مرور 18 عاماً على توقيعه.. كيف غير اتفاق السلام الشامل مسار التاريخ في السودان؟

مرّت أمس الاثنين 9 يناير الذكرى الـ18 لتوقيع اتفاق السلام الشامل بين نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو الاتفاق الذي غير مسار التاريخ في السودان، وأدى في نهاية المطاف لانقسامه إلى دولتين، لكنه في الوقت نفسه أنهى أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية.

ونص اتفاق السلام الشامل، الذي جرى توقيعه في مدينة نيفاشا الكينية، على حق تقرير المصير، حيث صوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة على استفتاء جرى بين 9-15 يناير 2011م، حول ما إذا كانوا يرغبون بالبقاء بدولة واحدة مع السودان، أو الانفصال بدولة مستقلة، وهو الأمر الذي تحقق بعد حوالي 6 أشهر فقط من إجراء الاستفتاء.

ففي 9 يوليو 2011م، وسط أهازيج عشرات آلاف الجنوبيين، وهم يلوحون بأعلام بلادهم، في إحدى ساحات العاصمة جوبا، طُوي علم السوداني. قبل أن يتم رفع علم جمهورية جنوب السودان الوليدة على السارية إيذاناً باستقلال بلادهم عن السودان الأم.

احتفال جنوب السودان، باستقلاله عن السودان، تم بحضور الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، وعدد من الرؤساء الأفارقة والأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، ومسؤولين دوليين وأمميين رفيعي المستوى.

ومع ذلك، يُعتقد أن ما قاد إلى انفصال جنوب السودان، هو عرقلة حزب المؤتمر الوطني المحلول، تنفيذ بنود اتفاق السلام الشامل، كما شكّل مصرع زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، في حادثة تحطم طائرة في 30 يوليو 2005، عاملاً جوهرياً في تعزيز التوجه الانفصالي لدى قادة الحركة الشعبية.

ولم يمر سوى عام واحد فقط على توقيع الاتفاق، حتى أصبح واضحاً، أنه لا يمضي قدماً. وظلت المعادلة بين الشريكين (الحركة الشعبية ـ وحزب المؤتمر الوطني المحلول) طيلة الفترة الانتقالية، تبعث على القلق حتى انقسام البلاد. فبينما كان حزب المؤتمر الوطني المحلول يمتلك القدرة على تنفيذ الاتفاق، إلا أنه كان يفتقر إلى الإرادة السياسية، في المقابل كانت الحركة الشعبية ضعيفة وغير منظمة، بالإضافة إلى تخلي المجتمع الدولي إلى حد كبير عن العمل والالتزام السياسي الذي كان بالغ الأهمية في التوصل إلى اتفاق السلام في المقام الأول.

كما تسببت وفاة زعيم الحركة الشعبية جون قرنق، في مفاقمة الوضع حيث أصبحت رؤيتها عشوائية، مقابل تخلى حزب المؤتمر الوطني المحلول عن التزاماته تجاه الشراكة، بمثل ما كان يفعل في حياة زعيمها.

PETER BUSOMOKE/AFP via Getty Images

فصول اتفاق السلام

قام اتفاق السلام الشامل على 6 فصول رئيسية و5 ملاحق، وتمثلت الفصول الستة في: اتفاق مشاكوس، اتفاق تقاسم السلطة، اتفاق تقاسم الثروة، اتفاق حسم النزاع في أبيي، اتفاق حسم النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اتفاق الترتيبات الأمنية.

وتمثلت ملاحق الاتفاق في؛ نص اتفاق آلية وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية وآليات التطبيق، نص اتفاق تنفيذ بروتوكول مشاكوس واقتسام السلطة، نص اتفاق وسائل الاتفاق الإطاري لاقتسام الثروة، وسائل تنفيذ بروتوكول حل نزاع أبيي، وسائل تنفيذ بروتوكول حل النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

وضمن تفاصيل أبواب الاتفاق الستة والملاحق، تم منح سكان جنوب السودان حق التصويت على الانفصال في نهاية فترة انتقالية مدتها ست سنوات تطبق خلالها الشريعة الإسلامية في شمال السودان ولا تطبق في جنوبه.

فيما نصت الترتيبات الأمنية التي وقعت في 25 سبتمبر 2003م، على أن يكون هنالك جيشان خلال الفترة الانتقالية، القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان. أيضاً اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار بمراقبة دولية ويسري من تاريخ توقيع اتفاق السلام الشامل. بجانب نشر قوات مشتركة في جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والخرطوم، بالإضافة إلى اتفاق اقتسام الثروة الذي وقع في السابع من يناير 2004م.

كذلك تم تخصيص نسبة 50 في المئة من صافي عائدات النفط الذي تنتجه آبار النفط بجنوب السودان لحكومة جنوب السودان في بداية الفترة قبل الانتقالية، وتحصل الحكومة المركزية وولايات شمال السودان على الخمسين في المئة المتبقية. بجانب العمل بنظام مصرفي مزدوج إسلامي في شمال السودان فيما يطبق نظام مصرفي تقليدي في جنوب السودان.

في 26 مايو 2004م، تم توقيع اتفاق اقتسام السلطة، حيث حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 52 في المئة من المقاعد والحركة الشعبية لتحرير السودان على 28 في المئة، فيما حصلت أحزاب شمال السودان الأخرى على 14 في المئة وبقية أحزاب الجنوب على ستة في المئة، بجانب تولي رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان منصب النائب الأول لرئيس الدولة.

SIMON MAINA/AFP via Getty Images

كما نص البروتوكول على إنشاء المفوضية الوطنية لمراجعة الدستور والتي تألفت من ممثلين عن حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الشعبية لتحرير السودان وقوى سياسية أخرى والمجتمع المدني، حيث عملوا على إعداد إطار قانوني ودستوري على أساس اتفاق السلام ودستور 1998م وهو الأمر الذي أسفر عن إجازة دستور جمهورية السودان الانتقالي في 6 يوليو 2005م.

