Day: February 12, 2026

بعد طلب السودان استعادة عضويته بالاتحاد الإفريقي: هل يُفك التجميد؟

شارك وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، اليوم الخميس، في اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، التابع للاتحاد الأفريقي، والمنعقد على مستوى وزراء الخارجية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا – برئاسة مصر – لبحث تطورات الحرب في السودان.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم (يمين) ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف الخميس 12 فبراير 2026

وتعد هذه أول مشاركة رسمية لمسؤول سوداني في أنشطة الاتحاد الإفريقي منذ تجميد عضوية البلاد في أعقاب الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021. 

وخلال الاجتماع نفسه، طالب سالم الاتحاد الإفريقي برفع تعليق عضوية السودان «عقب استيفاء الشرط الأساسي المتمثل في تشكيل حكومة الأمل المدنية»، التزامًا بمبدأ الحلول الإفريقية لقضايا القارة وتحقيق مبادرة «إسكات البنادق». 

رغم ذلك، لم يتضمن البيان الصادر عن المجلس عقب الاجتماع قرارًا بإعادة عضوية السودان للإتحاد الأفريقي، رغم ترحيبه ببعض التطورات، من بينها «المبادرة الوطنية للسلام» التي قدمها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في ديسمبر الماضي، وعودة الحكومة الانتقالية إلى العاصمة الخرطوم، مع تأكيد الحاجة إلى إعادة فتح مكتب اتصال الاتحاد الإفريقي هناك تمهيدًا لتعزيز التنسيق.

لماذا جُمدت عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي؟

في 27 أكتوبر 2021، قرر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد، ردًا على الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش بالتعاون مع قوات الدعم السريع في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، وأدى إلى حل الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك.

وعدّ المجلس الانقلاب «تغييرًا غير دستوري للحكومة، وأمرًا غير مقبول وإهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الإفريقي». 

ويقر الاتحاد الإفريقي بمجموعة من القوانين والإجراءات، من بينها تجميد عضوية الدول، لمواجهة الاستيلاء غير الدستوري على السلطة، حيث تشهد أفريقيا العدد الأكبر من الانقلابات العسكرية في العالم.

وتنص المادة (30) من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي (الصادر عام 2000) على أنه «لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد».

ما الدول التي يجمد الاتحاد الإفريقي عضويتها؟ وكيف يمكن أن تستعيدها؟

يجمد الاتحاد الإفريقي حاليًا عضوية خمس دول بسبب تغيير السلطة عبر الاستيلاء غير الدستوري على السلطة (انقلابات عسكرية)، وهي إلى جانب السودان: مالي (2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023)، ومدغشقر، وغينيا-بيساو (2025).

ويحرم قرار التجميد هذه الدول من المشاركة في أنشطة الاتحاد وهيئات صنع القرار، ويُمدَّد دوريًا حتى استعادة النظام الدستوري.

في المقابل، يضع الاتحاد الإفريقي شروطًا لاستئناف عضوية الدول المجمدة، من أبرزها عودة النظام الدستوري، أو اجراء انتخابات عامة، وتنفيذ عملية انتقال سياسي شرعية، وهو ما حدث مؤخرًا مع دولتين أعاد الاتحاد عضويتهما فيه، وهما الغابون (2025)، وغينيا (2026).

ويأتي طلب السودان رفع تعليق عضويته في سياق الجهود المستمرة لإيقاف صراعه المسلح، فهو يستند إلى مبادرة «إسكات البنادق» التي أطلقها الاتحاد الإفريقي ضمن أجندته طويلة المدى لعام 2063، وأُقرت رسميًا عام 2013، بهدف إنهاء النزاعات المسلحة في القارة.

كيف تحاول الحكومة السودانية استعادة عضويتها؟

منذ الإطاحة بالحكومة الانتقالية في السودان، لم تتوقف مساعي الحكومة بقيادة الجيش للعودة إلى الاتحاد الإفريقي، حتى بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وفي هذا السياق، عيّن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المسؤول الأممي السابق كامل إدريس رئيسًا للوزراء، في مايو 2025، أول رئيس وزراء مدني منذ استقالة عبد الله حمدوك في يناير 2022، في خطوة لاقت ترحيبًا من الاتحاد الإفريقي ومنظمات إقليمية بينها جامعة الدول العربية.

كما تتواصل مساعٍ لتشكيل برلمان انتقالي، ما يطرح تساؤلات حول مدى إسهام هذه الخطوات في تقريب السودان من استعادة عضويته.

وتمثل مصر، التي تقود الجهود لاستعادة السودان عضويته، أحد أبرز النماذج للدول التي استعادت عضويتها في الاتحاد الإفريقي، إذ علّق مجلس السلم والأمن أنشطة القاهرة بالاتحاد في الخامس من يوليو 2013، عقب عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، باعتباره «تغييرًا غير دستوري للسلطة».

