من البريق إلى النسيان.. كيف تراجع دور تجمع المهنيين السودانيين على مدى سنوات الثورة؟

“نستطيع معاً أن نعيد بناء كل شيء، والذي يقف أمام ذلك، هو هذا النظام الذي يجب أن نعمل جميعاً على أن يرحل فوراً”، أطلق تجمع المهنيين السودانيين هذه الكلمات المشحونة بالتحدي، في وجه النظام المخلوع في قمة سطوة قمعه، لم تتغير وجهة التجمع من كونه جسماً يمارس نشاطاً نقابياً وحسب، وإنما تحول إلى أحد أبرز الكيانات الاحتجاجية التي قادت حراكاً سياسياً سلمياً في تاريخ السودان الحديث.

وهكذا بدأت رحلة تجمع المهنيين السودانيين، في قيادة ثورة ديسمبر، فبدلاً من التوجه إلى مقر البرلمان بمدينة أمدرمان للمطالبة بتعديل الأجور حسبما كان أعلن مسبقاً، دعا السودانيين للتوجه إلى القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم في 25 ديسمبر 2018م لتسليم مذكرة تطالب بتنحي الرئيس المخلوع عمر البشير.

وسرعان ما التف ملايين السودانيين، حول التجمع، بما شكله من أمل، مقابل حرب بدأ النظام المخلوع شنها ضده. ومع ذلك، مكّن التأييد الواسع الذي حظي به التجمع من مواجهة الهجمة الأمنية والإعلامية ضده، وفي الجانب الآخر، منحه الفرصة في لم شتات الأحزاب المعارضة، بتوقيع إعلان الحرية والتغيير.

ورغم الاعتقالات التي طالت قياداته وحملات التشكيك المستمرة ضده من منسوبي الإنقاذ وقتها، توجت مجهودات التجمع في قيادة الثورة، بإطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م. 

غير أنه، وبعد أشهر معدودة من ذلك، بدأت الخلافات تدب في جسم التجمع وسط مشهد سياسي مليء بالاستقطاب. والآن، بعد مرور أكثر من أربعة أعوام، على خطوته التاريخية تلك، يغيب التجمع عن موقع القيادة، كأنه لم يكن، بعدما عصفت به الخلافات وشقته إلى جناحين.

العمل النقابي في ظل التضييق

بدأ النظام المخلوع، حربه على العمل النقابي مبكراً، بدايةً من استيلائه على السلطة، فشرع مباشرة في حل النقابات المهنية والعمالية واعتقال وفصل القيادات النقابية. كما استبدل عدداً من النقابات الفئوية بنقابات المنشأة التي تضم العاملين في مؤسسة واحدة.

في هذا السياق، يوضح الأكاديمي والسياسي، الواثق كمير، أن قانون النقابات الذي فرضته الإنقاذ انحرف بشكل جذري عن تاريخ الحركة العمالية السودانية. وقال “عمل القانون على فرض قيود على النشاط النقابي، خاصة عدم التمييز بين نقابات العمال والمهنيين والفنيين، وبدلاً من ذلك أصبحت النقابة تُعرّف بالمنشأة التي تخلط كل هذه المهن، وبهذا تم تغييب المصالح المشتركة للعاملين في مهنة واحدة“. 

لا يذهب عضو مبادرة استعادة نقابة المهندسين، كمال عمر، بعيداً عن حديث الواثق كمير ويشير في إفادته لـ(بيم ريبورتس)، إلى تبعات إلغاء نقابة المهندسين، وكيف أفقدهم ذلك وجود جسم يعتني بقضايا المهنة. ولفت عمر، إلى أن غياب النقابة شكل خصماً على مقدرة المجلس الهندسي في أداء مهام تنظيم المهنة، وقال “كانت نقابة المهندسين هي الجهة التي بادرت بتكوين مجلس تنظيم مهنة الهندسة الذي كان يتبع لمجلس الوزراء، وصاغت قوانينه وظلّت ممثلة به حتى الغائها”.

ميلاد التجمع

لم تكن حالة المهندسين في ظل الإنقاذ منفردة، فقد عانت النقابات جميعها، إما من الحل، أو تفريغ ما بقي منها من أدوارها وتجنيدها لخدمة أجندة النظام، وهو الأمر الذي عملت القطاعات المهنية على التصدي له منذ البداية؛ فقاطعت عدة فئات مهنية النقابات التي كونتها الحكومة، وشرعت في خلق أجسام موازية مارست من خلالها نشاطها النقابي ونسقت عبرها احتجاجاتها الفئوية. كما نشطت هذه الأجسام في دعم الحراك السياسي والحقوقي في البلاد ضد سياسات النظام المخلوع الذي مارس التضييق والعنف للحفاظ على مصالحه التي تتعارض – بالضرورة –  مع مصالح العاملين وجميع فئات المواطنين بشكل عام. 

ومن رحم هذه الأجسام، ولدت الأجسام الثلاثة التي كونت نواة تجمع المهنيين في 2016م؛ وهي شبكة الصحفيين السودانيين، والتحالف الديمقراطي للمحامين، ولجنة أطباء السودان المركزية. وعندما كانت البلاد في ذلك العام تشهد موجة احتجاجات بسبب تراكم الأزمات الاقتصادية، صدر البيان الأول من تجمع المهنيين الذي أعلن فيه شروع قطاعات المهنيين في ترتيب صفوفهم لخلق أكبر جبهة ممكنة لإسقاط النظام.

وبعد عامين من العمل غير المعلن والتنظيم الداخلي، صدر ميثاق تجمع المهنيين في يوليو 2018م يحمل توقيعات 8 أجسام مهنية، ضمت الأجسام الثلاثة السابقة، بالإضافة إلى لجنة المعلمين، ورابطة الأطباء البيطريين الديموقراطيين، وتجمع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية.

تطرق الميثاق إلى ضرورة العمل على محاربة حالة التردي التي أصابت النقابات في ظل النظام المخلوع، والتي تسببت في سلب حقوق المهنيين، وضياع مكتسباتهم التاريخية، فوضع استرداد استقلالية العمل النقابي من ضمن أهداف تكوين التجمع الأساسية، بالإضافة للتفاعل مع القضايا العامة التي تهم جموع الشعب السوداني. وعن ذلك، يعود كمال عمر ويقول “التقت هذه الأجسام حول الحاجة للدفاع عن قضاياها الفئوية، عن طريق تنظيم القواعد المهنية النقابية، حيث أن هنالك إرث نقابي زاخر بنجاح تجارب كيانات نقابية مشابهة، والتي – بالإضافة إلى قضاياها الفئوية – ساهمت في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية”.

الحد الأدنى للأجور

كانت البلاد تعاني من ضائقة اقتصادية أحكمت خناقها على المواطن، عندما بادر تجمع المهنيين في نوفمبر 2018م بعقد مؤتمر صحافي استعرض فيه دراسة أعدها عن وضع الأجور في السودان، أوضح فيها عدم واقعيتها أمام التضخم الذي تجاوز الـ 68% في ذلك العام، وأفضت دراسة التجمع؛ إلى أن الأجور – في حدها الأدنى الذي يلبي الاحتياجات الأساسية – يجب ألا تقل عن (8864) جنيه سوداني.

من البرلمان إلى القصر

أثناء تحركات المهنيين في قضية الأجور، تفجرت احتجاجات في عدد من ولايات السودان خلال الأسبوع الأول من ديسمبر 2018م، بعدما ضاق المواطنون ذرعاً من الغلاء وتواتر أزمات: الوقود والخبز، والسيولة النقدية والتي لم يستطيعوا معها حتى الحصول على أرصدتهم بالبنوك لمجابهتها. لم يمض وقت طويل حتى انتقل الهتاف في الشارع من الاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية، إلى المطالبة برحيل النظام، فانعكست هذه النقلة أيضاً على خطاب التجمع الذي أصدر بياناً في 23 ديسمبر أعلن فيه تغيير دعوته من المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور إلى دعوة جموع السودانيين والسودانيات للتجمع بوسط الخرطوم في 25 ديسمبر، للتوجه نحو القصر الجمهوري للمطالبة بتنحي رأس النظام المخلوع عن السلطة، وذلك “استجابة لرغبة الشعب السوداني وحقناً لدمائنا جميعاً، على أن تتشكل حكومة انتقالية ذات كفاءات بمهام محددة، ذات صبغة توافقية بين جميع أطياف المجتمع السوداني”،  كما جاء في البيان.

