاء في العاشر من سبتمبر الماضي بموجب المادة 46 من قانون سجون السودان، بعد عجز النائب العام عن حل القضية، وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه، التقت الهيئة رئيس القضاء حيث قدمت له كشفاً بأسماء المعتقلين وأوضاعهم وخلفيات اعتقالهم.  

 

 وفي نوفمبر الحالي، قدمت هيئة الدفاع مذكرة معنونة لرئيس القضاء لاستعجال النظر في المذكرة التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين واحالة المرضى للعلاج، مهددة باللجوء إلى الآليات الإقليمية والدولية وتقييد شكوى ضد حكومة السودان لدى المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. 

 فيما أعربت هيئة الدفاع، عن قلقها بسبب ظهور نشاط الإفراج عن بعض محتجزي شمال دارفور مقابل مبالغ مالية تفاوتت بين 50-500 ألف جنيه سوداني. وأرجعت السبب في ذلك للتردي القانوني بالبلاد وغياب العدالة ووصفته بـ الانتهاك لحقوق المعتقلين القانونية والدستورية، في ظل تخلي النائب العام عن مسؤولياته وغياب دولة القضاء والقانون .

بلاغات ضد دقلو وولاة الولايات

 شددت هيئة الدفاع عن معتقلي ولايتي غرب وشمال دارفور في أكثر من بيان لها عن اعتزامها فتح بلاغات بحق عبد الرحيم دقلو ووالي شمال دارفور عبد الرحمن نمر، وضد والي غرب دارفور، خميس أبكر بسبب انتهاكات حقوق المعتقلين في الطريقة التي تم بها الاعتقال والتحفظ على المعتقلين بالسجون المختلفة ورفض الإفراج عنهم ولكن حتى الآن لم يتم تقييد بلاغ على أرض الواقع.

خداع المجتمع الدولي

 في منتصف نوفمبر الحالي، زار المفوض السامي لمفوضية حقوق الإنسان التابع للأمم المتحد،ة فولكر تورك، مدينة الفاشر بناء على طلب من هيئة الدفاع المشتركة لتفقد أوضاع المحتجزين بسجن شالا بالفاشر وبقية السجون. لكن، قبل وصول المفوض قامت إدارة السجن بتوزيع المعتقلين على أقسام شرطة الفاشر تحت غطاء الإفراج عنهم خشية مقابلة المفوض لهم في الفاشر والذي تم إخباره بالإفراج المسبق عن المعتقلين.

انتقادات لاستخدام السلطة قانون الطوارئ

نظراً لاعتقال القوات الأمنية المئات من المتظاهرين السلميين والصحفيين والقادة السياسيين والمدنيين اعتماداً على أمر الطوارئ رقم 3 الصادر بموجب حالة الطوارئ التي أصدرها البرهان، أعدت منظمة (ريدريس) بالاشتراك مع جهات قانونية عدة منها مركز (الناس للعون) ومجموعة (محامو الطوارئ) و(هيئة محامي دارفور) موجزاً يحدد أنماط الاعتقال والاحتجاز التعسفية بموجب حالة الطوارئ وأمر الطوارئ رقم 3، وجهت فيه سلطة الأمر الواقع برفع حالة الطوارئ وإلغاء جميع الحصانات المتصلة به في مايو الماضي نظراً لعدد الانتهاكات التي ارتكبت بواسطة السلطات بموجب القانون في الخرطوم والولايات.

 

ورغم إصدار البرهان في 29 مايو الماضي مرسوماً بإنهاء حالة الطوارئ في كل أنحاء السودان، إلا أن عشرات المعتقلين بسجون الخرطوم والولايات استمر اعتقالهم بموجب سلطات القانون أو تأخرت إجراءات الإفراج عنهم بمن فيهم معتقلي شمال وغرب دارفور.

 

وفيما تبدو قضية معتقلي ولايتي غرب وشمال دارفور على وشك الانفراج، إذ تم الإفراج عن العديد منهم خاصة بعد بيان هيئة الدفاع المقتضب بشأن ما تم في زيارة المفوض السامي لحقوق الإنسان وربط تجاهله للقضية بالمستجدات السياسية بالبلاد عن قرب تسوية سياسية بين الأطراف المدنية والعسكرية والتي يعد قادة الدعم السريع جزءاً لا يتجزأ منها، لا تزال عائلة يعقوب آدم ادريس ومئات العائلات الأخرى،لا تعلم حتى عن كون أفرادها معتقلين بالسجون وتحسبهم في عداد المفقودين.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter