على مفترق طرق.. البرهان وحميدتي يخوضان معركة إعادة الدعم السريع إلى (رحم الجيش)

لم يكن محمد حمدان دقلو المعروف بـ(حميدتي) حتى عام 2008 سوى قائد مليشيا مغمور، يطالب الدولة بمنحه وقواته رتباً عسكرية أسوة بالحركات المسلحة، مقابل ما يسديه من خدمات عسكرية وأمنية للحكومة في إقليم دارفور غربي البلاد، لكنه اليوم في محل سلطة ونفوذ مكنّاه من الحديث عن ضرورة إجراء “إصلاحات عميقة” في الجيش السوداني، كما أنه يقرر مع جنرالاته على حد سواء مصير البلاد برمتها.   

 

من قلب الأحراش في دارفور عام 2008 وسط قواته وعربات دفع رباعي، منصوبة عليها رشاشات الدوشكا، أرسل حميدتي المولود في عام 1975 حسب ما يعتقد، رسالته. ولم تمر سوى سنوات معدودة على مطالبه تلك بالتمكين العسكري، السياسي والاقتصادي، حتى تم تعيينه مستشاراً في حكومة ولاية جنوب دارفور ليتم في عام 2013 تدريبه وضمه إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني، حتى وصوله إلى منصبي نائب رئيس المجلس العسكري ورأس الدولة في عام 2019، في أعقاب الإطاحة بالرئيس المخلوع عمر البشير.

 

بالنسبة لغير المطلع على السيرة الذاتية لقائدي السلطة العسكرية الحاكمة، قد ينظر إلى التناقضات الماثلة بدهشة. فبعد نحو أربع سنوات فقط على مولد (حميدتي) في مكان غير معين على وجه التحديد، كان قائد الجيش الحالي عبد الفتاح البرهان المولود في عام 1960 بولاية نهر النيل شمالي البلاد، قد التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها ضابطاً برتبة ملازم في عام 1982 كان وقتها نائبه الحالي لديه من العمر حوالي 7 سنوات في سن التمدرس تماماً. 

 

لكن الفوارق العمرية والمهنية الجوهرية تلاشت بدايةً من عام 2019، بين التلميذ الذي كان يتهيأ لدخول المدرسة وضابط الجيش المتخرج حديثاً حينها. بينما كان البرهان مفتشاً عاماً للجيش برتبة فريق أول ركن قبيل سقوط البشير، ماثله حميدتي في الرتبة العسكرية في 13 أبريل 2019، عندما ظهر وهو برتبة فريق أول تزامناً مع توليه منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي المحلول، الذي استولى على السلطة بعد إطاحة البشير.  

 

ومنذ ذلك اليوم، حجز (حميدتي) مقعده في السلطة، لا يعلوه في الوظيفة من دون جنرالات الجيش السوداني والعسكريين قاطبة، سوى البرهان، لكن مع بقائه أربع سنوات في سدة الحكم وتنفذه، وجريان السلطة والمال بين يديه، لم يعد البرهان يمثل سقفاً له. ومن هنا، وبجانب حنق جنرالات الجيش منه وقضايا جيوسياسية واختلاف خريطة التحالفات الداخلية والخارجية، بدأت المعركة بينهما إلى أن وصلت أوجها عند نقطة الدمج.

 

والدمج، دمج الدعم السريع في الجيش، هو المعركة الماثلة والتي أثارها قادة الجيش تباعاً للمرة الأولى منذ أربع سنوات، بعدما كانوا يقولون إن الدعم السريع خرج من رحم الجيش، أي أنه كما يفهم من حديثهم وقتها، فإنه لا حاجة لفعل شيء بالخصوص.  

 

وضعية (حميدتي) التي يتمتع بها داخل المنظومة العسكرية والسياسية منحته استقلالية اقتصادية وعسكرية وإدارة مستقلة للعلاقات الخارجية. كما لعب دوراً محورياً في الفضاء السياسي، استهله بتزعم مفاوضات السلام مع الحركات المسلحة، وترؤس اللجنة الاقتصادية في فترة الحكومة الانتقالية أغسطس 2019 – أكتوبر 2021. بالإضافة إلى حفاظه على موقعه في قيادة الدعم السريع وينوب عنه شقيقه عبد الرحيم دقلو. مكنه النفوذ والعلاقة الراسخة مع البرهان في تلك الفترة، من توسيع قواته وإنشاء قطاعات لها في كل ولايات البلاد. وكان البرهان وقتها يقول، إن الجيش والدعم السريع شيء واحد، لكنه اليوم يتحدث عن دمجه وفق جداول زمنية لا تتعد السنوات الثلاث في حدها الأقصى.