في صباح ذلك الثلاثاء، ملأت القوات الأمنية شوارع وسط الخرطوم لتحول دون وصول المتظاهرين إلى نقطة التجمع في ميدان أبو جنزير. ومع ذلك، انطلقت التظاهرات من نقاط عديدة في الشوارع المحيطة بشارع القصر، واستمرت مطاردات القوات الأمنية للمتظاهرين حتى الساعات الأخيرة من نهار ذلك اليوم، الذي سجلت اللجان الطبية فيه أعداداً كبيرة من الإصابات بالرصاص الحي والهراوات والغاز المسيل للدموع.

وفي اليوم التالي، أصدر التجمع دعوة جديدة لمواصلة التظاهر اليومي إلى حين إسقاط النظام، كما أعلن الصحفيون والأطباء إضرابهم عن العمل عبر أجسامهم المنضوية داخل التجمع. ولم ينقطع تنسيق التجمع للتظاهرات، حيث دعا التجمع  لموكب في 31 ديسمبر 2018م حدد وجهته صوب القصر مرةً أخرى.

وبالرغم من حملات الاعتقال الكثيفة و الممنهجة للناشطين السياسيين وأعضاء تجمع المهنيين التي بدأت في ديسمبر 2018م، إلا أن النظام المخلوع، فشل في السيطرة على ما أسماه بعض قيادات النظام المخلوع في تصريحاتهم آنذاك بـ “شبح المهنيين” الذي اجتاحت بياناته وسائل التواصل الاجتماعي، وكان المتحدثون باسمه يظهرون على القنوات الإخبارية العالمية من داخل وخارج السودان، حيث نجح التجمع في التكيف مع موقعه من الأحداث بالشكل الذي أحبط كل محاولات النظام في إجهاض نشاطه.

إعلان قوى الحرية والتغيير

"نحييكم بالاستقلال المجيد، نحييكم ونحن جميعاً كشعب سوداني نعمل على تحقيق استقلال جديد من مستعمر جديد يسمى نظام المؤتمر الوطني".

John Doe

بهذه الكلمات، افتتح عضو سكرتارية تجمع المهنيين، محمد ناجي الأصم حديثه عبر بث مباشر على صفحة تجمع المهنيين في الأول من يناير 2019م ليعرف بإعلان الحرية والتغيير. وبعد أن أكد الإعلان في بنده الأول على استمرارية جميع أشكال النضال السلمي حتى رحيل النظام، تناول مهام الفترة الانتقالية، التي حددها بأربعة أعوام، وتضمنت وقف الحرب، ومعالجة التدهور الاقتصادي، وعمل ترتيبات متممة لاتفاق سلام شامل، وإعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية، وإلغاء القوانين المقّيدة للحريات، وضمت قائمة الموقعين على إعلان الحرية والتغيير عند صدوره تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، والتجمع الاتحادي المعارض. 

في وقت تواصل الزخم الثوري في ولايات البلاد المختلفة، وفقاً للجداول التي يصدرها التجمع حيث كانت محل ترقب أسبوعياً، وذلك بالتوازي مع انضمام قطاعات مهنية إلى تجمع المهنيين وتوقيع قوى سياسية وقوى مجتمع مدني على إعلان الحرية والتغيير، حتى بلغ الحراك أوجه في 6 أبريل 2019م، عندما فشلت جميع محاولات القوات الأمنية، في منع وصول مئات آلاف المتظاهرين إلى مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم.

