أطفال السودان… ظروف مميتة وحرمان من التعليم، كيف تتسع الهوة كلما دلفنا إلى الريف؟

تعطي حالة تسمم عشرات التلميذات والتلاميذ في أقصى إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد مثالاً واضحاً ومتكرراَ للفوارق التنموية، كلما خرجت من العاصمة السودانية الخرطوم، ويممت وجهك إلى أي إقليم آخر ناءٍ، أو حتى قريب، مثل الجزيرة أو نهر النيل. 

مثال تسمم أكثر من 50 تلميذة وتلميذ في قرية سمسور بمحافظة باو (إقليم النيل الأزرق) في الثالث عشر من مارس الماضي، نتيجة تناولهم عقار طبي وصف لهم خطأً، ونقلهم على إثره إلى مستشفى الدمازين، يحدث مراراً وتكراراً حتى في أطراف العاصمة التي فر إليها الملايين من جحيم الحروب والفقر.

وحادثة سمسور التي كادت تودي بحياة عشرات الأطفال، ليست حادثة معزولة يتجلى فيها سوء الاهتمام بما يحدث داخل المؤسسات التعليمية بخاصة المدارس، وإنما تمتد القضية إلى بنية التعليم في مناطق وأرياف السودان المختلفة والتي ترتبط في الأساس بغياب الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.

غياب الدولة المنهجي في أطراف البلاد كان قد تجسد بشكل واضح في حادثة وفاة 24 طفلاً في أغسطس من عام 2018 في منطقة المناصير بولاية نهر النيل شمالي السودان، بعدما غرقت المركب المتهالكة التي كانت تقلهم إلى المدرسة. حيث أنهم في العادة يقطعون المسافة سيراً على الأقدام، ولكن مع دخول فصل الخريف اضطروا لاستخدام القوارب نسبة للفيضانات التي غمرت المنطقة. وغرباً، نشهد بصورة تكاد تكون سنوية،  تعرض الطلاب في مراحل مختلفة وخاصة الشهادة السودانية في دارفور لحوادث سير تودي بحياتهم، وهم في طريقهم إلى مراكز الامتحانات بعواصم الإقليم، وتسببت آخر تلك الحوادث في وفاة 7 طلاب فيما تعرض 12 آخرين لجروح جراء انقلاب الحافلة التي كانت تقلهم.

أوضاع قاسية

أوضاع التعليم والأطفال خاصةً، تصل إلى ذروة الخطر، فبحسب تقرير لمنظمة (اليونيسيف) في سبتمبر 2022، فإن هناك ما يقدر بحوالي 6.9 مليون طفل وطفلة من هم خارج الحقل التعليمي في السودان، أي ما يعادل وجود طفل من ضمن كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة لا يتلقون تعليماً مدرسياً. ويشير التقرير إلى أن دراسة 12 مليون طفل ستتعرض للانقطاع، نسبة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها السودان، والتي ستتسبب في نقص المعلمين وتدهور البنية التحتية للتعليم.

فوارق تنموية… فوارق تعليمية

 

 تتمظهر هذه الفوارق الجوهرية والتأثيرات البنيوية بصورة أكبر وأعنف في أطراف وأرياف السودان التي تشهد نزاعات أو تهميش اقتصادي وفوارق تنموية. فضلاً عن إهمال الدولة، دمرت الحروبات المتواترة غالبية المؤسسات والمنشآت التعليمية، كما شردت الملايين من مناطقهم الأصلية إلى مخيمات نزوح ومدن جديدة لا توفر لهم أدنى مقومات الحياة اليومية، مما يضطر آلاف الأسر للانخراط  كلياً في السعي إلى توفير متطلبات الحياة اليومية من طعامٍ ومياه. 

وفي ظل هذه الظروف القاسية، سواء في أطراف الخرطوم أو أقاليم أخرى مثل شرق السودان، حيث تضطر عائلات كثيرة في المناطق النائية والفقيرة هناك، لإرسال أبنائها لجلب مياه الشرب بدلاً عن إرسالهم إلى المدارس، إذ تستغرق في العادة هذه الرحلة ما بين 4 إلى 10 ساعات يومياً، في حال استقلال الحمير والإبل. حيث في هذه الحال، في ظل سعي مستمر لتوفير أساسيات الحياة، يصبح تحقيق التعليم نوعاً من الاستحالة.

