«ملاذ آمن» وعفو من الجيش لمنشقي الدعم السريع… كيف يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا؟
«يحدث دائمًا، في سياق النزاعات المسلحة الداخلية، أن تقدم بعض قادة الجماعات المسلحة أو المليشيات على عقد صفقات للانضمام للحكومة، وهو عمل أمني وسياسي في الدرجة الأولى، لكن يظل سؤال العدالة قائم على الدوام. إذ لا يمكن لبعض الجرائم أن تسقط بالعفو مثل الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وغيرها من الجرائم الخطيرة، وكذلك الجرائم الخاصة بالأفراد، حيث يظل الحق خالصًا لهم وحدهم» هكذا يوضح المحامي والحقوقي، عبد الباسط الحاج، الجوانب القانونية بشأن انشقاقات قادةً من قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش.
ففي 11 أبريل الماضي انشق القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع، النور القبة، والذي يعد من أبرز قادة الدعم السريع الذين شاركوا في معارك الفاشر بولاية شمال دارفور، قبل أن يصل مدينة دنقلا شمالي السودان في 19 من الشهر نفسه ويلتقي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في أكبر انشقاق يطال القوات منذ انشقاق قائد قوات درع السودان، أبوعاقلة كيكل، في أكتوبر 2024.
وبعد شهر فقط، وفي 11 مايو الحالي انشق القائد الميداني في قوات الدعم السريع، علي رزق الله المعروف بالسافنا. والذي وصف انشقاقه بأنه « يمثل ضربة قاصمة لقوات الدعم السريع». قاتل السافنا بشكل أساسي في محور كردفان، قبل أن يصل الخرطوم في 15 مايو ويعلن انضمامه للجيش.
بداية الانشقاقات
بدأت سلسلة الانشقاقات في صفوف الدعم السريع، في أكتوبر من العام 2024، حينما أعلن أبو عاقلة كيكل انشقاقه وانحيازه للجيش السوداني.
وقد شغل كيكل منصب قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة في أعقاب استيلائها على الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش بمدينة ود مدني في 18 ديسمبر 2023. وبعد انشقاقه، أعلن الجيش السوداني، في 20 أكتوبر من نفس العام، عن عفوٍ عام مقدم من القائد العام عبد الفتاح البرهان «لكل متمرد ينحاز لجانب الوطن ويبلغ لأقرب قيادة عسكرية بكل مناطق السودان» ما أثار حينها الكثير من الأسئلة حول المسؤولية القانونية والجنائية بشأن ارتكاب كيكل وقواته انتهاكات واسعة النطاق ضد حقوق الإنسان، شملت القتل والاغتصاب والنهب والاعتقال وغيرها من الجرائم الكبيرة.
في الآن ذاته، لم تنحصر حينها الانشقاقات فقط على القادة العسكريين، بل شمل قادة سياسين كذلك، حيث أعلن خمسة مستشارين في الدعم السريع، خلال مؤتمر صحفي في مدينة بورتسودان انسلاخهم، وعقدوا بعدها لقاءً مع البرهان.
ويعد قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل أول القادة البارزين الذين استفادوا من قرار القائد العام للجيش منذ انشقاقه عن قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024، حيث أصبح من القادة البارزين ضمن القوات المتحالفة مع الجيش، وقاتل معه في ولايات الجزيرة والخرطوم وكردفان.
للمزيد، يمكن الاطلاع على تقرير بيم ريبورتس عن انشقاق كيكل وانضمامه إلى الجيش:
ملامح انشقاقات قادمة
وقد قال مصدرٍ سياسي تحدث لبيم ريبورتس من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور «تسبب سلوك نائب قائد قوات الدعم السريع عبدالرحيم دقلو تجاه المجموعات المكونة للقوات التي تقاتل بشكل لا مركزي، والمحاباة في التسليح ومنح العتاد العسكري، فضلًا عن نقص التسليح في الفترات الأخيرة، في موجة الانشقاقات الأخيرة»
في وقتٍ توقع فيه المصدر استمرار عملية الانشقاقات، مشيرًا إلى وجود اختراقات داخل صفوف قوات الدعم السريع، لافتًا إلى أن استمرار الهجمات الجوية العنيفة على نيالا يهدف إلى دفع القادة السياسيين والعسكريين إلى مغادرتها، مؤكدًا وجود تصعيد عسكري كبير من الجيش في المدينة.