صعود حميدتي

مع نهايات الحرب في إقليم دارفور، تمكنت قوات الدعم السريع التي يقودها (حميدتي) من سحق قوات حركة العدل والمساواة المسلحة في منطقة (قوز دنقو) بولاية جنوب دارفور. وسرعان ما استقل الرئيس المخلوع ووزير دفاعه السابق عبد الرحيم محمد حسين، الطائرة وذهبا إلى هناك لتهنئته، حيث طافا ميدان المعركة في عربة مكشوفة بمعية حميدتي، ومنها صار كنز البشير في تحصين حكمه من مطامع قادة الجيش والانتفاضات الشعبية.  

 

في تلك الأثناء كانت قد بدأت التوترات بين الحكومة والزعيم الأهلي المسلح، موسى هلال، في خضم تلك التوترات تم القبض على هلال في معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور في عام 2017 بالتزامن مع صعود نجم غريمه حميدتي الذي أصبح مقرباً من الرئيس المخلوع عمر البشير. 

ليأتي شهر يناير من عام 2017 حاملاً معه مفاجآته بإجازة قانون قوات الدعم السريع وإسناد قيادتها لحميدتي بعد ترقيته إلى رتبة فريق، فيما نص قانونها على أن تكون تحت إمرة رئيس الجمهورية وليس وزارة الدفاع. 

ومع ذلك، أجيز القانون وسط اعتراضات من بعض قادة الجيش ووزير الدفاع الأسبق عوض بن عوف، ورئيس المجلس العسكري في الفترة بين يومي 11 و12 أبريل 2019، ليصبح مسؤولاً فقط لدى الرئيس المخلوع.  

بين عامي 2013 و2019، تدرج حميدتي في الرتب العسكرية بشكل غير مسبوق من رتبة عميد إلى لواء، إلى فريق إلى فريق أول، كما تمكن من إحكام قبضته على تجارة الذهب في البلاد عبر شركة الجنيد التي يديرها أشقاوه حالياً وغيرها من الواجهات، وكانت مناجم الذهب والصراع حولها في دارفور من بين أسباب خلافه مع الزعيم الأهلي موسى هلال الذي انتهى به الأمر سجيناً إلى أن أطلق سراحه في أعقاب الثورة.

أبواب جديدة

مع بدء الحرب السعودية في اليمن عام 2015، فتحت أبواب جديدة أمام حميدتي، حيث أصبح يفوج الآلاف من قواته إلى هناك للمشاركة في الحرب، حينها ترسخت علاقاته مع كل من الرياض وأبوظبي، ما فتح الطريق أمامه لتشكيل نواة علاقات جيدة مع قادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، ومراكمة المزيد من الأموال من فائض الحرب، بجانب الذهب. 

وفي هذا السياق، سياق صعوده، تمر الأيام سريعاً، وصولاً إلى اندلاع ثورة ديسمبر 2018، حينها كانت قد توطدت علاقاته مع الرئيس المخلوع، وعدد من المقربين منه في الأجهزة الأمنية. لكن، مع اشتداد عصف الثورة بالنظام المخلوع، وبينما كان يتوقع البشير من جميع قواته تخليصه من كابوس التظاهرات، ظهر حميدتي في يناير 2019، أمام الآلاف من قواته جنوب العاصمة السودانية الخرطوم موجهاً انتقادات حادة لسياسات الحكومة، وفي 6 أبريل 2019 كانت المئات من المركبات العسكرية التابعة لقواته ترابط في محيط القيادة العامة للجيش، ليدشن بعد أيام معدودة وجوده في السلطة، جنباً إلى جنب مع قادة الجيش.

