نساء سودانيات يقاومن محنة الحرب ويتوجن بجوائز إقليمية ودولية

يحل اليوم العالمي للمرأة، بينما تغرق ملايين النساء السودانيات في دوامة عنف منذ نحو ثلاث سنوات جعلت من أجسادهن سلاح حرب، وفقًا لتقارير حقوقية محلية وأممية. إلا أنهن في المقابل، يُبلين بقوة في شتى المجالات طوال أصعب حقبة يشهدها السودان في تاريخه المعاصر، جاء وقعها على النساء أشد وطأة. 

وعلى الرغم من استثنائية الجهود والتضحيات التي تقدمها النساء في السودان، إلا أنهن نادراً ما يحصلن على التقدير الذي يستحقنه، وبهدف تقليل هذه الفجوة، خرجت «بيم ريبورتس» بهذا المقال في الثامن من مارس.

الكشف عن واقع السودانيين، نساءً ورجالًا، عبر قطاع الإعلام، ظل المجال الأبرز الذي عمدت العديد من السودانيات إلى التميز فيه، فبين عامي 2025 و2026 حصدت أربع صحفيات سودانيات جوائز صحفية مرموقة عن قصص وتغطيات في ظل الحرب، وضعتهن، ومن ثم الصحافة السودانية بشكل عام، على منصات التتويج إقليميًا ودوليًا. 

الصحفية السودانية سلمى عبد العزيز تتسلم جائزة محمد حسنين هيكل للصحافة

سلمى عبد العزيز: جائزة هيكل

في سبتمبر 2025، أطلقت الصحفية السودانية، سلمى عبد العزيز، راية الجوائز عندما فازت بجائزة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية لعام 2025 في دورتها التاسعة، والتي تُعد واحدة من أهم الجوائز العربية للصحفيين الشبان، تقدمها المؤسسة التي أنشئها محمد حسنين هيكل، صانع السياسات وأحد أبرز الصحفيين المصريين في القرن العشرين، عام 2007، قبل تسعة أعوام من وفاته.

وحصلت سلمى على الجائزة، التي منحت لثلاثة صحفيين، تقديرًا لتغطيتها المتميزة لتداعيات الحرب في السودان، وما نجم عنها من كارثة إنسانية، خاصةً ملف الجوع. وقد تناولت تغطياتها آثار الحرب، وكشفت عن انتهاكات وملفات فساد متعددة.

ومن التحقيقات الصحفية التي عملت سلمى عليها، وأسهمت في حصولها على هذا التتويج، تقرير 10 أشهر من القتال و”كارثة جوع” تقترب بالسودان لشبكة سي إن إن الأمريكية، وتحقيق المصيدة البشرية: لاجئون سودانيون يقعون في فخ عصابات منظمة على حدود مصر، الذي أعدته بالمشاركة مع الصحفي إيهاب زيدان، لصالح شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية – أريج. 

وسبق تتويج سلمى بجائزة هيكل هذا العام مسيرة حافلة بالتحقيقات الاستقصائية المتميزة، التي حصلت بموجبها على جائزة إيغاد للإعلام 2024، بالإضافة إلى وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة فيتيسوف الدولية للصحافة العام نفسه.

إنعام النور: جائزة الجزيرة

وفي مارس الجاري، كانت الصحفية السودانية إنعام النور على موعد مع جائزة الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية للعام 2025، والتي ينظمها معهد الجزيرة للإعلام في قطر.

“الصحفيات السودانيات.. صوت لا يخفت”، قالت نقابة الصحفيين في بيان تهنئة بمناسبة حصول إنعام على المرتبة الثانية للجائزة. وأوضحت النقابة أن هذا الإنجاز الذي تحقق في خضم عام استثنائي بالغ الصعوبة لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة جهد دؤوب والتزام عميق برسالة الصحافة الإنسانية، التي لا تكتفي بنقل الخبر، بل توثق المعاناة وتكون صوتاً لمن لا صوت لهم.

شارك في هذه الجائزة أكثر من 130 صحفيًا وصحفية من مختلف الدول العربية. وذكرت النقابة أن تتويج إنعام بالجائزة يعكس صورة مشرقة للصحفي السوداني الذي يعمل تحت وطأة أصعب الظروف. وأضافت: “ففي الوقت الذي يعاني فيه السودان من حرب مدمرة وأزمة إنسانية غير مسبوقة، يواصل صحفيونا تسليط الضوء على تداعيات هذه الحرب، وينقلون بصوت عالٍ معاناة الضحايا والمتأثرين، ويحفظون الذاكرة الجماعية من النسيان؛ توثيقاً للألم والأمل في آنٍ معًا”.