من جهةٍ أخرى، جاء انشقاق السافنا وقبله القبة في إطار التحولات التي أعقبت اجتياح قوات الدعم السريع بادية مستريحة، مقر الزعيم الأهلي وناظر قبيلة المحاميد موسى هلال، والتي أثارت غضب عدد من المجموعات المقاتلة ضمن صفوف الدعم السريع.
للمزيد، يمكن الاطلاع على تقرير بيم ريبورتس بشأن تاريخ موسى هلال:
فالسافنا يعد أحد المقربين من هلال وتعرض في عام 2017 إلى الاعتقال والترحيل رفقته خلال هجوم دام شنته قوات الدعم السريع على بادية مستريحة في ذلك الوقت، حيث تم نقلهما بطائرة خاصة إلى أحد سجون العاصمة الخرطوم والذي ظل فيه حتى العام 2022 ليظهر لحظة اندلاع الحرب ضمن صفوف الدعم السريع.

موسى هلال
وقد أكد مصدرنا من نيالا على أن الهجوم على مستريحة، في فبراير الماضي، لعب دورًا كبيرًا في عملية الانشقاقات ذات الطابع القبلي حيث ينتمي القبة والسافانا لمجموعة المحاميد التي يتزعمها هلال، مرجحًا وجود تفاهمات بواسطة هلال دفعت كل من القبة والسافنا إلى الانشقاق من قوات الدعم السريع.
وكان القبة قد اتهم في مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم في 29 أبريل الماضي دولة الإمارات بقيادة مخطط يهدف إلى السيطرة على البلاد، مشيرًا إلى أن الخطة البديلة للإمارات تتجه نحو تقسيم البلاد على حد قوله.
وجاء حديث علي رزق الله (السافنا) في ذات السياق، مؤكدًا أنه سيقود عمليات قتالية إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة لدحر قوات الدعم السريع عن مناطق كردفان ودارفور وحتى أم دافوق خلال الفترة المقبلة.
في الجهة المقابلة، تحاول قوات الدعم السريع التقليل من حجم هذه الانشقاقات واعتبارها غير مؤثرة في تماسكها الداخلي، حيث وفي رد فعلها على انشقاق النور قبة، جردت قوات الدعم السريع القبة من رتبته واعتبرته مطلوبًا للمحاكمة.
وقال مستشار قائد قوات الدعم السريع، الباشا طبيق، إن المنشقين من القوات لا يمتلكون أي تأثير حقيقي على المشهدين السياسي أو العسكري، حسبما قال في منشور على صفحته بمنصة إكس.
سؤال المسؤولية والمحاسبة
أثار انضمام المنشقين من الدعم السريع إلى الجيش السوداني، وما يزال يثير الكثير من التساؤلات والجدل القانوني، بشأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين ومصير العدالة مستقبلًا، وحتى أثناء الحرب.
وبينما أصدرت محاكم سودانية، بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، مئات الأحكام بحق مواطنين سودانيين بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع شملت الإعدام والسجن المشدد. في وقتٍ يستفيد القادة العسكريين المنشقين من القوات من العفو العام الذي أصدره القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان مقابل القتال إلى جانب الجيش.
حيث شمل العفو العام عن القادة الثلاثة المنشقين عن قوات الدعم السريع، رغم ارتكاب جرائم كبيرة في ولايات الجزيرة وكردفان ودارفور تحت قيادتهم وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الحق بالعفو وسط اعتراض الضحايا والمخاوف القوية من استمرار الإفلات من العقاب ومكافئة قادة عسكريين ارتكبت تحت قيادتهم جرائم خطيرة.