واستمر تجميد عضوية مصر نحو 11 شهرًا، قبل رفعه في 17 يونيو 2014، بعد استكمال خارطة الطريق الانتقالية، بما في ذلك إجراء انتخابات رئاسية، أدت إلى تنصيب وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، رئيسًا للجمهورية، وإقرار دستور جديد للبلاد، في وقت سابق من العام نفسه.

وبالنظر إلى أن مجلس السلم والأمن لم يتخذ بعد قرارًا بإعادة عضوية السودان في اجتماعه الأخير اليوم، يبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت الخطوات التي أعلنتها الحكومة السودانية كافية لاستيفاء شروط الاتحاد الإفريقي، في ظل كون القرار سياسيًا تقديريًا أكثر من كونه إجراءً تنظيميًا تلقائيًا.

وسط عاصفة الدمار.. مبادرات أرشفة تقاوم لحفظ «ذاكرة السودان»

مجاهد الدومة

مجاهد الدومة

بحلول مايو 2023، وبعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع حرب مدمرة في العاصمة السودانية الخرطوم، لم يكن ملايين السودانيين في قلب حرب مدن وحشية فقط، وإنما كانت الثقافة والوثائق والأرشيف وتاريخ البلاد الذي يعود إلى آلاف السنين تحت حطام الصراع وقبضة التخريب والتهريب العابر للحدود.

 

منذ ذلك الوقت بدأت الأخبار تترى باندلاع حرائق المكتبات وسرقة آلاف القطع الأثرية، حيث تصاعدت المخاوف من أن وثائق وأرشيفًا يوثقان حقبًا مختلفة في تاريخ هذا البلد، قد تكون تعرضت للدمار الكامل أو الجزئي، في ظل ضعف التوثيق الرقمي. 

 

ومنذ أيامها الأولى، حملت الحرب بوادر معركة أخرى وساحاتها هذه المرة الشواهد التاريخية والذاكرة كالمتاحف، علاوةً على مصادر المعرفة المختلفة؛ من مؤسسات الأرشفة، كدار الوثائق، بالإضافة إلى المكتبات العامة، خاصة أن معظمها يقع داخل خطوط الاشتباك العسكري بقلب الخرطوم.

 

لكن كل ذلك لم يمنع جهات ومؤسسات مهتمة بالأرشفة والتوثيق في الانخراط في مبادرات في مسعى لإنقاذ هوية وتاريخ وتراث السودان على مر الحقب والعصور.

 

محاولات حثيثة للحفاظ على الأرشيف 

 

حتى قبل سنوات عديدة من اندلاع الحرب انطلقت مبادرات الأرشفة والتوثيق والتي تتخذ من المادة التاريخية والحفاظ عليها حقلًا لعملها وانشغالها، بما في ذلك الاستفادة من التقنيات الرقمية في الأرشفة والحفاظ على الوثائق ومن ثم تقديمها للجمهور. 

 

كان مشروع (ذاكرة السودان) في قلب هذه المبادرات والذي بدأ التفكير فيه منذ العام  2013 من قبل الجمعية السودانية لأرشفة المعرفة، إلا أن انطلاقته الفعلية كانت في العام 2018 عبر منصةٍ إلكترونية تعمل على الحفاظ على (الحفاظ على المواد الثقافية القيمة من السودان وحوله والترويج لها من خلال الرقمنة).

 

وقد جاء هذا المشروع في الأساس لما تتعرض له المحفوظات من مخاطرٍ جمة تتسبب في ضياعها أو تلفها في جميع أرجاء السودان، وذلك بسبب الإهمال المؤسسي وظروف الحفظ والتخزين غير الملائمة، علاوةً على أن الكثير من المحفوظات هي ملك خاص لأفراد، ما يصعب حصرها أو الوصول إليها بسهولة.

 

وتشارك في مشروع ذاكرة السودان العديد من المؤسسات والشركاء والأفراد كذلك، مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون السودانية واستوديو رشيد مهدي للتصوير والهيئة القومية للآثار والمتاحف ودار الوثائق القومية ومتحف نساء دارفور، بالإضافة إلى باحثين ومنشغلين في الحقلين الفني والثقافي . 

 

وتنبع أهمية هذا المشروع من عدة جهات، فأولًا كونه انطلق قبل الحرب الجارية، مما منحه امتيازًا للحفاظ على عديد من المواد ومسحها ضوئيًا، مثل الأفلام والصور والمخطوطات والأشياء والوثائق والأعمال الفنية. كما أن استخدام التقنية في إعادة حفظ المواد من خلال تسجيل القصص والمقالات التاريخية، يعد بمثابة بوابة لعرضها على جمهورٍ متنوعًا ومتسعًا.

