Day: November 8, 2025

أنيس منصور.. كيف قادت حسابات تُدار من عُمان واليمن أنشطةً رقميةً مريبةً بشأن السودان؟

في الخامس عشر من أكتوبر 2025، أعاد وزير الإعلام السوداني خالد علي الإعيسر، نشر صور على حسابه الشخصيّ على «فيسبوك»، توثق استقباله الصحفي اليمني أنيس منصور، في ما بدا أنه مكتب الوزير في بورتسودان، استنادًا إلى منشور سابق على أحد حسابات منصور، وصف فيه الإعيسر بـ«السوخوي نبراس الإعلام العربي»، في حين علّق الإعيسر على منشور ضيفه، والصور التي وثقت استقباله الدافئ له، وسط الابتسامات والأحضان، بالقول «كنت صوتًا شريفًا إلى جانب شعبنا، وها أنت اليوم تُشرفنا بزيارتك. أهلًا وسهلًا بك في بلدك».

أتت هذه الزيارة، التي وثق فيها الصحفي اليمني تحركاته داخل السودان حتى العاصمة الخرطوم، بينما يعمل «مرصد بيم» على تحليل مفصّل لمحتوى حسابات على منصتي «فيسبوك» و«إكس» تحمل اسم «أنيس منصور». وعمل فريق المرصد على رصد حساباته والتحقق من محتواها، على نحو راتب، ضمن نشاط المرصد في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي والتحقق من الأنشطة المريبة والمعلومات المضللة المتداولة بشأن الوضع في السودان.

فمن هو أنيس منصور؟ ولماذا يهتم بنشر محتوى داعم للحكومة السودانية؟ وما مدى صحة المعلومات التي ينشرها؟

أنيس منصور: من اليمن عن السودان 

أنيس منصور صحفي يمني، المعلومات المتداولة عنه تشير إلى أنه بدأ مشواره المهني محررًا في صحيفة «الفرسان» اليمنية، ثم عمل في صحيفة «أخبار اليوم» وعدد من المواقع الإخبارية، مثل «مأرب برس»، كما عمل مراسلًا لقناة «السعيدة». 

أسّس أنيس منصور مركز «هنا عدن» ويرأس تحرير صحيفته. وواجَهَ انتقادات حادة من جهات مهنية، أبرزها نقابة الصحفيين اليمنيين التي قررت في العام 2022، تجميد عضويته، بعد اتهامه بـ«نشر أكاذيب، وخروقات مهنية» ما دفع الاتحاد الدولي للصحفيين إلى تعليق عضويته بدعوى انتهاكه القيم الأخلاقية والمهنية. واتُّهم منصور كذلك بإدارة «حسابات وهمية» على مواقع التواصل لاستهداف خصومه ونشر محتوى مثير للجدل.

لاحظ فريق المرصد نشاطًا متصاعدًا في حسابات أنيس منصور منذ مارس 2024 في تناول الأوضاع في السودان، على كلٍّ من «فيسبوك» و«إكس»، إلى جانب نشاطه في متابعة التطورات في اليمن وبلدان أخرى في الشرق الأوسط، لكن ما دفع الفريق إلى البحث في الحساب هو التناول أحادي الجانب للشأن السوداني، هذا بالإضافة للتضليل الواضح لمصلحة الجيش السوداني بمحتوى يُضخّم عبر العديد من الحسابات. وأبرز توجهات الحساب التي رصدها فريق المرصد:

  1. دعم الجيش السوداني من خلال تضخيم المحتوى وتكثيف النشر.
  2. نشر محتوى مضلل يدعم الجيش السوداني.
  3. نشر محتوى مضلل ضد «الدعم السريع».
  4. مهاجمة دولة الإمارات.
  5. الوقوف ضد التفاوض وأيّ حل سلمي لإنهاء الحرب.

 

يدعم أنيس منصور الجيش السوداني بوضوح، وقد صرّح بذلك عبر مقطع فيديو نشره على منصة «إكس»، قال فيه إن «الجيش السوداني يمثل كل العرب». وتنشر حسابات منصور على منصتي «فيسبوك» و«إكس»، بانتظام، منشورات تدعم القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وتحاول تصويره قائدًا ميدانيًا لا يفارق الصفوف الأمامية، ويعيش بين أفراد الجيش والشعب، يشاركهم الشاي والطعام، ووصفه بأنه «صامد يرفض المساومة والتنازل». 

