Day: April 21, 2026

حملة رقمية منسّقة تروّج لتحالف بين الجيش السوداني والنظام الإيراني في خضم الصراع الإقليمي

في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رصد فريقنا حملة تضخيم رقمية مدعومة من حسابات مؤيدة لقوات الدعم السريع، تهدف إلى ترويج سردية تربط الجيش السوداني وجماعة الإخوان المسلمين في السودان بالنظام الإيراني، لا سيما الحرس الثوري الإيراني، في سياق التصعيد العسكري في المنطقة.

وتأتي هذه الحملة بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، إذ استغلت مجموعة من الحسابات المعروفة بدعمها لقوات الدعم السريع التصعيد الإقليمي لإطلاق موجة من المحتوى المكثف، تروّج مزاعم بشأن تدخل مباشر أو غير مباشر من قبل الجيش السوداني وجماعة الإخوان المسلمين السودانية في الحرب المرتبطة بإيران. وصاحب ذلك نشاط ملحوظ يهدف إلى إعادة تدوير هذه السردية ونشرها على نطاق واسع، ليس فقط في الفضاء السوداني، بل أيضًا باتجاه جمهور إقليمي ودولي.

ويشير هذا النمط من السلوك الرقمي إلى محاولة واضحة لاستثمار النشاط الإعلامي العالمي المرتبط بالصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من الجهة الأخرى، عبر ربط الفاعلين المحليين في السودان بسياق جيوسياسي أوسع، بما يسهم في إعادة تشكيل التصورات العامة بشأن طبيعة الصراع. كما يشير الانتشار السريع والمتزامن للمحتوى، خاصة على منصة «إكس»، إلى احتمال وجود تنسيق شبكي يهدف إلى تضخيم الرسائل وإكسابها مصداقية زائفة من خلال كثافة التكرار.

خلفية تاريخية:

اتسمت العلاقات السودانية الإيرانية بتقلبات عديدة، لكنها شهدت سنوات من الاستقرار خلال حكم عمر البشير في ظل تقارب سياسي وأمني، شمل تعاونًا مع الحرس الثوري الإيراني. غير أنّ العلاقة تراجعت تدريجيًا تحت ضغوط إقليمية ودولية، لتصل إلى القطيعة في عام 2016، ثم عادت العلاقات السودانية الإيرانية بعد أكثر من ثماني سنوات، وتبادل الطرفان السفراء في عام 2024.

فتحت عودة العلاقات في ظل الحرب الدائرة في السودان الباب على مصراعيه أمام كثير من التكهنات بشأن الدواعي والأسباب. وتناولت تقارير عديدة دعم إيران المباشر للجيش السوداني، في مساعي لاستغلال الحرب في السودان لترسيخ وجودها في البحر الأحمر، وتزامن ذلك مع تصاعد الخطاب الإقليمي المرتبط بدور إيران في نزاعات المنطقة. وأسهم هذا التداخل بين السياقين المحلي والإقليمي في خلق بيئة مواتية لانتشار معلومات مضللة أو مبالغ فيها، تُستخدم لتوجيه الرأي العام وخدمة أهداف سياسية محددة.

منذ اشتعال الصراع في المنطقة، أعلنت الحكومة السودانية التي يقودها الجيش «إدانتها للاعتداء الإيراني على دول قطر والكويت والبحرين والأردن». كما أحالت قيادة الجيش ضابطًا إلى التقاعد عقب ظهور إعلامي صرح فيه بأن «إيران قادرة على استهداف محطات تحلية المياه في دول الخليج كافة، مما سيودي بحياة 90% من سكانها».

تحليل ديناميات التضخيم الرقمي للسرديات المرتبطة بإيران والسودان

لاحظ فريق المرصد نشاط عديد من الحسابات على منصة «إكس»، عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إذ نشرت حسابات إماراتية داعمة لـ«الدعم السريع»، منها حساب Rauda Altenaiji الذي رصد «مرصد بيم» نشاطه التضليلي من قبل. نشاط الحساب في الترويج لدعم الحرس الثوري الإيراني للحرب في السودان، عبر تزويد الجيش بطائرات مسيّرة والتنسيق مع الكتائب المرتبطة بالإسلاميين، مع تأكيد أن هذا التعاون هو ما أطال أمد الحرب في السودان. كما أشار الحساب إلى مقطع مصور نشره حساب باسم Center for Peace Communications يتحدث فيه أبو بكر عبد الرحمن، القيادي في تحالف «السودان التأسيسي»، عن دور الحرس الثوري الإيراني في السودان، ويزعم فيه أن الجيش السوداني يتلقى تمويلًا من إيران والحرس الثوري الإيراني. غير أنّ الحسابين أوردا هذه المعلومات دون أدلة تثبت صحتها.

وجدير بالذكر أن حساب Rauda Altenaiji كان جزءًا من حملة تضليل رصدها «مرصد بيم»، على رأسها حسابات إماراتية، روّجت أنّ السودان أصبح «مركزًا جديدًا لتجارة المخدرات في إفريقيا، في ظل اتهامات للجيش السوداني، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، بالتعاون مع كارتل Clan del Golfo الكولومبي، أحد أكبر مافيات المخدرات في العالم»، ونسبت هذه المعلومات إلى تقارير إعلامية. ووظفت الحملة معلومات مجتزأة من تقارير بحثية، لأغراض التضليل، وذلك عبر اجتزاء الوقائع وإعادة صياغتها لخدمة سرديّات سياسية موجّهة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المقطع الذي تحدث فيه أبو بكر عبد الرحمن شاركته، بكثرة، حسابات داعمة لـ«الدعم السريع» وحسابات إسرائيلية، مما أسهم في انتشاره على نطاق واسع.

وفي ذروة الصراع الإقليمي، رصد فريق المرصد منشورًا تداولته العديد من الحسابات على منصة «إكس» يفيد بأنّ السودان سينحاز إلى إيران في حال شنت عليها الولايات المتحدة هجومًا بريًا. وجرى إعادة نشر هذا المحتوى وتداوله على نطاق واسع من قبل حسابات عديدة، مما أسهم في تضخيمه في الفضاء الرقمي، في محاولة لتكريس سردية مفادها وجود اصطفاف سياسي وعسكري سوداني إلى جانب إيران.

ولاحظ فريقنا أيضًا مساهمة حسابات إيرانية في تضخيم هذه السردية، مثل حساب Iran Army، في غياب تأكيدات رسمية تدعم صحة هذه الرواية، ومع تجاهل إدانة السودان للاعتداء الإيراني «غير المشروع» على دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، إذ أكدت الخارجية السودانية، في بيان أصدرته عشية اندلاع الصراع، وقوفها التام مع سيادة هذه الدول وسلامة أراضيها. كما دعت إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي السياق نفسه، شاركت حسابات على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، مثل حساب Sudan News 24، مقالًا قديمًا نشرته صحيفة The Jerusalem Post الإسرائيلية التي تصدر باللغة الإنجليزية، في يوليو 2025. وتقول فيه إنه بات جليًا أن «السودان لم يعد مجرد بؤرة حرب أهلية إفريقية أخرى، بل أضحى معقلًا لحملة إيران الإرهابية العالمية ضد إسرائيل والغرب». وتشير إلى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بوصفه «الشخصية المحورية في هذا التحول»، محذرةً من أن بقاءه في السلطة يعزز مساعي طهران إلى تطويق الدولة اليهودية وإضعافها، وصولًا إلى تدميرها.

وأعيد نشر المقال وتداوله بكثرة، بالتزامن مع الصراع الإقليمي، لتعزيز السردية وربط السودان كليًا بإيران في سياق الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة عليها.

نشاط إعلامي مصاحب:

في ذروة نشاط الحملة، رصد فريقنا تقارير بثتها قناة «سكاي نيوز – عربية»، تناولت أبعادًا إقليمية للصراع، بما في ذلك طرح معلومات وتحليلات بشأن تعاون محتمل بين الجيش السوداني وطهران. واعتمدت في تقاريرها على مصادر متنوعة، بعضها غير معلن أو قائم على تسريبات وتحليلات أمنية. 

وتزامنت تغطية «سكاي نيوز»، على نحو لافت، مع الحملة، وحرصت على ربط السودان والجيش السوداني بإيران، بما في ذلك التقرير الذي بثته في 19 مارس الماضي، ولفتت فيه إلى «تصاعد النفوذ الإيراني في السودان»، مشيرةً إلى ظهور القائم بالأعمال الإيراني في مائدة إفطار لحركة العدل والمساواة التي يقودها وزير المالية جبريل إبراهيم، مما يُعدّ –بحسب التقرير– إشارة إلى تقارب سوداني إيراني. ولفت التقرير إلى أن طهران تسعى إلى إعادة تفعيل خطوط لوجستية عبر تعزيز العلاقات مع «جماعات الإسلام السياسي السودانية المتجذرة في المؤسسة العسكرية السودانية»، بحسب وصف التقرير. وذكر التقرير أن الحضور الإيراني يهدف إلى تأمين موطئ قدم إستراتيجي في المنطقة.

