تتضافر مع المجتمع أحياناً.. كيف تترصد السلطة فضاءات الفنون بالرقابة والتعدي المستمر؟

يمثل (جالوص جاليري)، وهو أحد بيوت العرض الفنية بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، مساحة مشرعة ومفتوحة لكل مهتم أو مهتمة بالفنون التشكيلية وما يرتبط بها من فعاليات ثقافية.

 ولم يكن الدخول إليه يتطلب جهداً، سوى بعض الخطوات، نسبة لبابه المفتوح على مصراعيه، للدرجة التي تنتفي فيها الحدود بينه  والشارع العام.

لكن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار، إذ تغيّر بالكامل بعد حادثة الاعتداء على المعرض، مساء 15 يناير الماضي، حينما اقتحمت (جالوص) مجموعة متذرعة بالأسلحة البيضاء، وتزيد عن الـ30 شخصاً ، واعتدت على الموجودين آنذاك، علاوة على تخريب الأعمال الفنية وسرقة معدات موسيقية تخص المؤسسة.

صَدمت الحادثة القائمين على أمر جالوص، والمهتمين بالشأن الثقافي، وأثرت على المساحة نفسها. لتقود هذه التطورات عنيفة الطابع، إلى  إعادة وضع اعتبارات تأمينية احترازية للمساحة التي كانت مشرعة الأبواب، تمثلت في إغلاق باب المؤسسة والتأكد من هوية الزائرين قبل السماح لهم بالدخول.

حوادث أقدم

برغم معاودة (جالوص) لمزاولة نشاطاته، والتي كان آخرها معرض الفنانة، آية بابكر،  “مسارات السراب”. إلا أن الحادثة أعادت للأذهان ما تتعرض له المساحات الفنية والفنانين والفاعلين الثقافيين من انتهاكات وتعدٍ من قبل السلطة العسكرية والاجتماعية، وتداخلها في أحيان كثيرة منذ لحظة الثورة في 2018. 

فهناك عدداً من الحوادث التي شهدتها الأعوام الثلاث السابقة، أبرزها ما تعرضت له مجموعة (فيد للفنون)، في أغسطس 2020، من اعتداء من قبل بعض سكان حي الزهور وبعدها استكمل الاعتداء أوجهه بتعرضهم للحكم بالسجن لمدة شهرين من قبل الشرطة.

الفنون والمجتمع

تجدر الإشارة إلى أن ما تتعرض إليه الفنون المختلفة من تعدٍ وهجمات ليس محصوراً على السلطة الرسمية (السياسية في الدولة) بل هو ممتد إلى مساحات اجتماعية أخرى. فخلال ثورة ديسمبر، وبالرغم من الاحتفاء بذكرى استشهاد الثوار ومحاولة تخليدهم، نجد أن فعالية النصب التذكاري للشهيد عبد العظيم أبو بكر، في المكان الذي ارتقت فيه روحه، بشارع الأربعين، أمدرمان، قوبلت برفض كبير من قبل بعض سكان حي العباسية.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة، ففي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تعرض النصب التذكاري الذي يرمز لشهداء مجزرة الأبيض، والمعبّر عنه بطفل يحمل حقيبة مدرسية ويُلوح بعلامة النصر، وأنجزه مجموعة من الفنانين التشكيليين، تعرض للتحطيم وجز رأسه من قبل مجهولين في سبتمبر 2021. ومع ذلك، أعاد الفنانون ترميمه مرة أخرى، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لحماية التمثال، الذي كان منتصباً في ساحة الحرية،  من الاعتداءات و التعرض للتدمير مرة أخرى. 

بعد الانقلاب

بجانب تشكيله خطراً على كل النشاطات، والذي لم يسلم منه الحقل الفني كذلك، فإن انقلاب 25 أكتوبر 2021، شكل خطراً داهماً على الفنون ومساحات الحركة المختلفة؛ إذ تعرض فنانون للاعتقال، وتعرضت معارض فنية للاقتحام والمصادرة. 

فالانقلاب الذي بدأ منذ يومه الأول بالحد من فضاء الحركة والتواصل عبر قطع شبكة الإنترنت والإتصالات، استمّر بعد ذلك في نهجه القمعي، فيما يخص الفنون.