كما تدعم حسابات منصور القوات المساندة للجيش، مثل «درع السودان» و كتيبة «البراء بن مالك». وحينما أجرى وزراء الخارجية في دول «الآلية الرباعية» (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات)، في 12 سبتمبر الماضي، مشاورات مكثفة، بدعوة من واشنطن، أفضت إلى التزام بمجموعة من المبادئ، بالإضافة إلى جدول زمني لإنهاء الصراع في السودان – نشر حساب أنيس منصور على «فيسبوك» منشورًا يتضمن صورًا لقادة من «درع السودان» و«كتيبة البراء بن مالك» والقوات المشتركة، إلى جانب ضابط رفيع من الجيش السوداني، وكتَبَ تعليقًا –مع المنشور– بأنّ هؤلاء هم «الرباعية الوحيدة التي يعرفها السودان»، في إشارة إلى عدم الاعتراف بمخرجات «الرباعية» الداعية إلى وقف الحرب.

 

وتهاجم حسابات أنيس منصور على «إكس» و«فيسبوك» دولة الإمارات بصورة واضحة ومنتظمة، في منشوراتها، وتتهمها بالضلوع في حرب السودان والتسبب في قتل السودانيين. كما تتطرق الحسابات إلى نهب دولة الإمارات الثروات من كلٍّ من السودان واليمن، لا سيما المعادن مثل الذهب، وهو ادعاء ليس مضللًا بالضرورة في السياق السوداني، ولكن حسابات منصور تنشره ضمن توجهات أوسع تسعى إلى ترويجها على نطاق واسع.

وإلى جانب حسابات أنيس منصور الرسمية، رصد فريق المرصد حسابًا آخر باسم «الصحفي أنيس منصور احتياط  (الصبيحي)»، يدعم التوجهات نفسها، فيما يشارك الحساب الرسمي لـ«أنيس منصور» على «فيسبوك» محتوى الحساب الاحتياطي، لضمان انتشاره. وأنشئ الحساب الاحتياطي في يوليو 2022، ويُدار من السودان وسلطنة عُمان.

وتعمل الحسابات الثلاثة، بتنسيقٍ عالٍ، في المحتوى وتوقيت النشر، لكن حساب «الصحفي أنيس منصور احتياط  (الصبيحي)» ينشر محتوى عن السودان أكثر كثافة، مقارنةً بحسابات أنيس منصور الرسمية.

لاحظ فريق المرصد أيضًا أن أنيس منصور يقف ضد التفاوض بصورة واضحة وضد أيّ جهود دبلوماسية لإنهاء الصراع في السودان؛ إذ نشر على حسابه الرسمي، في سبتمبر الماضي، مقطعًا مصوّرًا، حذّر فيه السودانيين من الوقوع في فخ «الرباعية» وحثّهم على تجاهل دعوات السلام التي قال إنها تصدر كلما تراجع الموقف الميداني لـ«الدعم السريع»، لمنع «الحسم العسكري» حسب قوله، داعيًا إلى مواصلة القتال حتى انتصار الجيش.

محتوى مضلل لدعم التوجهات:

تبنت الحسابات التي تحمل اسم أنيس منصور، بوضوح، موقفًا داعمًا للجيش السوداني والقوى المساندة له. في وقت ناصبت فيه العداء لقوات الدعم السريع، واستخدمت محتوى مضللًا لدعم توجهاتها. 

وعلى سبيل المثال، نشر حساب «الصحفي أنيس منصور احتياط  (الصبيحي)» صورتين تُظهران حريقًا وحطامًا في منطقة يبدو أنها تعرضت للقصف، مدعيًا أنهما توثقان «ضربات عنيفة وموجّهة ودقيقة جدًا» شنّها الجيش السوداني على مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور غربي السودان، ومقر الحكومة التي أعلن عنها تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع». وبعد أن فحص «مرصد بيم» الصورتين المتداولتين مع الادعاء، تبيّن أنهما مولّدتان بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك لقي الادعاء تفاعلًا عاليًا من المتلقين.

ولدعم توجهاته المناوئة لـ«الدعم السريع»، نشر الحساب الرسمي لأنيس منصور على «فيسبوك» مقطع فيديو، في يوم 27 يناير 2025، زاعمًا أنه يوثق هروب عناصر «الدعم السريع» من الخرطوم، مهزومين وبحوزتهم أغراض مسروقة من المواطنين. وبالبحث العكسي عن مقطع الفيديو في ذلك الوقت، توصّل فريق المرصد إلى أنه قديم، نُشر في منتصف يناير، من دون توضيح للسياق أو ما يؤكد ارتباطه بهروب عناصر «الدعم السريع» من الخرطوم.

ويتضمن المحتوى المضلل الذي تنشره حسابات أنيس منصور خطاب الكراهية، إذ نشر مثلًا، في 24 يوليو 2025، صورةً لبيتٍ من القش ذي بابٍ حديدي —وهو نمط بناءٍ مألوف في ريف السودان— زاعمًا أنّه لأحد عناصر «الدعم السريع» وأنّ الباب سُرق من الخرطوم. ويُبرز هذا المنشور تحديدًا نظرة نمطية تجاه بيوت دارفور، توحي ضمنيًا بأنّها تُشيّد من القش وبلا أبوابٍ حديدية، وأنّ وجود بابٍ معدني في أحدها دليلٌ على السرقة. وعدّ الحساب ذلك «تطورًا» في حياة من وصفهم بـ«الجنجويد»، دون أنّ يشير إلى أيّ معلومات موثوق بها أو أدلةٍ تثبت هوية صاحب البيت أو مصدر الباب الظاهر في الصورة.

