Day: April 8, 2026

كيف وُظِّفَ الحرمان من المياه سلاحًا في حرب السودان؟

منذ اندلاعها في العاصمة السودانية الخرطوم، منتصف أبريل 2023، ومن ثم تمددها سريعًا إلى جغرافيا البلاد المختلفة، لم تقتصر الحرب على الاشتباكات العسكرية فحسب، بل اتخذت من البنية التحتية فضاءً للسيطرة والنفوذ العسكري والسياسي، والتحكم في حركة السكان ومعيشهم اليومي. وفي هذا السياق، برزت السيطرة على موارد المياه هدفًا رئيسيًا، وصارت محطات المياه وشبكات الإمداد أهدافًا عسكرية وأدوات ضغط.

ففي العاصمة الخرطوم، سيطرت قوات الدعم السريع على عدد من المحطات الحيوية في بحري وبري وبيت المال، قبل أن تُحكم قبضتها في يونيو من العام نفسه على محطتي المقرن، اللتين تغذيان مساحات واسعة من الولاية. وخلال أشهر قليلة، وجد نحو 70% من سكان الخرطوم أنفسهم خارج نطاق إمدادات المياه المنتظمة، في مؤشر مبكر على تحوّل هذا المورد الحيوي إلى سلاح حرب. الأمر الذي لم يقتصر على العاصمة، بل امتد إلى أقاليم أخرى، حيث أظهرت الوقائع نمطًا متكررًا: السيطرة على مصادر المياه، أو تدميرها، أو تعطيلها عبر استهداف محطات الكهرباء التي تعتمد عليها.

حصار العطش في إقليم دارفور

ففي مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، أدى هجوم الدعم السريع، في أبريل 2024، إلى قطع الكهرباء والمياه، وإطلاق النار على مدنيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مصادر المياه. لاحقًا، تحولت محطة المياه الرئيسية إلى موقع عسكري، بينما تعرضت مصادر أخرى للتخريب المتعمد، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الإمداد، كما استولت على مصادر المياه أو ألحقوا بها أضرارًا متعمدة، مما أدى إلى تعطيل المضخات وجعلها غير صالحة للاستخدام.

تكرر نفس النمط في مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، إذ لم يكن حصار الدعم السريع للمدينة، على مدى 18 شهرًا قبل اجتياحها في أكتوبر 2025، مقصورًا على القتال وقطع الطريق على إمدادات المدينة بمتطلبات الحياة اليومية فقط، بل شملت الحرب كذلك خزان “قولو” — المصدر الرئيسي للمياه، والواقع على بعد 15 كيلومترًا غرب المدينة. والذي عملت الدعم السريع على السيطرة عليه، في سعيها للتحكم في شريان الحياة للمدينة، بينما كثّف الطيران الحربي التابع للقوات المسلحة ضرباته لمنع هذه السيطرة، ليعيش سكان الفاشر حصار النار والجوع والعطش كذلك.

مدينة الأبيض ..اتساع العطش القديم

تبرز مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، بوصفها نموذجا صارخا لهذه الأزمة، وذلك من عدة عوامل متداخلة؛ فالمدينة تعاني من قبل الحرب أزمات مياه ممتدة في تاريخها، ما جعل من فترة الحرب تأزيمًا لوضع قائم في الأساس، الأمر الآخر هو استضافة المدينة نحو مليون نازح فرّوا من مناطق القتال، في وقت تعاني فيه المدينة نقصا حادا في إمدادات المياه يقدَّر بنحو 50% عقب سيطرت الدعم السريع على محطات المياه الرئيسية، وتدمير جزءًا مقدرًا من بنيتها التحتية.

استجابةً لهذا الوضع، سعت هيئة المياه إلى تدارك العجز عبر التوسع في حفر الآبار الجوفية داخل المدينة، غير أن ارتفاع نسب ملوحة المياه في المدينة يجعل معظم المياه بحاجة إلى عمليات تحلية ومعالجة إضافية. بالإضافة إلى ذلك، ومع استقبال المدينة لأعدادٍ كبيرة من النازحين الفارين من مدنٍ وقرى مجاورة إلى داخل المدينة، ما قلص حصة الفرد من المياه إلى مستويات منخفضة، وسط ضغط متزايد على مراكز الإيواء، مما خلق أزمات معقدة، ليس في مياه الشرب فقط، بل تتجاوز العطش لتشمل مخاطر صحية وبيئية متفاقمة.

لمحة عن تاريخ حروب الموارد

يكتسي تاريخ السودان نزاعاتٍ وحروب عديدة، تتقاطع بصورة أساسية مع النزاع والصراع على موارد المياه، والمتفحص للحرب في جنوب السودان، يجد أن من ضمن أسبابها الرئيسية هو الخلاف حول تخطيط قناة جونقلي، إذ وصف المشروع بغير المراعي لمصالح الناس على امتداد طول القناة، ليتوقف في العام 1983 بعد اندلاع الحرب. 

وفي إقليم دارفور هناك تاريخ طويل ما بين الصراعات والتغيرات المناخية وموجات جفاف منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر (ما عرفت بمجاعة سنة ستة 1888 – 1889 التي عمت كل السودان)، وموجات الجفاف التي ضربت الإقليم بعدها وصولًا إلى العام 1973 الذي أصيب فيه الإقليم بواحدة من أقسى المجاعات وأخرى أكثر قسوة تسببت في موت 100 ألف شخص ما بين عامي 1984 – 1985، وهو ما كان جزءًا من صراعاتٍ طويلة مرتبطة بالمعيش الاجتماعي والاقتصادي لقطاعات الرعي والزراعة.

تُظهر نتائج بحثٍ سابق أجراه فريق سوداليتكا في يونيو 2025 حول ندرة المياه والتغير المناخي في سياق حرب أبريل 2023، أن الحرب في السودان أدت إلى تفاقم حاد في أزمة المياه، من خلال تدمير البنية التحتية وتعطيل شبكات الإمداد الرسمية، مما دفع السكان للاعتماد بشكل متزايد على مصادر بديلة، وعلى رأسها المياه الجوفية والآبار. حيث أصبحت الآبار في العديد من المناطق المصدر الرئيسي لمياه الشرب والاستخدامات اليومية، إلا أن هذا الاعتماد المتزايد يطرح تحديات كبيرة تتعلق باستدامة هذه الموارد واحتمالات نضوبها، خاصة في ظل غياب إدارة فعالة للموارد المائية.

لم يقتصر تأثير الحرب على ندرة المياه، ففي الوقت ذاته، ساهمت الحرب في زيادة المخاطر الصحية المرتبطة بالمياه. إذ كشفت النتائج عن تدهور واضح في جودة المياه، حيث اضطر العديد من السكان إلى استخدام مصادر غير آمنة مثل البرك السطحية ومياه الأمطار غير المعالجة والخزانات المفتوحة، نتيجة انقطاع الإمدادات المنتظمة. هذا الوضع زاد من مخاطر التلوث، خاصة في ظل القرب بين مصادر المياه ومواقع الصرف الصحي أو الأنشطة البشرية الأخرى، مما يرفع احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الكوليرا والتيفويد. وبالتالي، لم تعد الأزمة مقتصرة على ندرة المياه، بل امتدت لتشمل سلامتها وجودتها.

إلى جانب ذلك، ساهمت الحرب في تعميق اختلالات توزيع المياه بين المناطق، حيث تعاني بعض الولايات – خاصة المناطق الريفية والنائية – من ضعف أكبر في الوصول إلى مصادر مستقرة وآمنة. كما أن تضرر شبكات المياه واعتمادها على الكهرباء في التشغيل جعل الإمدادات أكثر هشاشة، خصوصًا مع الانقطاعات المتكررة للطاقة. هذا التداخل بين تدمير البنية التحتية وأزمة الطاقة أدى إلى تقليص كميات المياه المتاحة وزيادة عدم انتظامها. في هذا السياق، تصبح أزمة المياه في السودان نتاجًا مركبًا لتداخل عوامل الحرب، والبنية التحتية الهشة، والتغيرات المناخية، مما يجعل معالجتها تحديًا معقدًا يتجاوز الحلول قصيرة المدى.

تفاقم الأزمة داخل معسكرات النازحين

في مخيم “طينة” على الحدود التشادية، حيث يواجه اللاجئون السودانيون شحا حادا في المياه الصالحة للشرب، وتضطر العائلات للاصطفاف لساعات طويلة من أجل الحصول على كميات محدودة لا تلبي احتياجاتها اليومية.

المياه ومصر وإثيوبيا…تداعيات إقليمية

لا تنحصر مسألة الماء ومصادره داخليًا فقط، بل تتجاوز الحدود إلى دول الجوار وذلك نسبة لموقع السودان في المنطقة، فمع اعتباره أحد دول مصب نهر النيل، علاوةً على حدوده المشتركة مع 7 دول تواجه تحديات أمنية مشتركة، يبرز اسما مصر وأثيوبيا بشكلٍ كبير نسبة لسد النهضة الذي شيدته اثيوبيا. فالبنسبة لمصر والسودان اللتين تشكلان دولتا مصب، فلطالما كانت هناك تخوفات من تعرض إمدادات المياه لتهديدات من مشروع سد النهضة الإثيوبي وأي توتر في العلاقات بين الخرطوم والقاهرة قد يعرقل جهودهما للتوصل إلى اتفاق بشأن السد. من جهة أخرى، تضع أثيوبيا تركيزها على حرب السودان وتركز اهتماماتها الرئيسية في تأمين حقوق المياه لسد النهضة الإثيوبي.