واستمرت «سكاي نيوز» في تغطيتها التي حرصت فيها على ربط السودان بحرب إيران بصورة واضحة، إذ بثت في السادس من مارس الماضي تقريرًا لفتت فيه إلى تزايد التحذيرات من احتمال تحول السودان إلى ساحة صراع غير مباشر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، مشيرةً إلى ما وصفته بـ«تنامي النفوذ الإيراني في السودان» في ظل الحرب الداخلية. وعرضت القناة مقاطع فيديو لعناصر محسوبة على التيار الإسلامي يعلنون فيها استعدادهم للقتال إلى جانب إيران، لتعضيد هذه السردية.

ولم تكن محاولات ربط الجيش السوداني بالنظام الإيراني وليدةَ الصراع الأخير، بل طُرحت سابقًا في أوقات متفرقة، من قبل قناة «سكاي نيوز – عربية»، إذ بثت تقريرًا، في أكتوبر 2025، تناول «الدعم العسكري المتواصل» الذي يتلقاه الجيش السوداني من طهران، فضلًا عن علاقته بتنظيم الإخوان المسلمين في السودان،  لكن الصراع في الشرق الأوسط وفّر بيئة مواتية لتوسيع انتشار هذه السردية.

في السياق نفسه، لاحظ فريقنا نمطًا مشابهًا في معالجة قناة «العين الإخبارية» لهذا الملف، إذ اتجهت القناة إلى بث محتوى يحمل طابعًا تضخيميًا، يركّز على تعزيز فرضية وجود تعاون بين الجيش السوداني وإيران. وبثت القناة تقريرًا أشارت فيه إلى «تصاعد التنسيق العسكري والسياسي بين الجيش السوداني وإيران»، بما في ذلك تزويد طهران الجيشَ السوداني بمسيّرات، مما يثير مخاوف من «تحالفات مشبوهة» مع الإخوان المسلمين في السودان. وذكرت القناة أن هذا التنسيق يأتي في سياق توسيع الصراع في الشرق الأوسط وإطالة أمده، وسط تحذيرات من استغلال إيران للسودان لتهديد أمن الطاقة.

واللافت في تغطية هذه القنوات هو تزامنها اللافت مع التطورات في الشرق الأوسط ونشاط حملة التضخيم على منصتي «إكس و«فيسبوك».

ربط هزيمة إيران بالشأن السوداني: 

على الصعيد نفسه، روّجت حسابات على منصة «إكس» سردية تربط بين التطورات المتعلقة بإيران والسياق السوداني، مع تصوير أيّ هزيمة أو تراجع إيراني ضربةً قاصمةً لـ«الذراع العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في السودان»، مع إيحاء بامتداد نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش السوداني.

وتتوسع هذه السردية لتطرح تصورات تدعو إلى اجتثاث هذه الفصائل وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، عبر تفكيك بنيتها الحالية، وتأسيس جيش مهني غير مؤدلج، بالتوازي مع الدفع نحو انتقال مدني ديمقراطي. ويُعد هذا الخطاب محاولة لإعادة تأطير الصراع السوداني ضمن سياق إقليمي أوسع، يُربط فيه الفاعلون المحليون بصراعات خارجية.

يكشف تحليل المرصد، بوضوح، عن حملة تضخيم واسعة في خضم التطورات العسكرية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، إذ جرى توظيف سرديات أوسع وربطها بالسياق السوداني، مع محاولات ترويج أن الجيش في السودان حليف عسكري وأيديولوجي للنظام الإيراني، وذلك لخلق صورة ذهنية لدى المتلقي بشأن موقف السودان من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. 

منذ اندلاع الحرب في البلاد، اتجه قادة الجيش السوداني تدريجيًا نحو تعزيز علاقاتها الإقليمية. غير أنّ هذا التوجّه أضحى أكثر وضوحًا في الآونة الأخيرة مع تقارب أوثق مع المملكة العربية السعودية، خاصةً في سياق مواجهة قوات الدعم السريع التي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مدعومة من الإمارات. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الحملة الرقمية التي تربط الجيش السوداني بإيران بوصفها جزءًا من مساعٍ لإعادة تشكيل صورة الجيش إقليميًا، وربما تقويض التقارب السوداني – السعودي أو التشويش عليه، فضلًا عن أهداف أخرى تتصل بالتأثير في معادلات التحالفات والسرديات داخل المشهد الإقليمي.

وتُظهر هذه المحاولات نمطًا من إعادة تأطير الصراعات المحلية ضمن سياقات إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا، بما يسهم في تضخيم الروايات وتوجيهها نحو أهداف سياسية وإعلامية محددة.