Day: February 26, 2026

قلق الاستقرار وهاجس العودة: تجربة السودانيين خلال الانتخابات الأوغندية

بعد مرور نحو شهر من إجراء الانتخابات اليوغندية، والتي جرت وسط توتر أمني أثار المخاوف بين اللاجئين السودانيين في البلد الواقع في شرق إفريقيا حيث يعيش هناك أكثر من 90 ألف لاجئ معظمهم في معسكرات، أعلنت السفارة السودانية عن بدء رحلات عودة طوعية للاجئين السودانيين ابتداء من يوم 20 فبراير الجاري. 

وقد رصدت بيم ريبورتس مخاوف السودانيين من الانتخابات في يوغندا خاصة العاصمة كمبالا والتي جرت في يوم 15 يناير الماضي حيث أعيد انتخاب الرئيس يوري موسفيني للمرة السابعة وسط أعمال عنف وتضييق على مرشح المعارضة بوبي واين في خضم انقطاع الإنترنت والاتصالات طيلة أيام. 

وسط الصدمات التي سببتها الحرب في السودان والتي أجبرت الملايين على الفرار إلى خارج البلاد، أمضى اللاجئون في يوغندا أيام الانتخابات بين الترقب والأمل، في أن تمضي بسلام يعرفون معناه وعنف يتخوفون منه.  

فيما قرر أولئك الذين يمتلكون المال السفر إلى خارج يوغندا إلى الجارتين كينيا ورواندا وغيرهما من البلدان الأخرى تخوفًا من وقوع اضطرابات وأعمال خلال الانتخابات، واضعين في الاعتبار تجربة الفرار من الحرب في السودان

يقول محمود (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كُنّا حذرين وقلقين في آن، فمع قطع خدمات الإنترنت وخدمات التحويل المصرفي، لم تتح مصادرٍ كافية لمتابعة المستجدات بشأن تطورات الأحداث في يوغندا نفسها، كما لم نكن على تواصلٍ مع الأهل في السودان للإطمئنان عليهم، خاصة مع تصاعد المعارك العسكرية في محور كردفان”

وجرت الانتخابات الرئاسية اليوغندية بين يومي 15 و18 يناير الماضي وسط أجواءٍ سياسية محتقنة ما بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وشهدت انتشارًا أمنيًا كبيرًا، من قبل الجيش والشرطة والقوات الخاصة، في العاصمة كمبالا وغيرها من المدن الرئيسية وسط توتراتٍ في الشارع العام. كما قطعت خدمات الإنترنت ما بين 13 إلى 18 يناير.

وقالت الأمم المتحدة إن الشرطة والجيش استخدما الذخيرة الحية لتفريق التجمعات السلمية، وقاما بعمليات اعتقال تعسفية، واختطاف أنصار المعارضة قبل خلال المسيرات التي انتظمت عددًا من المناطق قبل الانتخابات، علاوةً على إصدار الحكومة أوامر إيقاف بحق عدد من المجموعات والمنظمات الحقوقية، من ضمنها شبكة حقوق الإنسان الصحفية بأوغندا. 

ما قبل 15 يناير 

كان القلق التوتر وسط السودانيين سابقًا لقيام الانتخابات وتركز التخوف عما ستسفر عنه الانتخابات اجتماعيًا وسياسيًا خاصة وهم يضعون في الحسبان تجربة الحرب التي كانت العامل الأساسي في لجوئهم وتهجيرهم من منازلهم، وفقدان أغلبهم البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانوا يتوفرون عليها في السودان، الأمر الذي جعل من وجود غالبيتهم وجودًا هشًا.

“أصبحت لا أخرج من المنزل إلا بعد التأكد من حمل أوراقي الثبوتية، خاصة بطاقة اللجوء، وذلك على إثر توقيفي عدة مرات من قبل جهاتٍ أمنية مختلفة لم استطع التمييز عن كنهها” – يقول البخيت وهو شاب مقيم ويعمل بالعاصمة كمبالا. إثر تجاربه مع الجهات الأمنية، قلل البخيت حركته بالكامل خلال فترة الانتخابات، لتقتصر على الالتزامات السريعة والمشاوير الخاطفة الضرورية.