فيما يخص الإدارة الإقليمية لشمال السودان، حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 70 في المئة من المقاعد التنفيذية والتشريعية وتحصلت الحركة الشعبية لتحرير السودان على عشرة في المئة، بينما تحصلت الأحزاب السياسية في الجنوب على 20 في المئة.

بالنسبة لحكومة الجنوب، حصلت الحركة الشعبية لتحرير السودان على 70 في المئة من المقاعد الحكومية والتشريعية، فيما حصلت القوى الجنوبية الأخرى وحزب المؤتمر الوطني  المحلول على 15 في المئة لكل منهما.

فيما نص بروتوكول حل النزاع في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق الذي وقع في 26 مايو 2004م، على اقتسام السلطة التنفيذية والتشريعية في الولايتين، حيث حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 55 في المئة والحركة الشعبية لتحرير السودان على 45 في المئة، على أن يكون الحكم في الولايتين دورياً حيث يتولى كل جانب منصب المحافظ لنصف الفترة السابقة على إجراء الانتخابات.

أيضاَ تم توقيع بروتوكول فض النزاع في أبيي الذي وقع في 26 مارس 2004م، بحيث يكون السكان مواطنين لكل من شمال السودان وجنوبه، بجانب تقسيم صافي عائدات النفط خلال الفترة الانتقالية إلى ستة أجزاء؛ حيث تحصل الحكومة الوطنية على 50 في المئة وحكومة جنوب السودان على 42 في المئة، بينما تحصل كل من منطقة بحر الغزال (جنوب السودان) وغرب كردفان وسكان نجوك دينكا وسكان المسيرية على اثنين في المئة.

على أن يصوت سكان أبيي بعد نهاية الفترة الانتقالية، على الاختيار بين الاحتفاظ بالوضع الإداري الخاص في الشمال، أو الانضمام لولاية بحر الغزال وهي جزء من جنوب السودان، لكن حتى بعد مرور أكثر من 11 سنة على انقسام جنوب السودان، إلا أن أبيي ما تزال تحتفظ بوضعية خاصة.

 

في 31 كانون ديسمبر 2004م تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية وتنفيذها، حيث تنشأ وحدات مسلحة مشتركة قوامها نحو أربعة آلاف جندي وتنشر في أنحاء الجنوب والمناطق الثلاث التي كانت متنازعا عليها فيما سبق؛ وهي أبيي وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، فضلاً عن وحدة واحدة في العاصمة.

فيما يخص التمويل، تقدم الإدارة في جنوب السودان التمويل الرئيسي لوحدات الحركة الشعبية لتحرير السودان، بينما تمول الحكومة في الخرطوم الجيش الشمالي والوحدات المشتركة، خلال فترة انتقالية مدتها ستة أشهر، فيما تم ترك تمويل القوات الجنوبية في المدى الطويل ليقرره المجلس الوطني خلال الفترة الانتقالية.

أيضاً تم الاتفاق على إلغاء حالة الطوارئ المفروضة في السودان منذ عام 1999م في جميع المناطق الخاضعة لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، أيضاً إلغاء حالة الطوارئ في المناطق الأخرى “باستثناء المناطق التي لا تسمح فيها الاوضاع بذلك”، إطلاق سراح أسرى الحرب في غضون 30 يوماً من توقيع اتفاق السلام.

في 31 يسمبر 2004م، تم توقيع اتفاق تنفيذ البروتوكولات والاتفاقيات، حيث يضع الاتفاق الجداول الزمنية ويحدد الأدوار والمسؤوليات في تنفيذ البروتوكولات.

الحروب الأهلية واتفاقيات السلام في السودان.. ماذا تعرف عنها؟

شرارة الحرب ونهايتها

اندلعت شرارة الحرب الأهلية في البلاد، في صبيحة الثامن عشر من أغسطس 1955م، إثر تمرد قادته الفرقة الجنوبية بمنطقة توريت شرقي الاستوائية بجنوب السودان، حيث خلّف مئات القتلى من الشماليين بينهم موظفون وضباط وأطفال ونساء، في المقابل قتل عشرات الجنوبيين. 

وتفجرت الحرب، نسبة للتاريخ الطويل من المرارات وعدم الثقة بين الشماليين والجنوبيين، والتي مثلت أبرز الدوافع التي دفعت الفرقة الجنوبية للتمرد، كما أنه مثل خاتمة متوقعة لسياسات الاستعمار البريطاني، تجاه وضع جنوب السودان. 

وطريق انقسام السودان إلى دولتين، كرّسته حرب أهلية دموية قتل فيها حوالي مليوني شخص، على مدى خمسين عاماً، وسياسات وطنية واستعمارية، ومواثيق مختلفة للأطراف السودانية، بينها مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، واتفاق السلام الشامل الذي جاء تتوجياً لبروتوكول مشاكوس 2002م بكينيا، واللذين أقرا حق تقرير المصير لجنوب السودان.

مع ذلك، ورغم نجاح اتفاق السلام الشامل، والذي أتم 18 عاماً منذ توقيعه في 5 يناير 2005م، في إيقاف الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، إلا أن السودْانين ما يزالان يعيشان تحت وطأة النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي. 

ففي الحروب التي أعقبت استقلاله، انزلق جنوب السودان في أتون حروب أهلية طاحنة أودت بحياة مئات الآلاف وشردت مثلهم. في المقابل، عاش السودان في دورة من الحروب الأهلية، ما قبل وبعد، ذهاب الجنوب، أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين.

مشاركة التقرير