حسابات موالية:

إلى جانب حساباته الشخصية على «فيسبوك»، لاحظ «مرصد بيم» أيضًا أنّ حسابات ومجموعات أخرى تنُشر المحتوى الذي يقدمه أنيس منصور، على نحو منسق مع الحساب الرسمي. فعندما نشر حسابه في الساعة الواحدة بعد منتصف ليل الثاني من يوليو الماضي، مزاعم عن تدمير منظومة دفاع جوي إماراتية في نيالا (جنوب دارفور) بطائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، لحِقته صفحة على «فيسبوك» باسم «السعادة» ونشرت المحتوى نفسه في الساعة السادسة صباحًا ونسبته إلى أنيس منصور. 

كما لاحظ فريق المرصد أنّ صفحة «السعادة» تنشر، بانتظام، محتوى حساب منصور، لضمان انتشاره وسط جمهورها البالغ عددهم 173 ألف متابع، إلى جانب حساب «الصحفي أنيس منصور احتياط  (الصبيحي)» الذي يُعيد، إلى جانب إنتاجه محتوى يدعم توجهات حسابه الرسمي، نشر محتواه المتعلق بشأن السودان، على نحو منتظم.

ولاحظ فريق المرصد كذلك نشاط صفحة أخرى باسم «محطات متحركة»، يتابعها نحو 200 ألف متابع، أُنشئت أيضًا في يوليو 2022، وتُدار من العاصمة السعودية الرياض. وتنشر الصفحة محتوى عن التطورات في السودان، إلى جانب تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط. ومن الملاحظ نشاطها في نشر محتوى داعم للجيش السوداني عمومًا. وظهر ارتباطها بأنيس منصور، جليًا، عند نشرها محتوى حسابه، خاصةً المنشورات المناوئة لدولة الإمارات. وتعتمد الوسوم التي يستخدمها الحساب بانتظام، مثل وسم «#الامارات_تقتل_السودانيين‬⁩».

كما لاحظ فريق المرصد نشاط حساب آخر باسم «أحمد سينا» يشارك، بانتظام، محتوى حسابات أنيس منصور بشأن السودان في مجموعات على «فيسبوك»، لضمان انتشاره. وبالفحص، تبيّن أن الحساب لا ينشر محتوى خاصًا به، بل يعيد نشر محتوى حساب أنيس منصور وحسابات أخرى في مجموعات أكبر.

ومن ضمن ملاحظات فريق المرصد أيضًا أن الحسابات الموالية لحساب أنيس منصور لا تعيد نشر كل محتواه، ما جعل الكشف عن آلية التضخيم أكثر تعقيدًا؛ إذ تنشر بعض الحسابات منشورات أنيس منصور في «مجموعات» على «فيسبوك»، بينما تقود حسابات أخرى عملية النشر في الجولة التالية. 

وعلى سبيل المثال، حين نشر حساب أنيس منصور منشورًا عن تورط الإمارات في تمويل حملة علاقات عامة بهدف تلميع نفسها وطمس أدوارها في قتل السودانيين وحصارهم وتشريدهم، شارك حساب «Omar Shikh» المنشور في عدد كبير من المجموعات العامة على «فيسبوك». وفي منشور آخر عن القائد العام للجيش السوداني نشره حساب أنيس منصور، لاحظ فريق المرصد أن حسابًا باسم «نور الهدى خالد» أعاد نشر المحتوى في «مجموعات» كبيرة على «فيسبوك». والقاسم المشترك بين هذه الحسابات هو أنها مغلقة وتعيد نشر محتوى أنيس منصور ومحتوى مشابه له في مجموعات على «فيسبوك».

يكشف هذا التقرير عن الدور المحوري الذي تضطلع به حسابات أنيس منصور، في نشر معلومات مضللة ومحتوى موجّه بشأن السودان، وكيف يسعى من خلال المحتوى المضلل إلى تلميع صورة الجيش والتضليل لمصلحته، مستندًا إلى شبكة من الحسابات الموالية التي تعمل على إعادة نشر محتواه وتضخيمه على نحو ممنهج. هذا النمط من التأثير الإعلامي يطرح تساؤلات جدية بشأن استخدام النفوذ الرقمي في توجيه الرأي العام والتأثير في فهم الجمهور للأحداث، لا سيما في سياق أزمات حساسة ومعقدة كالتي يمر بها السودان. إن مواجهة هذا النوع من التضليل تتطلب استجابة جماعية تتضمن التحقق من المعلومات.

حسابات أنيس منصور وأبرز الحسابات المساندة: