سياسات حكومية غير عادلة.. كيف أسهمت المبادرات الطبية في مساعدة السودانيين وسط انهيار المنظومة الصحية؟

منذ عدة سنوات، واختصاصي أمراض قلب الأطفال، باسط البشير، يحمل أدوات وأجهزة فحصه، متجولاً في أرجاء البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، في سعيٍ حثيث للتخفيف على آباء وأمهات صعوبة علاج أطفالهم، في ظل نظام صحي منهار، وخدماتٍ تزداد سوءاً كلما ابتعدت الجغرافيا من العاصمة. فينظم البشير عيادات الفحص المجانية، ويقدم الوصفات العلاجية، ويجري عملياتٍ جراحية، كل ذلك مع المراكز الصحية المحلية وشبكات التأمين الصحي.

وتأتي المبادرات المشتغلة على تيسير الخدمات الصحية، من أفراد وأجسام مجتمع مدني، في الأساس لتغطية عجز الدولة وعدم اهتمامها بالقطاعات الخدمية، وضعف صرفها عليها. هذه الوضعية الإشكالية، التي لطالما كانت مستمرة منذ الاستعمار البريطاني، حيث يتمركز تقديم الخدمات الصحية على المناطق الحضرية، ويستهدف في الأساس طبقة الموظفين. ومع ذلك، تقدم الفترات التي أعقبت استقلال البلاد مزيدا من الفهم للمتغيرات التي طرأت على القطاع الصحي.

تاريخ الخدمات الصحية

كانت فترة ما بعد الاستقلال امتداداً لهيكلة دولة وخدمة مدنية شكلها البريطانيون، ولم يكن القطاع الطبي استثناءً، حيث استمرت في تقديم الخدمات بنفس منوال التباين بين المناطق الحضرية والريفية. لكن هذه الوضعية تغيَرت في النصف الأول من حكم الرئيس المخلوع، جعفر نميري 1969-1985، حيث برز الاهتمام بتطوير الخدمات الصحية المقدمة في الريف، وانتشرت مرافق متنوعة، وانتظمت الزائرات الصحيات والقابلات الريفيات، ومشرفي البيئة وغيرهم في سبيل تقديم ما يعرف بالرعاية الطبية الأولية.

بداية التضعضع

لم تستمر الجهود المبذولة في تطوير القطاع الصحي طويلاً، إذ سرعان ما شهدت تراجعاً في النصف الأخير من السبعينيات، إثر تغيير سياسات الدولة، وتبني نميري سياسات يمينية، أدت إلى انسحاب الدولة من تمويل قطاع الخدمات الصحية، ومحاربة النقابات المدافعة عن العمال، الأمر الذي تسبب في نقص الكادر البشري، علاوة على تدهور المرافق الصحية، وبالتالي توفر الخدمات ونموها.

تجفيف المرافق الصحية

استمر تدهور الخدمات الصحية، ومع استيلاء نظام الإنقاذ على السلطة، فإنه عمد إلى اتخاذ إجراءات سياسية، بهدف السيطرة على المؤسسات الطبية المختلفة، الأمر الذي ظهر جلياً في تعيينات الموالين له، لكن برغم ذلك عمل نظام الإنقاذ على تطبيق خطته العشرية (1992-2002) والتي اعتمدت في الأساس على توصيات سمنار الإنقاذ الصحي في العام 1990، وأدخلت مفاهيم كان قد روج لها البنك الدولي لتطبيقها في الدول النامية، مثل مشاركة المواطن في تكلفة الخدمات وإدخال التأمين الصحي.

 لكن وسط سياسات حكومة الإنقاذ وعنفها الإيديولوجي، سرعان ما تمددت الحرب إلى إقليم دارفور في العام 2003 لتعيد الدولة زيادة مواردها المصروفة على القطاع الأمني، في حربها جنوباً وغرباً. لتشهد السنوات اللاحقة تدهوراً مريعاً في الخدمات الصحية، والذي وصل ذروته، إبان انقسام السودان إلى دولتين، في العام 2011، وتراجع موارد السودان الذي فقد دخله القومي من النفط، دون وجود بدائل أخرى تعتمد عليها الدولة. لتقوم برفع يدها من القطاع الصحي بشكل شبه كامل، بل عجلت بانهيار قطاع الخدمات عن طريق سياسات تجفيف المستشفيات والمرافق الصحية. 