آثار مدمرة

لا يقتصر ما يحدثه غياب التعليم، في أرياف ومناطق السودان المهمشة بصورة خاصة، على حرمان الأطفال من حقهم الدستوري والإنساني وزيادة نسبة الأطفال غير المتعلمين فحسب، بل تمتد آثاره لتشمل تعرض الأطفال للاستغلال والانتهاك في أماكن العمل التي يضطرون للالتحاق بها، علاوة على تعزيز الفوارق التنموية بين المدينة والريف عبر الخلل في معادلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة خلق دائرة مفرغة من الحروب والفقر.

الحرب والفقر

وتدهور التعليم، خارج الخرطوم عامةً وفي أطراف السودان خاصةً، له صلة وثيقة بما تعيشه تلك المجتمعات تحت وطأة الحروب والفقر المدقع. وفق دراسة (اليونيسيف) يتمركز جل الأطفال المحرومين من التعليم في إقليم دارفور الذي يعاني من تبعات حرب أهلية وصراعات قبلية، الأمر الذي تسبب في نزوح الملايين واستيطانهم في مخيمات النزوح داخل السودان، واللجوء إلى دول أخرى. ومع فقد الكثير من الأسر لوسائل وأدوات كسب رزقهم، إضافة إلى أفراد أسرهم المعيلين، فإن الأطفال أنفسهم دخلوا ضمن سلسلة لا متناهية من العمل وامتهان مهن هامشية وشاقة، سعياً لتوفير لقمة العيش.

وفي المناطق التي لا تشهد حروباً أو نزاعات، لكنها مهمشة تنموياً، مثل شرق السودان، فإن غالبية سكانه يرزحون تحت طائلة الفقر المدقع، وسط انهيار كامل لقطاع الخدمات، مما يجعل السكان موزعين على مناطق نائية، لا توفر أدنى فرصة لتوفير مساحة للتفكير في التعليم كضرورة.

تعليم الرحل

في ظل سياسات حكومية غير مكترثة كثيراً تجاه التعليم العادل، فإن القضية تكاد تمس كل الشرائح المختلفة في السودان، ومن ضمنهم الرحل، الذين يمثلون شريحة كبيرة من السكان. فبحسب تعداد العام 2008، بلغت نسبتهم 1.7% من جملة السكان، ولهم دور اقتصادي كبير ضمن الناتج القومي في السودان، والذي بلغ في العام 2007 حوالي 15.4%. لكن برغم ذلك، فإن الرحل يعانون من صعوبات جمة في مسائل التعليم، نسبة لطبيعة أنشطتهم الحياتية القائمة على الترحال وعدم مقدرة الدولة في الإيفاء بالالتزام اتجاههم.

غياب الدولة

يتجسد غياب الدولة في تدني الموازنة السنوية المخصصة للتعليم وعدم استعداد في كل المجالات من تهيئة بيئة مدرسية وإعداد معلمين بل حتى ايجاد مدارس بديلة لتلك التي دمرتها الحروب في أقاليم: جنوب كردفان، النيل الأزرق ودارفور.

وفي خضم هذه المأساة، أصبح السودان يحمل أعلى نسبة للأطفال خارج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، وهي ما تعادل ثلث نسبة العدد الإجمالي من الأطفال. كما أن التحدي الماثل لا يكمن فقط في إلحاق هؤلاء الأطفال بالتعليم، ولكن في توفير مساحات لمواصلة رحلتهم، حيث يتسرب معظم الأطفال من المدارس قبل إكمال المرحلة الابتدائية. ومع ذلك، نجد غياب دور الدولة وتقشفها في الصرف على التعليم، قد ازداد بعد انقسام السودان، ليتحول التعليم لمجال استثمار وسلعة غالية وغير متاحة لعامة السودانيين، الأمر الذي تضاعف برفع الدولة يدها بشكل شبه كامل عن التعليم، خاصة في الريف ومناطق النزاع والحروب والضعف التنموي، ليصير الحصول على التعليم  نشاط تحفه المخاطر القاتلة، في ظل بنية تحتية متهالكة وفقر بنيوي يحيط بالأطفال ويرسم مستقبلاً ضبابي لمصائرهم.

مشاركة التقرير

Share on facebook