«الجديدة» تنتهج نفس السياسات.. كيف سحقت موازنة العام «2022» مدخرات ملايين السودانيين؟

“نبشر المواطن بأن العام فيه خير، بُذل مجهود في الموازنة لخلق وظائف ودعم للقطاعين الصحي والتعليمي.. كما خصصت مبالغ معتبرة لدعم الأسر الفقيرة، وستزداد أجور الموظفين بصورة طيبة”. هكذا تحدث وزير المالية بحكومة الأمر الواقع، جبريل إبراهيم، عن موازنة العام الماضي 2022م.

غير أن حديثه لم يتحقق على أرض الواقع، بل كان عكس ما أشار إليه حيث سحقت الضرائب والجبايات والسياسات الاقتصادية عامةً مدخرات الملايين، ليضم السودانيون حديثه إلى ذاكرتهم المليئة بوعود الدولة. حيث تتجدد ذات العهود على لسان الحكومات المتعاقبة، سواءً تلك التي أتت بقوة السلاح أو بشرعية الانتخابات، ببناء نظام صحي متماسك، وإنفاق على قطاعات التعليم والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية، بالإضافة إلى أجور تتعدى الخط الأدنى وتبشر بواقع أفضل لمعيشتهم، فيما يحدث العكس تماماً.

هكذا..مر عام على إعلان حكومة الأمر الواقع لموازنة العام 2022م والتي استغرقت وقتاً أكثر من المعتاد، إذ أعلنت بعد مضي أكثر من 20 يوماً من شهر يناير 2022م وهو الوقت المتوقع لبدء تنفيذ الموازنة والصرف على المؤسسات الحكومية.

في وقت تثور التساؤلات، ما إذا كانت موازنة العام 2023م، ستمضي في ذات نهج سابقتها بالاعتماد على الضرائب والجبايات، مع انعدام التمويل الخارجي للعام الثاني على التوالي، وهو الأمر الذي  يضاعف الضغط على المواطنين، في خضم سيل من الأزمات الطاحنة على الصعد كافة.

وكانت وزارة المالية، أعلنت في ديسمبر الماضي، أنها أودعت مشروع موازنة العام 2023م، منضدة مجلس الوزراء، مشيرة إلى أن الخطوة تأتي توطئة لمناقشته على مستوى اللجان وقطاعات المجلس المتخصصة، ومن ثم رفعه لإجازته من المجلس وفق الجدول الزمني المحدد له. ومع ذلك، أعلنت غالبية ولايات البلاد الـ18 إجازة موازناتها للعام الحالي.

بينما قال وزير المالية، إن المبلغ المرصود لموازنة العام 2023م، يصل لحوالي 5 تريليونات جنيه سوداني، مقراً في الوقت نفسه بوجود عجز في الموازنة، أشار إلى أنه لا يتخطى نسبة 15%، مع إمكانية تغطيته باللجوء إلى الاقتراض من بنك السودان المركزي.

تأخر إجازة موازنة العام 2023م، هو نفس سيناريو الموازنة السابقة والتي وضع تأخيرها الكثير من التساؤلات حول عجز الجهاز التنفيذي بالحكومة لإعدادها، إذا أجيزت في ظل وضع سياسي محتقن ومؤشرات تنذر بتراجع اقتصادي كبير وقد قدرت المالية حدوث عجز كلي في الموازنة بمبلغ (363) مليار جنيه بنسبة (1,3%) من الناتج المحلي الإجمالي يتم تغطيته من أدوات الدين الداخلي والاستدانة من بنك السودان المركزي بمبلغ (374) مليار جنيه، ومبلغ (11,0) مليار جنيه من الأصول المالية، لكن ذلك لم يمنع الحكومة من تقديم  ذات الوعود المعتادة.

وعود متجددة

بلغة غير اقتصادية وغير مدعمة بالأرقام، أعلن وزير المالية بحكومة الأمر الواقع، إجازة الموازنة، مشيراً إلى أنه تم بذل مجهود كبير فيها لخلق وظائف ودعم القطاعات الحيوية، وزيادة الأجور.

غير أن الوقائع كانت تقول أشياء أخرى، على عكس أحاديث واضعي الموازنة والقائمين عليها، حيث أن العام 2022م شهد اضطراباً اقتصادياً واضحاً تمظهر في الإضرابات المتتالية التي نفذها مهنيون وعاملون بكافة القطاعات في السودان، احتجاجاً على الأجور الضعيفة، في خضم أزمة اقتصادية طاحنة، وقد شملت الإضرابات العاملين في القطاعين الصحي والتعليمي. علاوة على ارتفاع معدل الفقر في السودان ونذر فقدان ثلث السودانيين أمنهم الغذائي بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة.