لتقتحم قوة عسكرية، فجر 14 فبراير 2022،  الاستديو الخاص بالفنان، مازن حامد، وتعتقله هو والمغني الرئيسي لفرقة أصوات المدينة، حينها، محمد حامد. الاعتقال الذي جاء كمحاولة لتقييد ما يقدمه مازن من أغنيات تدعو إلى الحرية، وتعري السلطة العسكرية الحاكمة. 

استمر التعدي على الفنانين بإلغاء جهاز المخابرات لحفل الفنان محمد عبد الجليل، والذي كان من المقرر إقامته في 25 يونيو 2022، دون إبداء أي أسباب لهذا القرار. 

إيغال في التعدي

في أبريل من نفس العام، 2022، أقدمت قوة من الاستخبارات العسكرية على اعتقال فنان الجداريات أحمد الصادق (ميدو) والذي كان يدير حينها مشروع “فن قيد التطور” وهو مشروع يهتم بتعليم الفنانين الهواة أساسيات الرسم. تعرض ميدو لانتهاكات في محبسه الذي مكث فيه 55 يوماً.

لم تقتصر القصة على هذا، فبعد خروج (ميدو) من محبسه، شرع في تنظيم معرض فني، في أكتوبر 2022، حمل عنوان (معرض ميدو 55 يوماً) والذي تناول فيه تجربته في الاعتقال، علاوة على مواصلته في التوثيق للأحداث الثورية. لكن هذا المعرض أيضاً لم يسلم من أعين السلطة، حيث اقتحمت قوة ملثمة بزي مدني وما يزيد عن 10 سيارات المعرض المقام بالمعمل المدني، الخرطوم واعتقلت (المنسق المالي بالمعمل المدني) علم الدين إسماعيل مصطفى، ومجموعة أخرى من الفنانين، وزائري المعرض، بل حتى أن اللوحات تعرضت للاعتقال.

لماذا الفنون؟

لطالما حاربت السلطات الشمولية الفنون عبر تاريخ السودان، هذه المحاربة التي وصلت أوجها في سنوات نظام الإنقاذ، وما يحمله من مشروع عمل على تضييق المساحات الفنية والثقافية المتاحة. 

 

وبرغم ذلك عمل السودانيين والسودانيات؛ من مثقفين وفنانين على اختراق مساحات جديدة، عبر وسائل المقاومة الثقافية، و تحايلوا على شروط الدولة وسياساتها، عبر مبادرات فردية وجماعية، من أجل خلق فضاء ثقافي. على سبيل المثال (جماعة عمل) والتي نظمت معرض (مفروش) في ساحة أتنيه العامة بوسط الخرطوم، وتحايلت على رقابة السلطة بقدر المستطاع، من أجل توفير الكتب، وغيرها من الجماعات والانشطة الأخرى.

 

ومع ثورة ديسمبر، فإن البركان الذي كان يتخلق بالداخل عبر سنوات طوال، وجد مساحته للانفجار، واحتلال مساحات جديدة، لم تكن مطروقة.

 

بدأ استخدام الفن في البداية كوظيفة للتواصل والإعلان عن المواكب، وفي ظل قبضة أمنية، انتشرت الجداريات والكتابة على الجدران، ومن هنا بدأت الفنون التشكيلية خاصة، تشهد تصاعدها، والذي بلغ ذورته في اعتصام القيادة. لذا نجد أن أول فعل قامت به القوات العسكرية بعد فض الاعتصام، هو مسح الجداريات من جدران وحوائط محيط القيادة العامة.

 

ما أحدثته ثورة ديسمبر، فيما يخص الفنون، هو الانتصار لها، وفتح آفاق ومساحات جديدة، لطالما كانت مغلقة خلال سنوات نظام الإنقاذ الطويلة.  والذي عمل على التضييق على الفنون والثقافية، وتحجيمها بما يتوافق مع مشروعه الأيديولوجي، الأمر الذي أثر على كيفية تعاطي المجتمع مع الفنون، وجعل السلطة الاجتماعية في أحيان كثيرة تتضافر مع السلطة السياسية في عملية التهجم والاعتداء على المساحات الفنية. والآن، في ظل عسكرة كاملة للدولة، بعد انقلاب 25 أكتوبر، مع ذلك فإن الفنون ظلت في حالة مقاومة دائمة خلقت بها ثورة داخل ثورة، في رحلة تصديها لممارسات السلطة التي تعمل على وأدها.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدور