الحرب في السودان.. ثلاث سنوات من الفقد والتهجير وأمل العودة
كان الرصاص أسرع من إيقاع عملية سياسية قادتها قوى سياسية محلية ومنظمات إقليمية ودولية ووسطاء آخرون لتجنب اندلاع صراع مسلح في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كاد أن يُرى بالعين في الأشهر الأولى لعام 2023.
فشلت التحركات التي قادتها قوى الحرية والتغيير، آنذاك، في إنهاء التوترات العسكرية العلنية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عبر التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يفضي إلى دمج قوات الدعم السريع في الجيش وبدء عملية تحول ديمقراطي.
وبدلًا من المضي إلى اتفاق سياسي، جاءت الرصاصة الأولى التي وُثق انطلاقها في جنوبي الخرطوم في صباح 15 أبريل، لتفجّر حربًا معلنة سلفًا، حربًا خيضت كلاميًا طوال الأشهر الأولى من عام 2023، قبل أن تندلع وتعيد تعريف كل شيء في ثلاث سنوات، وتصبّ مزيدًا من النار على بلاد ما فتئت تفتك بها الحروب الداخلية لأكثر من 70 عامًا.
وفيما كانت العاصمة السودانية الخرطوم في يوم عطلة رسمية، ويعيش الملايين من سكانها في أجواء العشرة الأواخر من شهر رمضان، اندلعت الحرب في نحو الساعة التاسعة من صباح السبت الموافق الخامس عشر من أبريل 2023.
يقول أويس صلاح العراقي، وهو أحد مواطني مدينة الخرطوم، إنه نزح بعد أسبوع من اندلاع الحرب من منزله بحي الديوم الشرقية وسط الخرطوم، القريب من منطقة وسط المدينة التي شهدت المعارك الأولى، ليصل هو وعائلته في بداية الأمر إلى حي الصحافة ثم حي جبرة جنوبي العاصمة، وعندما وصلت المعارك إلى هناك غادر إلى وادي حلفا، وبعد تسعة أشهر دخل مصر لاجئًا. وعاد منها الأسبوع الماضي إلى الخرطوم، بعد سنوات، حاملًا حكايات مريرة عن النزوح واللجوء والعودة.
يقول العراقي إن اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 ما يزال محفورًا في ذاكرته. ويعود بالذاكرة إلى الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم، حين سمعوا لأول مرة أصوات إطلاق أعيرة نارية من ناحية شارع المطار والقيادة العامة للجيش. وذكر إحساسهم بالخوف والذعر في اليوم الأول للحرب، قائلًا: «ظللنا داخل المنزل في محاولة لاستيعاب الوضع، وعندما فتحنا القنوات الأجنبية علمنا باندلاع اشتباكات بين الجيش والدعم السريع».
يضيف العراقي: «بقينا أسبوعًا، وظهرت لنا خلاله بعض المشاهد، إذ بدأ بعض الجنود العبور بشوارع الحي، مع وقوع اشتباكات داخل الأحياء»، مشيرًا إلى أنها كانت تجربة مريرة، فقد قُتل بعض الجنود أمام باب منزله، مع استمرار سقوط القذائف.
وأوضح العراقي أن أول فكرة راودتهم كانت الخروج من مناطق الخطر إلى مناطق آمنة، فانتقل رفقة أسرته إلى منطقة الصحافة، ومنها مع تدهور الأوضاع إلى شرق النيل في منطقة سوبا، ثم عادوا إلى منطقة جبرة مرة أخرى. ويتابع: «حينها اتخذت قرارًا بمغادرة البلاد، إذ توصلت إلى قناعة بأن الحرب قد تأخذ وقتًا طويلًا، بحكم متابعتي للأحداث، بالإضافة إلى أن الدعم السريع كانت قوة كبيرة جدًا ولا يمكن مقارنتها بالحركات المسلحة، إذ وصلت إلى ما يقارب مرحلة الجيش الموازي».
توجه العراقي رفقة عائلته إلى مدينة وادي حلفا شمالي السودان. وسافرت عائلته إلى مصر، فيما بقي هو في وادي حلفا في انتظار تأشيرة الدخول تسعة أشهر، موضحًا أنها كانت تجربة مريرة جدًا.
وأشار العراقي إلى أنه بدأ رحلة جديدة بعد دخوله مصر، مع بروز تحديات أخرى تتعلق بالحصول على سكن ملائم، ومعاناة لإلحاق أطفاله بالتعليم، ومشكلات أخرى.
ولفت العراقي إلى أنه بدأ يدرس الوضع في السودان على أمل العودة، لافتًا إلى أن العودة كانت رحلة أخرى، وذلك بعد عودة الخدمات إلى المدينة، بما في ذلك المياه والكهرباء.
شرع العراقي بعد عودته في رحلة تأسيس منزله من الأول لتوفير الحد المعقول من الحياة مقارنةً بما قبل النزوح واللجوء، مؤكدًا أن التجربة التي عاشها في السنوات الثلاث الماضية في عمومها مريرة جدًا ومليئة بالمآسي كحال جميع السودانيين. ولكنه مع ذلك يشعر بإحساس عميق كونه عاد إلى المدينة على أمل أن تهيئ السلطات الأوضاع أكثر، بما يمكن الناس من استعادة حياتهم.
تمدد الحرب
قبل أن تنجلي الصورة في تلك الساعات من صباح السبت 15 أبريل 2023 في الخرطوم، كانت شرارة الحرب قد انتقلت إلى بورتسودان شرقًا والجنينة غربًا، مرورًا بكل المناطق التي تنتشر فيها قوات الدعم السريع. ومن ثم احترقت البلاد بحربها الداخلية الرابعة منذ الاستقلال، ولم يعد من صوت يعلو صوت المعركة.
في دارفور غربي السودان، بدت الصورة أكثر قتامة في منطقة شهدت حربًا طوال العشرين سنة الأخيرة، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص.
يقول الناطق الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، إن النزوح واللجوء أجبر المواطنين على ترك مصادر دخلهم وأعمالهم، بدلًا من أن يساهموا في اقتصاد الدولة بدفع الضرائب.
وأكد رجال أن القرارات غير المدروسة حولت كل هذه القوى العاملة والمنتجة إلى أشخاص بلا عمل يقبعون في سجون كبيرة، بالاعتماد على المنظمات والمجتمع الدولي، محذرًا من أن البلاد تشهد انهيارًا شبه كامل في جميع المناحي، بما في ذلك الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وأوضاع التعليم.
ولفت رجال إلى تأثر المجتمعات في دارفور بالحروب قبل حرب 15 أبريل 2023، خاصة الأطفال والنساء، مشيرًا إلى أن الحرب الأخيرة ضاعفت معاناتهم. «قبل الحرب الأخيرة، كان سكان دارفور ينتظرون المحاسبة، وبلوغ دولة المواطنة المتساوية»، يقول رجال، ويضيف: «لا توجد دولة الآن».
وعدّ رجال الحركةَ الإسلامية رأس الرمح في صناعة كل هذه المعاناة والحروب وكل الظروف التي تضرب السودان حاليًا، محذرًا من أن استمرار الحرب يزيد من تعقيد أوضاع النازحين. وقال إن أوضاعهم حاليًا أسوأ بكثير مما كانت عليه في السنوات الماضية، إذ غابت المنظمات والمانحين وتقلصت المساعدات الإنسانية بنسبة 50% في وقت لا يملك فيه النازحون القدرة ولا الإمكانات لسد هذه الفجوة الكبيرة، مما ينذر بعواقب وخيمة جدا وأوضاع كارثية، بحسب تعبيره.
كما أشار رجال إلى أن الحرب الحالية عمقت أوضاع المدنيين والنازحين عبر استخدام الأطراف المتحاربة الطائرات المسيّرة بكثافة، دون أن يفكروا في أوضاع النازحين والمجتمعات المضيفة، مما اضطر كثيرين إلى النزوح أكثر من سبع مرات.
صحيًا، أبدى رجال تخوفه من انهيار الوضع الصحي، فيما تعاني المجتمعات ظروفًا صعبة وقاسية، مشيرًا إلى الأوضاع في تجمعات النازحين أصبحت مزرية للغاية.
وحثّ رجال، الذي تحدث إلينا من منطقة نيرتتي بولاية وسط دارفور، والخاضعة لسيطرة حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور – حث الأطراف المتحاربة على مراجعة حساباتهم فيما يتعلق باستمرار الحرب، داعيًا إياهم إلى مساعدة المجتمع والشعور بمعاناة الناس.
وناشد رجال المجتمعَ الدولي بالتحرك والضغط على أطراف الصراع كافة، مؤكدًا أن الحل لا يأتي عبر الحروب، بل عبر تفاوض يفضي إلى سلام شامل وعادل، داعيًا إلى بناء مؤسسات قومية تسع الجميع، بعد انتهاء الحرب التي رأى أنها الخطوة الأولى.
كذّبت حرب أبريل آمال الملايين بعدم اندلاعها، رغم التوترات العينية، وتحولت آمالهم بالسلام إلى آلام أثقلها الموت والنزوح واللجوء، وفقدان مصادر الدخل والأمان والمنازل والمدارس والجامعات، فقدان حياة كاملة.