موازنة بدون دعم خارجي

أجيزت موزانة العام 2022م لأول مرة منذ عقود بلا دعم خارجي، حيث اعتمدت بشكل كلي على الموارد الذاتية للدولة. وبطبيعة الحال، فإن السبب الأساسي يرجع لتجميد المساعدات المالية الضخمة التي وعد بها السودان والتي قدرت بأكثر من 4 مليارات دولار، عمل السودان حثيثا ليظفر بها خلال عامين قبل أن يطيح القائد العام للقوات المسلحة بالحكم الانتقالي في السودان في 25 أكتوبر 2021م.

رأى وزير المالية جبريل ابراهيم، وقتها أن انعدام التمويل الخارجي في الموازنة يمثل تحدياً كبيراً لكنها اعتبرها “موازنة واقعية” مضمونة التنفيذ، على حد قوله.

ومع ذلك، كانت الوزارة تأمل في أن يتم استئناف التعاون الخارجي باعتبار أن المساعدات لم تتوقف نهائيا ولكنها جمدت بسبب الأحداث السياسية وأن “المياه ستعود لمجاريها” عقب التشكيل الوزاري واستئناف نشاط مؤسسات الدولة بحسب الناطق الرسمي باسم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، أحمد الشريف.

التضخم

كان خفض التضخم إحدى الأولويات التي تطمح إليها موازنة العام 2022م، وبالفعل، اختتم الجهاز المركزي للإحصاء ذلك العام بنشر التقرير الدوري لحساب معدل التضخم في نوفمبر 2022م، حيث انخفضت نسبة التضخم لتصل إلى 88.83، والذي يعد انخفاضاً كبيراً مقارنة بنسبة التضخم قبل عام في نوفمبر 2021م و التي كانت 339.58.

بالرغم من أن هذه الأرقام (الرسمية) تعتبراً انخفاضاً هائلاً، إلا أن محللين وخبراء اقتصاديين لديهم تقديرات مختلفة حول هذه الأرقام، لأن غلاء الأسعار وضيق المعيشة في السودان يقابل انخفاض التضخم. مشيرين إلى أن الأرقام تشير مباشرة إلى الكساد الاقتصادي وضعف القوة الشرائية ما يعد انخفاضاً سلبياً في التضخم.

بالنسبة لمعدل التضخم المحسوب من قبل الجهاز المركزي للإحصاء، فإنه يعتمد بشكل أساسي على سلة السلع التي تستهلكها الأسر السودانية المتوسطة، وبحسب المدير العام لجهاز الإحصاء المركزي، علي محمد عباس، فإن سلة السلع التي يحسب على أساسها معدل التضخم لم تتغير منذ أكثر من عقد ونصف العقد.

تعتبر هذه المدة طويلة وقد تؤثر بشكل أساسي على مدى صحة حساب متوسط التضخم الذي يجب أن يعبر عن السلع الأساسية ومدى استهلاكها والارتفاع الذي يطرأ عليها ويؤثر على المواطنين مباشرة. وحسب محللين اقتصاديين، فإن انعدام الشفافية حول ماهية السلع المختارة في السلة، يضع الكثير من الاحتمالات حول مصداقية هذه الأرقام، كما يثير الشكوك حول إمكانية تسييس هذه الأرقام لأغراض أو لجهات بعينها.

يرى الخبير الاقتصادي، معتصم أقرع، أن استقلالية الجهاز المركزي للإحصاء ضرورية للحصول على بيانات موثوقة، ويقول:

"يجب تحويل الجهاز المركزي السوداني للإحصاء لهيئة وطنية مستقلة. ويمكن تحقيق ذلك الاستقلال عن طريق سن تشريعات ووضع ترتيبات مؤسسية مستوحاة من تلك المعمول بها لضمان استقلال القضاء واستنادا على الإرث العالمي المتعلق بأفضل الممارسات في مجال الإحصاء والبيانات"

واجهت الموازنة منذ إجازتها انتقادات واسعة وشكوك حول مدى إمكانية تنفيذها، من فئات مجتمعية وقطاعات مختلفة نسبة لاعتمادها الكبير على الجبايات والضرائب التي تثقل كاهل المواطن في الوقت الذي يواجه فيه السودانيون ضائقة اقتصادية طاحنة في ظل العجز المتوقع والمشهد السياسي المتوتر ووسط تدني الأجور في مقابل الارتفاع الهائل للأسعار.

إقرأ أيضاً