 

فقدان المكان يحوله متحفًا رقميًا 

 

واحدة من المشاريع التي انطلقت بعد اندلاع الحرب، والمعنية بمشروع الذاكرة والتراث، هو مشروع مدوَّنة متحف صون تراث السودان الحي، والذي كان في اساسه فكرة لإعادة افتتاح متحف الإثنوغرافيا كمتحفٍ للتراث الحيّ في السودان، إلا ان هذا الحلم صار متعذرًا بسب الحرب التي اندلعت أول ما اندلعت في قلب العاصمة الخرطوم، والتي يقع المتحف ضمن جغرافيتها.

 

مع هذا الواقع الجديد، حول القائمات والقائمين على المبادرة المشروع إلى مساحة رقمية ومدونة على الإنترنت، اتخذت في تصميمها رؤية تعبر عن تصميم المتاحف، وذلك في سبيل عرض القصص المختلفة في تبويباتٍ أُطلق عليها (الغرف) إذ تحتوي كل غرفةٍ على موضوع محدد، يمكن للزائر الاطلاع على موضوعاتها، فمثلًا هناك غرف يمكن التعرف فيها على تنويعات الطعام والتعايش، علاوة على غرف أخرى حول مفاهيم معرفية، مثل الجنس واللغة.

 

أرشيف الأشرطة السودانية.. من المرئي إلى السماعي 

 

واحدة من المسائل المهمة التي تتمظهر في مبادرات الأرشيف والانشغال به وعليه، هي في تعدد ليس عدد المبادرات فقط، بل في أنواعها وأهدافهما. وفي حين أن عدد من هذه المبادرات يأتي من مبادرات أفراد ومجموعات، فإن المسارات التي تتخذها هذه المبادرات تتقاطع بصورة كبيرة باهتمامات هؤلاء الأفراد أو المجموعات، مثلما يظهر في مبادرة أرشيف الأشرطة السودانية، والتي تسعى للحفاظ على  التراث الموسيقي السوداني، عبر  رقمنة أشرطة الكاسيتات، وذلك من أجل الحفاظ على الذاكرة الجماعية. لكن الهدف الأكبر هو (ربط السودانيين عبر العالم والأجيال بالتراث الموسيقي) كما يرد في الموقع الإلكتروني للمبادرة، والذي ما إن تدخله حتى ينفتح أمامك بابًا متنوعًا لما يزيد عن الخمسين كاسيتًا من حقبٍ زمنية وتجارب موسيقية متنوعة ومختلفة.

يعكس الهدف الذي يضعه الأرشيف في “ربط السودانيين عبر العالم” تجربة وجودية وحياتية للفنانة متعددة الوسائط، حنين سيد أحمد، القائمة عليه. وحنين مواطنة سودانية أمريكية تقيم في كاليفورنيا، تتقاطع أعمالها الفنية مع الاشتغال على الأرشيف بشكلٍ لصيق، كما أن اهتماماتها تتركز على استكشاف الكيفيات التي تتبعها مجتمعات الشتات السودانية في معالجة تجاربهم من خلال الذاكرة الجماعية والخيال. 

صورة لبعض الألبومات من أرشيف الأشرطة السودانية

إهمال قديم

مع اندلاع الحرب خلال شهر أبريل 2023 وسيطرة قوات الدعم السريع على وسط الخرطوم، بما في ذلك متحف السودان القومي، راجت الأخبار عن تعرض المتحف لسرقاتٍ كبيرة، وعرض مقتنايته للبيع في أسواقٍ ومنصاتٍ إلكترونية خارجية. وفي مطلع العام 2024، أظهرت صور لأقمار صناعية شاحنات محملة بالمقتنيات تغادر المتحف.

صورة لأحد غرف المتحف التي لحق بها الدمار خلال الحرب

وبالرغم من الاتهامات التي نفتها قوات الدعم السريع، إلا أن قضية الآثار والمتاحف والأرشيف الوطني تتجاوز الحرب الحالية، إلى إهمال شبه كامل منذ سنواتٍ بعيدة تتجاوز المتحف كحالةٍ فردية، بل هناك عنف مؤسسي واجتماعي تجاه الآثار ومواقعها. 

فمنذ بدايات التعدين عن الذهب، تعرضت عدد من المواقع الأثرية في شمال السودان (ولايتي نهر النيل والشمالية) للتخريب، مثل جبل البركل الأثري بمدينة كريمة، الذي طالته عمليات سرقة متتالية ما بين الأعوام 2000 و 2008، والتي كانت محصلتها فقدان 50 تمثالًا، عاودت ثلاث منها  الظهور خلال مزاد علني بالعاصمة الإسبانية مدريد، في أكتوبر 2020، وهي تماثيل تخص الملك تهارقا.

