توزيع الأراضي في تشاد: السلطة التقليدية في مواجهة سلطة الدولة
مطلع ديسمبر الماضي، أصدر السلطان مبانغ أجي وولي — بصفته نائبًا لرئيس مجلس الشيوخ التشادي — قراراً بتشكيل لجنة فنية لتوزيع أراضٍ تابعة لسلطته التقليدية في سلطنة باقرمي، وتحديدًا بمدينة دوربالي (جنوب غرب تشاد)، الخطوة التي أثارت اعتراضات دفعت نهاية المطاف إلى إلغاء قراره.
رغم ذلك، أعادت هذه الحادثة طرح الأسئلة القديمة-الجديدة بشأن موقع السلطنة في النظام السياسي التشادي، بوصفها نموذجًا لفهم الإشكاليات المرتبطة بإدارة الأراضي العامة، وحدود الصلاحيات بين الدولة والمؤسسات التقليدية في تشاد، البلد الذي يعاني أصلاً من تحديات عميقة في ملف توزيع الأراضي، تعود جذورها إلى تاريخ من التداخل بين السلطة المركزية الحديثة والزعامات التقليدية منذ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي.
في هذا السياق، أعد «مرصد تشاد» هذا التقرير لتسليط الضوء على هذه القضية التي أثارت الرأي العام في تشاد مؤخراً، وللإجابة كذلك على أسئلة: من هو السلطان وولي؟ وما هي مملكة باقرمي التي ورث حكمها؟ وكيف توجد هذه الزعامة التقليدية في سياق النظام السياسي لجمهورية تشاد؟
سلطنة باقرمي: خلفية تاريخية
تقع سلطنة باقرمي فيما يُعرف اليوم بإقليم شاري باقرمي جنوب شرق بحيرة تشاد، الإقليم الذي ضم تاريخياً العاصمة التشادية نجامينا قبل أن تصبح إقليمًا قائمًا بذاته. ما يجعلها منطقة ذات أهمية زراعية وسكنية، نظرًا لبعدها نحو 100 كيلومتر فقط جنوب العاصمة.
تاريخيًا، تأسست سلطنة باقرمي حوالي عام 1513 على يد السلطان برني بيسي، حيث اعتمدت الإسلام دينًا رسميًا بشكل تدريجي، فيما تمتعت كذلك بلغتها الخاصة — وهي لغة نيلية صحراوية — امتلكت لاحقًا نظام كتابة خاصًا بها.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن أحد أبرز حكّام تلك الفترة كان السلطان عبد الله الذي حكم في أواخر القرن السادس عشر (حوالي ما بين 1568–1608)، وساهم في ترسيخ الهوية الإسلامية للسلطنة، التي تعتبر ماسينيا بمثابة عاصمتها التاريخية، ومركزاً سياسيًا وثقافيًا مهمًا قبل أن يخضع استقلالها للهيمنة الإقليمية والخارجية.
تعرضت سلطنة باقرمي للضعف بفعل هجمات رابح ود فضل الله، وهو قائد عسكري وتاجر رقيق سوداني الأصل عمل ضمن حملات الزبير باشا، وسيطر في أواخر القرن التاسع عشر على أراضٍ واسعة تمتد اليوم بين تشاد ونيجيريا. قبل أن يقتل ود فضل الله عام 1900 خلال صراعه مع القوات الفرنسية، التي سيطرت نهاية الأمر على سلطنة باقرمي، وعدد من السلطنات الإسلامية الأخرى عبر الصحراء الكبرى، أو ما دُرج على تسميته بمنطقة الساحل.
السلطان مبانغ: وريث السلطنة دون أراضيها
يُعد السلطان مبانغ أجي وولي الوريث التقليدي لسلطنة باقرمي، النفوذ الذي يستند في شكله المعاصر إلى دوره السياسي أكثر من موقعه التقليدي؛ وعلى الرغم من عدم توفر مصادر مفتوحة حول تعليمه بدقة، تتم الإشارة إلى السلطان في كثير من وسائل الإعلام بوصفه جنرالاً، فضلاً عن كونه عضوًا قديماً في حزب «الحركة الوطنية للإنقاذ» الحاكم في تشاد.
وتشير المصادر إلى أن السلطان مبانغ قد شغل منصبًا في البرلمان التشادي، وبعد تأسيس هيئة تشريعية ثنائية المجلس تتألف من مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، امتثالاً لنص الدستور الجديد للجمهورية، عين السلطان مباني نائبًا لرئيس مجلس الشيوخ عام 2025.
السلطان مبانغ أجي وولي مع رئيس الجمهورية محمد إدريس ديبي في القصر الرئاسي خلال زيارة رسمية.
السلطان مبانغ أجي وولي في حفل تقليدي في ماسينيا عاصمة ولاية شاري باقرمي .