السفر خارج يوغندا

مع تأكيد الجهات المختلفة على توجيهات محددة للالتزام بها خلال فترة الانتخابات، إلا أن مقدار التوتر كان مرتفعًا ومتصاعدًا لدى السودانيين، خاصة مع غياب المعرفة الكافية بالسياق الاجتماعي المحلي، الأمر الذي دفع عددًا مقدرًا من الأسر والأفراد لترتيب مغادرة أوغندا إلى دولٍ مجاورة حتى تنقضي فترة الانتخابات. وقد نشطت عدد من وكالات السفر السودانية في تنظيم رحلاتٍ جماعية وفردية إلى رواندا، بلغت تكلفة السفر للفرد 450 دولارًا أمريكيًا، كما سافر آخرون  بشكلٍ فردي إلى كينيا وجنوب السودان وزنجبار، كلٍ حسب استطاعته وقدرته المالية، لكن السواد الأعظم من السودانيين بقي في أوغندا مع اتباع إجراءاتٍ صارمة في الحركة، علاوةً على تجهيز مؤنٍ واحتياجاتٍ معيشية.

فترة الانتخابات

الرئيس الأوغندي يوري موسفيني

ما بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتي شهدت فوز الرئيس يوري موسيفيني (81 عامًا) بدورة رئاسية سابعة، بينما احتجز منافسه بوبي واين (43 عامًا) في الإقامة الجبرية، قبل أن يتمكن من الهرب ويظهر في مقابلةٍ متلفزة يشكك فيها في صدقية الانتخابات، ويدعو مناصريه للاحتجاج السلمي عبر تنظيم التظاهرات وأشكاله المختلفة، الأمر الذي جاء في وقتٍ أعلن فيه الجيش اليوغندي عبر قائده موهوزي كاينيروجابا، نجل الرئيس موسيفيني، عن مقتل 30 شخصًا من المعارضة، علاوة على اعتقال ما يزيد عن الـ 2000 شخص.

اضطرابات في كاومبي

المرشح الرئاسي بوبي واين

تعد منطقة كاومبي بالعاصمة كمبالا إحدى المناطق الحية في يوغندا، وقد شهدت اندلاع توتراتٍ في مركز فرز الأصوات في مقاطعة كاومبي خلال عملية فرز أصوات الانتخابات الرئاسة.

 وخلال عملية الفرز وقعت اشتباكات بين أنصار حركة المقاومة الوطنية وحزب الوحدة الوطنية، ومع احتواء المنطقة على أعدادٍ كبيرة من السودانيين، جنبًا إلى جنب أنها منطقة قوامها الأكبر من المعارضة المناصرة لبوبي واين.

وقالت زينب (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كنا لا نخرج من البيت نهائيًا، وفي اليوم الثاني من الانتخابات، شهد حينا بكاومبي مطاردات القوات النظامية لمناصري بوبي واين، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، الذي وصل حتى منطقة سكننا بعد أن لاذ عدد من المطاردين به”. 

عنتيبي…هدوء وتمشيط للشوارع

القصر الرئاسي في مدينة عنتيبي

كان الوضع في مدينة عنتيبي، والتي يسكنها عدد كبير من السودانيين خاصة في منطقة شيتورو ونُشوغو، مغايرًا لما هو عليه في كمبالا، إذ كانت الحركة إلى قبل الانتخابات بيوم عادية، مع استمرار عمل غالبية المحال التجارية الأوغندية، والسودانية التي تتركز في سوق شيتورو.  “سنعمل اليوم حتى ساعة متأخرة، أما يوم غدٍ، 15 يناير،  فلن نعمل كإجراء احترازي، حتى نرى كيف تسير الأمور” – كان هذا تقدير عبد الكريم (اسم مستعار) في حديثه لمراسل بيم ريبورتس قبل يوم انطلاق الانتخابات، ويبدو أن هذا ما انتهجته أغلب المحال والأفراد في حركتهم وأداء مهامهم، ليعودا بعدها لمباشرة أعمالهم. 

وتكتسب عنتيني بعدًا مهمًا في الخارطة السياسية والعسكرية في أوغندا، إذ تتمركز فيها قيادات عدد من المؤسسات الأمنية، علاوةً على أنها المدينة التي تضم المطار الرئيس في البلد، والأخير كان سببًا في لجوء عدد من المسافرين أيام الانتخابات للقدوم إليها حتى يكونوا بالقرب من المطار بهدف تجنب أي تعقيداتٍ في الحركة، إضافةً إلى هؤلاء، لاذ إلى المدينة عددًا من الأسر والأفراد وذلك لهدوء المدينة والأمان الكبير مقارنة بكمبالا. 

“كان الوضع عاديًا ولم يختلف عن أي فترة أخرى خلال الفترة التي تزيد عن العامين قضيتهما في هنا. كنتُ أذهب إلى العمل وأرجع راجلة. الشئ الوحيد الذي لاحظته هو تمشيط عددًا من أفراد الجهات الأمنية الشوارع جيئةً وذهابًا” هذه تجربة تبيان، عاملة في القطاع الصحي في عنتيبي، خلال فترة الانتخابات. وتضيف “مع قطع الإنترنت في جميع البلاد، واستثناء المؤسسات الحكومية والمستشفيات فقد أتاح لي ذلك تطمين بقية أسرتي خارج أوغندا عليّ، ونقل رسائل ملحة وضرورية من الأصدقاء إلى ذويهم بالخارج”.

بدء العودة الطوعية من أوغندا

ووسط هذه التوتر أثناء الانتخابات أعلنت اللجنة العليا لتنظيم العودة الطوعية للسودانيين في أوغندا، يوم الأحد 15 فبراير الحالي عن بدء أولى رحلات الإجلاء الجوي للعائدين إلى السودان في 20 فبراير الجاري، من مطار عنتيبي إلى مدينة بورتسودان.

ويعيش في أوغندا نحو 92 ألف لاجئ سوداني، استقر نحو 13 في المئة بينهم في العاصمة كمبالا ومدينة عينتبي فيما يعيش الغالبية في معسكرات للاجئين. 

وقالت المتحدثة باسم اللجنة، ريم عبد الجليل، في تصريح لـ “سودان تربيون”، إن مشروع العودة الطوعية سيُدشَّن رسميًا في 19 فبراير بمقر السفارة السودانية في كمبالا، على أن تنطلق أول رحلة للعائدين طوعًا ابتداء من يوم الجمعة الموافق 20 فبراير الحالي. 

وأكدت عبد الجليل أن الرحلة الأولى ستنطلق عبر طيران تاركو من مطار عنتيبي إلى بورتسودان، حيث ستُقلّ 146 سودانيًا، إلى جانب أربعة من أعضاء اللجنة العليا.

وأفادت بوجود تنسيق بين اللجنة ومنظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني لتنفيذ مشروع نقل العائدين من بورتسودان إلى الولايات الآمنة داخل البلاد.

وبحسب عبد الجليل، فإن عدد السودانيين المسجلين للعودة الطوعية عبر المنصة الإلكترونية التابعة للجنة بلغ نحو 4818 شخصًا، متوقعةً ارتفاع العدد بعد تنفيذ الرحلة الأولى. ولفتت إلى أن أعضاء اللجنة سيعقدون لقاءات مع مسؤولين في الحكومة السودانية لبحث استقطاب التمويل اللازم لبرامج العودة من أوغندا.

وكان نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، قد تعهد خلال زيارته إلى يوغندا، بدعم مشروع العودة الطوعية.

ووصل إلى مطار بورتسودان صباح الجمعة 150 من اللاجئين السودانيين بيوغندا من جملة نحو 93 ألفا في إطار العودة الطوعية للبلاد. 

وقالت وكيلة وزارة الثقافة والإعلام السودانية سمية الهادي إن الرحلة تعد الأولى لمقدم لاجئين سودانيين من يوغندا وأن الرحلات ستتوالى تباعا، برحلات عديدة لعودة المزيد من اللاجئين من دول أخرى خاصة ليبيا.

هدوء حذر

وبين موسم انتخابي مشحون وبدء رحلات العودة الطوعية، وجد كثير من السودانيين في أوغندا أنفسهم أمام مفارقة قاسية: البحث عن أمانٍ خارج وطنٍ مشتعل، مع استمرار شعورٍ بعدم اليقين حتى في بلدان اللجوء. وتمثل أوغندا مثالًا على هذا التعقيد؛ فالرئيس يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عامًا، يحكم البلاد منذ عام 1986، بعد إلغاء القيود الدستورية المتعلقة بدورات الرئاسة والسن القصوى للترشح. ويطرح طول أمد الحكم، مقرونًا بتقدّم الرئيس في السن وغياب مسارٍ واضح لانتقال السلطة، تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالمشهد قد يبدو مستقرًا ظاهريًا، غير أن غموض ما بعده يجعل الاستقرار مشروطًا وقابلًا للاهتزاز عند أي منعطف مفاجئ، وهو ما يعمّق إحساس التحسّب لدى اللاجئين السودانيين بالذات، الذين لا تزال ذاكرة الحرب تؤطر قراراتهم بين بقاءٍ هشّ في المنفى وعودةٍ إلى السودان تحفها الهواجس.