انقلاب 25 أكتوبر

في أعقاب استيلائه على السلطة، مرت أيام المجلس العسكري سريعاً، بما في ذلك ارتكابه مجزرة فض الاعتصام وصولاً إلى الوثيقة الدستورية وبداية الفترة الانتقالية والتي انتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021 ليبدأ الفصل الرئيس من الصراع والتنافس بينه وبين البرهان في كيفية إدارة السلطة الانقلابية الوليدة، الأمر الذي قاد إلى توتر العلاقة بينهما على نار هادئة، في خضم ضغوط كبيرة بدأ يواجهها البرهان من قادة الجيش، متعلقة بتنامي نفوذ حميدتي، بما في ذلك المحاولة الانقلابية في 21  سبتمبر 2021، والمقاومة الشعبية الشرسة لانقلابه من جهة أخرى، وتعقد المشهد بالنزاعات الأهلية الدامية والضغوط الدولية.        

ومع ذلك، غمر البرهان مشهد الانقلاب بظهوره وحيداً في المنابر، حيث انتظر حميدتي لنحو أسبوعين ليدلي ببيان مصور أيد فيه الانقلاب بشكل باهت، قبل أن يعود وينزوي عن المشهد، مقابل عودة لافتة لقادة النظام المخلوع لأجهزة الدولة، ومع ذلك في فبراير 2022 بدآ كل على حدة جولات خارجية كانت أبوظبي محطة مشتركة، بينهما، قبل أن يتوجه حميدتي إلى إثيوبيا، وأقصى الشرق ليزور موسكو مع بداية غزوها لأوكرانيا. 

والصراع بين البرهان وحميدتي، ظهر في السطح بعدما غادر الأخير إلى إقليم دارفور في يونيو الماضي، فيما بدا أنه اعتراض على توجيه البرهان للدولة منفرداً في أعقاب الانقلاب. كان البرهان في الخرطوم، يصدر قراراً جديداً أعلن فيه انسحاب المؤسسة العسكرية من العملية السياسية، وعاقداً العزم على تشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة، سرعان ما أبدى حميدتي اعتراضات غير مباشرة عليه. 

في أعقاب إعلان البرهان، خروج المؤسسة العسكرية من العملية السياسية، بدأت حرب المبادرات في أوساط القوى السياسية، لتخرج مبادرة (نداء أهل السودان) المحسوبة على النظام المخلوع، مقابل مبادرة اللجنة التسيرية لنقابة المحامين السودانيين التي طرحت مشروع دستور انتقالي، سرعان ما أيدها حميدتي في مؤتمر صحفي في الأول من أغسطس الماضي في أعقاب عودته من إقليم دارفور، على رغم من قوله بأنه لم يطلع عليها بعد، حينذاك. 

استمر الجدل بين القوى السياسية من جهة والجيش والدعم السريع من جهة ثانية والقوى المسلحة من جهة ثالثة، إلى حين توقيع الاتفاق الإطاري في ديسمبر الماضي، ليبدأ فصل جديد من التنازع بين الأطراف كافة، لكنه سرعان ما أصبح صراعاً  حامياً بين أطراف السلطة العسكرية، وصل إلى حد الملاسنات المباشرة والتحديات العلنية. 

ومثل الموقف من الاتفاق الإطاري وملفات جيوسياسية ترتبط بالحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، ودمج الدعم السريع في الجيش أخيراً والتنافس المباشر على مستقبل العملية السياسية بين البرهان وحميدتي وخريطة التحالفات الداخلية والخارجية المتناقضة، لحظة الصراع الحرجة التي حبست أنفاس السودانيين مع تصاعد احتمالية نشوب صراع مسلح بين الجيش والدعم السريع.   

الإصلاح العسكري بالنسبة للجيش والدعم السريع؟

عاد الصراع حول الحاضر والمستقبل ليحتدم مرة أخرى، في ورشة الإصلاح العسكري والأمني المستندة على الاتفاق الإطاري. لكن العملية السياسية التي بدأت بتوقيع الاتفاق الإطاري كانت قد رسخت قضية دمج الدعم السريع في الجيش التي لم تعد محل نقاش، لكن مفهوم وتصورات الدمج بالنسبة للجيش والدعم السريع هي لب المعركة الحالية.   

        

 “انسحاب المؤسسة العسكرية من السياسة، ضروري لإقامة نظام ديمقرا