السلطان مبانغ أجي وولي في طريقه لمهمة عسكرية في ولاية البحيرة
مؤخرًا، تصدر السلطان مبانغ واجهة الأحداث بعد تداول منشور عبر صفحة Sahelanthropus Média في الخامس من ديسمبر الماضي، اطّلع فريق «مرصد تشاد» عليه، وأشار المنشور إلى أن السلطان مبانغ أصدر قرارًا بصفته نائبًا لرئيس مجلس الشيوخ يقضي بتشكيل لجنة فنية لتوزيع أراضٍ في مدينة دوربالي (ولاية شاري باقرمي) بتاريخ 18 يوليو 2025.
وعلى الرغم من أن القرار يعود إلى أشهر مضت، فإن اللجنة استمرت في عملها حتى شهر ديسمبر، حين بدأت إجراءات تسلم وتخصيص بعض القطع لمسؤولين وأعضاء في الحكومة، وعقب انتشار القصة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وما أثاره ذلك من اعتراضات واسعة، اضطر السلطان مبانغ إلى إلغاء القرار، نظرًا إلى أن إدارة الأراضي العامة لا تندرج تحت صلاحياته، سواءً الدستورية أو التقليدية.
صورة من قرار تشكيل لجنة من أجل توزيع الأراضي والصادرة عن مجلس الشيوخ بتوقيع نائبه مبانغ أجي وولي.
تعارض قرار السلطان مبانغ مع القوانين التشادية
تنظم الإطار العقاري في تشاد حزمة القوانين الصادرة في 22 يوليو 1967، وهي:
- القانون رقم 23 المتعلق بالأملاك
- القانون رقم 24 المتعلق بالنظام العقاري
- القانون رقم 25 المتعلق بالحقوق العرفية
- إضافة إلى مراسيم تطبيقية مثل المرسوم رقم 186 لسنة 1967.
وتؤكد هذه التشريعات أن ملكية الأراضي العامة تعود للدولة، وأن تسييرها وتخصيصها يخضع لسلطات إدارية محددة، أبرزها وزارة استصلاح الأراضي والسكن والتمدن، ومن ثم فإن تشكيل لجنة داخل مجلس الشيوخ لتوزيع أراضٍ عامة يمثل اجتهادًا خارج الصلاحيات المنصوص عليها في الإطار القانوني.
ردود فعل رسمية وشعبية
وفي هذا السياق، تواصل فريق «مرصد تشاد» مع وزارة استصلاح الأراضي والسكن والتمدن للاستفسار عن موقفها من القرار قبل يوم من إلغائه، حيث صرّح مدير إدارة الإعلام بالوزارة محمد موسى كمارا بأن القرار «خارج صلاحيات السلطان وسيتم إلغاؤه»، وفي الخامس من ديسمبر أصدر السلطان قرارًا جديدًا بإلغاء القرار السابق، في محاولة لاحتواء التوتر.
ويكشف هذا التطور عن هشاشة الإطار القانوني وتداخل الصلاحيات بين السلطة التقليدية ومؤسسات الدولة، كما يعكس استمرار نفوذ الزعامات المحلية في ملفات يفترض أن تخضع لمنظومة الدولة الحديثة.
وكانت مدينة دوربالي قد شهدت في الثامن والعشرين من نوفمبر الماضي تظاهرات غاضبة من المزارعين الذين اتهموا السلطان مبانغ بمنح مساحات واسعة من الأراضي لشخصيات سياسية ومسؤولين حكوميين في شكل هبات، وهو ما اعتبر استغلالًا للنفوذ وتهديدًا مباشرًا لحق المزارعين المحليين في الحصول على أراضٍ صالحة للزراعة.
على صعيد موازٍ، لعب الإعلام دورًا محورياً في كشف القضية وتحويلها إلى قضية رأي عام، فقد نشر الصحفي أفينير موساي دي لا تشيري، مدير جريدة «أبة قارد»، مقطع فيديو على «فيسبوك» تحدث فيه عن تفاصيل الأزمة. وفي مقابلة مع «مرصد تشاد»، قال دي لا تشيري أن السلطان مبانغ «يعتقد أنه ورث هذه المناطق من أجداده»، متسائلًا حول عدم توزيع أراضٍ في ماسينيا (عاصمة الإقليم) إسوة بمدينة دوربالي، التي شملها قرار السلطان، معلقًا «لأنها منطقة جرداء».
وأضاف دي لا تشيري أن توزيع الأراضي في دوربالي يتم لصالح سياسيين وضباط، بينما يواجه سكان المنطقة صعوبة في إيجاد أراضٍ صالحة للزراعة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن «هذه الفوضى يجب أن تتوقف، فنحن في جمهورية».
إشكال مستمر
تكشف قضية السلطان مبانغ أجي وولي عن عمق الإشكالات المرتبطة بتوزيع الأراضي في تشاد، وعن التداخل بين سلطة الدولة والنفوذ التقليدي، وعلى الرغم من تراجع السلطان مبانغ أجي وولي تحت ضغط الشارع والإعلام، فإن ما جرى يشير إلى وجود تباينات بين الإطار القانوني الذي يقر بسيادة الدولة على أراضيها، وبين الزعامات التقليدية التي تحتضنها ضمن تحالفاتها كنظام حكم، في الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات داعية لمزيد من المشاركة المجتمعية في إدارة الموارد.