ويقول المحامي والحقوقي، عبد الباسط الحاج، في حديثه لـ«بيم ريبورتس» إن «استسلام قادة مليشيا الدعم السريع أمرُ مطلوب وفق الحسابات العسكرية والسياسية، ولكن لا ننسى حجم الجرائم التي تم ارتكابها بواسطة هؤلاء القادة، أو مشاركتهم وإصدارهم الأوامر المباشرة للجنود، ولا يمكن لحكومة السودان أن تصدر عفوٍ مطلق في حقهم إذا كانوا متورطين في جرائم خطيرة مثل الجرائم الدولية».
لا حصانة
في السياق نفسه، قالت مجموعة محامو الطوارئ إنها تتابع ما يتكشف من وقائع مرتبطة بتحركات بعض القادة بين أطراف الحرب.
وأكدت المجموعة أن المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تظل قائمة ومتصلة بالفعل محل التجريم وقت ارتكابه، بصرف النظر عن أي تبدل لاحق في الانتماء العسكري أو الموقع القيادي أو الاصطفاف داخل النزاع. وأضافت في بيان أن هذه المسؤولية لا تُعاد صياغتها وفق التحولات اللاحقة، ولا تتأثر بها، ولا تنتفي بزوال الصفة التي كان المتهم يشغلها وقت ارتكاب الفعل، متى ما ثبتت عناصر الإسناد الجنائي المباشر أو غير المباشر ضمن سلسلة القيادة أو السيطرة الفعلية.
ورأت المجموعة أن نطاق المساءلة يمتد إلى القوات التي ارتُكبت الانتهاكات في إطارها زمنياً وعملياً، كما يشمل أي تشكيلات عسكرية لاحقة انضم إليها القادة المعنيون، دون أن يترتب على ذلك أي أثر قانوني منشئ للحصانة أو مسقط للمسؤولية أو مخفف لها.
كما تؤكد أن عدم التقادم على الجرائم الدولية الجسيمة يظل مبدأً مستقراً، بما يجعل هذه الأفعال قابلة للملاحقة والمساءلة أياً كان الزمن الذي مضى أو السياق الذي تغير، مشيرة إلى انتقال الانتماء داخل النزاع لا يمحو الوقائع ولا يعيد إنتاجها في صياغة قانونية جديدة، ولا يمكن أن يُستخدم كوسيلة لفصل الفعل عن مرتكبه أو تعطيل آليات العدالة.
وتشدد المجموعة كذلك على أن المسؤولية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القادة الذين ثبت علمهم بالانتهاكات أو كان ينبغي لهم العلم بها، ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو وقفها أو محاسبة مرتكبيها، بما يرسخ مبدأ المسؤولية القيادية بوصفه أحد أعمدة القانون الدولي الإنساني.
كما أن إعادة إدماج الأفراد المتورطين في انتهاكات جسيمة داخل تشكيلات عسكرية أخرى، أو إعادة توظيف مواقعهم داخل النزاع، لا يغيّر من الطبيعة القانونية للأفعال المرتكبة، بل يشكل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتقويضاً لحقوق الضحايا، واستمراراً لأنماط الانتهاك تحت غطاء الحرب، بما يمس جوهر العدالة ذاتها.
ودعت كذلك لجنة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى مواصلة عملها في التوثيق الدقيق وربط الانتهاكات بسلاسل القيادة الفعلية دون انتقائية أو استثناء، مع إيلاء اهتمام خاص لحالات إعادة التموضع داخل النزاع بوصفها احتمالاً لعرقلة المساءلة أو الالتفاف عليها.
ويشرح المحامي عبد الباسط الحاج أنه قد لا يكون قادة الدعم السريع المستسلمين حديثا أو سابقًا صدرت في مواجهتهم أي أوامر قبض أو مطالبات وملاحقات بشكل علني بواسطة القضاء السوداني أو المحكمة الجنائية، ولكن هذا لا ينفي احتمالية تورطهم في جرائم خطيرة تستدعي المحاسبة أو على الأقل التحقيق حولها.