حيث بدأوا اعتصاماً شهدوا خلاله إطاحة البشير في  11 أبريل، واستمر من يومها وحتى 3 يونيو، عندما فضته قوات المجلس العسكري المحلول الذي استولى على السلطة،  في أعقاب عزل البشير، بالقوة، الأمر الذي أسفر عن مقتل أكثر من 130 شخصاً وإصابة المئات وفقدان العشرات، بالإضافة إلى حالات اغتصاب وثقتها عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

 لم تكن تجربة تجمع المهنيين في قيادة العملية السياسية، ومبادرته بميثاق إعلان الحرية والتغيير مستحدثة تماماً. فبالرغم من وجود اختلافات سياقية بين التجارب المختلفة، إلا أن القطاعات المهنية والعمالية في السودان درجت على إنشاء تحالفات بين القطاعات المختلفة ومع القوى السياسية.

ولعبت هذه التحالفات، أدواراً محورية في الحراك السياسي والمطلبي على مر التاريخ، مثل الاتحاد العام لنقابات السودان، الذي نشط في مناهضة الاستعمار، و جبهة الهيئات التي أنتجتها ثورة أكتوبر 1964م، والتي كانت بدايتها من أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة المحامين عقب استشهاد الطالب أحمد القرشي طه، والتجمع النقابي الذي كان المنظم الرئيس للإضراب السياسي ودعا لتظاهرات الشعب باتجاه القصر حتى سقوط نظام جعفر نميري في انتفاضة مارس/أبريل 1985م.

تصاعد الخلافات

بالرغم من انخراط تجمع المهنيين في تحالف أوسع مع أحزاب سياسية وقوى مدنية ومسلحة، إلا أنه ظل الجسم الذي التف حوله السودانيون وعلقوا آمالهم عليه، الأمر الذي لم يدم طويلاً، عقب نجاح الثورة في الإطاحة بالنظام المخلوع، حيث ظهرت للسطح خلافات داخل التجمع، أدت إلى انشقاق عدد من الأجسام بعد انتخاب هياكل جديدة له في 10 يوليو 2020م. 

تلك الخلافات التي ضربت التجمع، وصفها المحلل السياسي، بكري الجاك، بالمتوقعة؛ حيث رأى أنه بالرغم من أن دور تجمع المهنيين القيادي قبل سقوط النظام كان ضرورياً، بسبب تشوه الحياة السياسية وتخريب سمعة أحزاب المعارضة في فترة الإنقاذ، إلا أن وجود التجمع في العملية السياسية انتفت مبرراته بعد سقوط النظام، وبقائه داخل العملية السياسية كان لا بد أن يضر بأي انتقال وأي ممارسة ديمقراطية على المدى الطويل.

وقال الجاك في إفادته لـ(بيم ريبورتس): “من الضروري أن تلعب منظمات المجتمع المدني أدوارها وفقا لموقعها. الحزب هو من عليه أن يعمل على تطوير برامج سياسية يدعو الجماهير إلى الاصطفاف خلفها للوصول للسلطة، أما النقابة واتحادات أصحاب العمل وغيرها فعليها أن تعرف مصالح المجموعات التي تمثلها” 

و بشأن الخلافات حول مجريات انتخابات هياكل التجمع، أضاف الجاك “من المثير للسخرية أن يحدث خلاف حول انتخاب هياكل قيادية لأجسام هي في الأصل غير منتخبة”، موضحاً أن عملية الانتخاب في هذا السياق، تعكس ما وصفه بالتناقض البنيوي، مشيراً إلى أن ما حدث، ليس إلا صراع سياسي تمظهر داخل هذه الأجسام.

والآن والبلاد تشهد مجهودات في تصحيح مسار العمل النقابي واستعادة ما اقتلع منها في ظل النظام المخلوع، يظل تجمع المهنيين ـ بشقيه المتنازعين – بعيداً عن هذا المشهد، وتستدعي محورية المجتمع المدني الفاعل في صناعة أي تجربة ديمقراطية الوقوف على تجربة تجمع المهنيين والنقد الجاد في ما نجحت فيه، وما أثارته إخفاقاتها.