وتابعت النقابة “لقد كان العام المنصرم والعام الحالي بحق عام الجوائز للصحافة السودانية التي استطاعت بجدارة أن تنافس بقوة في المحافل الإقليمية والدولية. وتأتي جائزة الزميلة إنعام النور صالح دليلاً جديداً على أن الصحفي السوداني قادر على الإبداع والتميز، وأن قلمه هو سلاحه الأقوى في معركة الحقيقة”.

فازت الصحفية السودانية البريطانية يسرا الباقر بجائزة أفضل صحفي تلفزيوني لعام 2026

يسرا الباقر: الجمعية الملكية للتلفزيون

وعلى المستوى الدولي، فازت الصحفية السودانية-البريطانية يُسرا الباقر بجائزة أفضل صحفي تلفزيوني لعام 2026، وذلك ضمن جوائز الجمعية الملكية للتلفزيون، وهي جمعية بريطانية أعلنت عن الفائزين بدورتها الأخيرة في 4 مارس بالعاصمة لندن.  

وتم تكريم يسرا، والتي تعمل مراسلة لشبكة سكاي نيوز في إفريقيا، لتقاريرها الشجاعة والمؤثرة حول الصراع الدائر في السودان. 

وأشادت لجنة التحكيم بقدرتها على تسليط الضوء على أزمة إنسانية غالباً ما يتجاهلها الإعلام العالمي، ودمج خبرتها وتاريخ عائلتها الشخصي لتقديم محتوى إخباري استثنائي.

نضال مستمر على كل الأصعدة

لم يتوقف نضال النساء السودانيات في المجال الصحفي والإعلامي بل امتد إلى العمل المباشر في خدمة المجتمع وتلبية احتياجاته المباشرة. حيث اضطلع بعضهن على المستوى الفردي، بدور مجتمعي كبير ومباشر على الأرض، مثل الناشطة سوهندا عبد الوهاب التي ظلت طيلة فترة الحرب تعمل في مدينة أم درمان لتوفير الطعام عبر المطابخ الخيرية، بالإضافة إلى تقديم مساعدات أخرى إلى المجتمع المحلي. 

ولعبت المطابخ الخيرية (التكايا)، التي تعد استمرارًا لموروث سوداني طويل في التعاون المجتمعي، دورًا بارزًا في تقديم الطعام لملايين السودانيين في أنحاء البلاد المختلفة خلال الحرب، وهو ما دفع سوهندا للمشاركة في هذا العمل التطوعي، بعيدًا عن الدور الذي عُرفت به على المستوى المحلي سابقًا كشاعرة أو وجه إعلامي.

وفي الجانب الطبي، كان لاختصاصية النساء والتوليد الدكتورة صفاء علي يوسف، دور بارز في إبقاء باب الأمل مفتوحًا أمام النساء في أم درمان، وسط أصوات الرصاص وأزيز الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة ووسط نار الحرب بكاملها.

دور صفاء البارز في خدمة النساء وضعها في قائمة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الصادرة في سبتمبر 2024، ضمن أكثر النساء تأثيرًا وإلهامًا ذلك العام، بفضل جهودها في إنقاذ حيوات العشرات، إن لم يكن المئات، وتمسكها بالبقاء في مناطق الخطر تلبية لنداء واجبها الطبي.

وظلت صفاء تدير الخدمة الطبية في المستشفى السعودي بأم درمان رغم الظروف الصعبة والمعقدة طوال فترة الحرب في الخرطوم التي امتدت لسنتين. ومع توقف الخدمة في المستشفى جراء الحرب، انتقلت صفاء إلى العمل في مستشفى آخر، وتمكنت مع زملائها من فتح مراكز فرعية لمداواة المرضى وخاصة فيما يتعلق بأمراض النساء والتوليد.

تقدم الأسماء التي وردت بهذا المقال، نموذجًا حافلاً بقدرة النساء السودانيات على تحقيق اختراقات نوعية، تساهم بدورها في تخفيف الحمل عن كاهل آخرين أو التعريف بمعاناتهم في ظل الحرب والنزوح وخيبة الأمل، ورغم ما تمثله من إلهام، إلا أنها تظل نذراً يسيراً من مقدار الجهود والتضحيات التي تواصل ملايين السودانيات في تقديمها، دون أن تُعرف أسماؤهن، أو تتوجن بجوائز. 

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع
أخبار بيم

مبادرة حكومة إدريس لوقف إطلاق النار على طاولة مجلس الأمن.. وتحذيرات من انهيار الدولة بفعل «التدخلات الخارجية»

كامل إدريس يطرح «مبادرة السودان للسلام» أمام مجلس الأمن أكد رئيس الوزراء المعيّن في السودان، كامل إدريس، في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي بنيويورك، أن

المزيد