لم تسلم كثيرُ من المتاحف من السرقات والتعديات خلال الحرب الحالية، فمتحف بيت الخليفة بأم درمان، نهبت مقتنياته النادرة، التي تعود إلى حقبة الدولة المهدية، ودمرت أول سيارة تدخل السودان وأخذت إطاراتها.

أما متحف التاريخ الطبيعي، الذي يعود تاريخ افتتاحه إلى العام 1958، فطالته القذائف والرصاص وتعرض لأضرارٍ كبيرة لقربه من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، بوسط الخرطوم. إذ نفقت حيواناتٍ نادرة جراء الجوع والعطش، وفقدت أخرى منقرضة ومحنطة، علاوة على بذورٍ ونباتاتٍ نادرة. لكن الفقدان والهدر لم يتوقف هنا، فقد فقدت سجلات المتحف أيضًا، وبذلك فقد تاريخ عمره عمر الدولة السودانية بعد استقلالها.

صورة تظهر الخراب الذي طال متحف بيت الخليفة

معرفةُ تحال رمادًا 

إذا كان من الممكن تتبع القطع الأثرية المسروقة والمهربة خارج حدود البلاد، والمطالبة باسترجاعها فإن المسألة مغايرة بالكامل فيما يخص قطاع المكتبات بأشكالها المختلفة، الجامعية والعامة ومراكز البحوث ودور الوثائق، إذ ما وصلها هي نيرانُ الحرب التي احالتها رمادًا، ويقف مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية، أو ما تبقى منه، شاهدًا على مأساة الفقدان الكبيرة لمصادر المعرفة. فقد تعرض، بتاريخ الإثنين 15 مايو 2023، إلى حريقٍ كامل تسبب في فقدان أرشيف كبير من المسودات والكتب التي تتجاوز الـ 10 آلاف وثيقة ومرجع، استمر العمل عليها طوال 37 عامًا.

صورة توضح تحول مخطوطات وكتب مركز محمد عمر بشير إلى رماد بفعل الحريق

طالت يدُ الحرب أيضًا الدار السودانية للكتب، وهي الدار الأكبر والأشهر في السودان باحتوائها على ما يزيد عن المليوني كتاب، تعرض منها ما يزيد على النصف مليون للسرقة والتخريب.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ما فقد من المكتبات ومراكز البحث والمؤسسات العامة ليس هو الفقدان الأوحد، بل كذلك ما فقدته المؤسسات الثقافية المختلفة والمنتشرة في أصقاع البلاد، والتي أنشئت في الأساس لتغطي الاعتلالات الكبيرة التي يشهدها قطاع النشر في السودان، بدءًا من شح مؤسساته، وليس انتهاءً بتمركزها في المدن وما يخلقه هذا التوزيع المناطقي، والذي في جوهره يعكس تصورات مؤسسات الدولة وخلفيتها في توزيع ليس الثروة والموارد المادية فقط، بل وأيضًا احتكار المعرفة ومصادرها في جيوبٍ مركزية. 

ومن هذا الفضاء وفي محاولات رتق الفراغ الذي تخلقه هذه البنية التحتية الهشة، وُلدت عشرات المبادرات بأهدافٍ تسعى لتوفير الكتب في المدن البعيدة والقرى والفرقان، عبر المكتبات الشعبية والنوادي الاجتماعية في الأحياء، هذه المكتبات أيضًا فُقدت. 

أما المكتبات الشخصية، والتي أنفق عليها ملاكها الذين أخذهم طريق القراءة إلى تكوين المكتبات وإنفاق ساعاتٍ طويلة وهم جاثون على ركبهم في أرفف المكتبات، أو منحني الظهور عند فريشة الكتب، للتنقيب عن كتب طبعت طبعاتٍ محدودة ثم أغلقت دور النشر أبوابها مرةً وللأبد، أو لكل الأسباب التي يمكن تخيلها في انتفاء كتاب سوداني من تلك المكتبات الشخصية، قد يكون فقدان أخر نسخة متوفرة منه، وبذلك هي ليست خسارة فردية بأي حالٍ من الأحوال، بل خسارة لجزء من الذاكرة الثقافية والجماعية.

وقد يبدو لوهلةٍ أن الحرب هي المتسبب الأوحد في تهديد وضياع الأرشيف السوداني، لكن نظرة متفحصة للمناحي المرتبطة بالأرشيف والآثار ومصادر المعرفة المختلفة في السودان، تكشف عن بنية مؤسسية في الأصل هشة جرفتها الحرب، لتطرح أسئلة صعبة حول إمكانية استعادة ما فقد من آثار المتاحف، وعلى ما لا يمكن استعادته كمسودات مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية، والتي حولت النار التي اندلعت فيه جهد مبذول لقرابة الأربعين عامًا إلى رماد.