تجفيف المستشفيات العامة

جفف مستشفى الخرطوم التعليمي والشعب والحوادث بمستشفى جعفر بن عوف للأطفال في الخرطوم، وتحول القطاع الصحي إلى سوق كبير بدخول قطاع المستشفيات الخاصة، التي تتطلب قدرات مالية هائلة من المواطنين في سبيل الحصول على الرعاية الصحية. كما تم تحرير أسعار الأدوية ضمن سياسات رفع الدعم في العام 2016، ليتحول نهار المرضى وذويهم إلى ليل ملئه الكوابيس، في ظل ظروف طاحنة تعبث بهم يومياً بشكل متوحش.

مبادرات مختلفة

في ظل ما كان يشهده السودان من تضعضع على جميع المستويات، إلا أن ذلك خلق حالة تضامنية على مستوياته القاعدية، بين الفاعلين والمبادرين أفراداً وجماعات، في سبيل التقليل على المواطنين من حدة ما يسببه تدهور قطاع الخدمات الصحية من مآس، فنجد أن مبادرة شارع الحوادث قد انطلقت في العام 2012 بحملاتٍ، كان هدفها في البداية هو التبرع بالدم من أجل الأطفال، لتتوسع بعدها إلى مبادرة لجمع دعم مادي من أجل مساعدة المرضى لعمل الفحوصات وشراء الأدوية وإجراء العمليات، ووجدت المبادرة استجابة كبيرة من القطاعات المختلفة في السودان، لتتحول لمبادرة تتواجد في كل ولاية من ولايات السودان. إلا أن مبادرة شارع الحوادث لم تظل حبيسة المساعدات فقط، حيث أنها افتتحت غرفة للعناية المركزة بمستشفى أمدرمان للأطفال 2015.

ما بعد الثورة

ساهمت الضائقة المعيشية بشكل كبير في اندلاع ثورة ديسمبر 2018، وكان السودانيون يستشرفون مستقبلاً مغايراً لحياة كريمة، من تعليمٍ وصحة. وعملت الأجسام المختلفة، في القطاع الصحي، من صيادلة وأطباء، على إبراز المشاكل التي يواجهها هذا القطاع الحيوي. لكن مع تعثر حكومة الفترة الانتقالية وتوجهها المستند على سياسات البنك الدولي وتحرير الخدمات، ولاحقاً مع المصاعب السياسية التي واجهتها، فإن الأوضاع لم تبرح مكانها.

 

وظهر تهالك النظام الصحي في السودان بشكل سافر خلال جائحة كورونا، حيث أن  الحكومة الانتقالية ورثت نظام منهار في الأساس، لم يكن يصرف سوى 6% من الموازنة العامة على القطاع الصحي، وداخلياً كان يعاني من صراعات في الاحتكار والسيطرة على المرافق الصحية واستيراد الأدوية.

لم تلق الأوضاع السيئة بظلالها على المواطنين فقط، بل إن العاملين في الحقل الطبي أنفسهم يعيشون أوضاعاً مأساوية، بسبب العمل في مستشفيات تفتقر إلى أدنى المقومات المطلوبة لتقديم الخدمات، علاوة على ضعف الرواتب وطول ساعات العمل. 

 

ونجد أنه على اختلاف الحكومات المتعاقبة في السودان، فإن التعامل الجاد مع الأجندة المتعلقة بالحقوق والرعاية الصحية للمواطنين والمواطنات لطالما كان غائباً  عن مخيال الساسة، وفي حالة حضوره كان يزج به في معارك من أجل التكسب السياسي. هذه الوضعية التي خلقت نظاماً صحياً متهالكاً، ولا يتوافق مع الزيادة السكانية والتوزيع الجغرافي في البلاد. 

وتجدر الإشارة إلى أن الصرف على القطاع الصحي هو الأكثر تدنياً في ميزانية الدولة السودانية منذ عقود، وفي وسط كل هذا الاضطراب والحيرة، برزت المبادرات الصحية والطبية، من أفراد ومجموعات مختلفة، منها ما يبذله الطبيب باسط البشير ومبادرات شارع الحوادث في الولايات المختلفة، وغيرها من عشرات المبادرات، في سبيل  سد الفجوة الكبيرة ما بين نظام متهالك، واحتياجات شعب يرزح تحت الفقر والعوز، ويواجه معاركاً يومية، من أجل الاستشفاء والحصول على أبسط أنواع الرعاية الصحية.

مشاركة التقرير

Share on faceboo