نجاة مستحيلة: السودانيون من حربٍ تنهش الوطن إلى منافٍ تسلب الكرامة
لم تعد الحرب في السودان تقتل الناس بالقذائف وحدها. صارت تقتلهم أيضًا في الطرق الطويلة التي تبدأ من مدن مشتعلة وتنتهي عند بحرٍ لا يرحم، أو صحراءٍ بلا شاهد، أو بوابة معبر في بلاد ظنّوا أنها أقرب إلى النجاة. بين رصاص طرفي الحرب داخل البلاد، وأسلاك الحدود خارجها، يمضي السودانيون في إحدى أكثر رحلات اللجوء قسوةً وإهانةً في الذاكرة الحديثة: يهربون من الموت، فيجدونه متربصًا بهم في البحر؛ ويفرون من الجوع، فتبتلعهم الصحراء؛ ويطلبون الحماية، فيُعاملون كعبءٍ أمني أو مادةٍ رخيصة في خطاب كراهية وصراع سياسي.
من الحرب إلى طرق النجاة القاتلة
منذ اندلاع حرب أبريل 2023، تحوّل السودان إلى بلدٍ يفيض بأهله خارج حدوده، وبينما نزح ملايين السودانيين داخل البلاد، عبرت ملايين أخرى إلى دول الجوار: مصر، وتشاد، وليبيا وجنوب السودان، وإثيوبيا، وأماكن أبعد. وبحسب بيانات منظمات أممية وإنسانية، تسببت الحرب في أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، إذ بلغ إجمالي عددهم قرابة 11.5 مليون شخص، لكن الهروب من السودان لم يكن خروجًا من دائرة الخطر بقدر ما كان انتقالًا من شكلٍ من العنف إلى شكلٍ آخر. ففي مصر، التي كانت لعقود امتدادًا اجتماعيًا للسودانيين، وجد كثيرون أنفسهم فجأةً أمام نظام تأشيرات وإقامات معقد، وحملات توقيف، ومخاوف دائمة من الترحيل. وفي ليبيا، حيث الدولة ممزقة بين سلطات ومراكز احتجاز وشبكات تهريب، صار السوداني الهارب من بلاده عالقًا بين الحاجة إلى العمل، وخطر الاعتقال، وأسواق التهريب، ومقابر الصحراء.
في إحدى الوقائع التي تختصر المأساة، عُثر على سودانيين موتى في عمق الصحراء الليبية بعد أن تعطلت مركبتهم وهم يعبرون طريقًا يستخدمه المهربون. فقد نفد الطعام والماء، وانتظر الناس أحد عشر يومًا وسط الرمال. نجا بعضهم، وبينهم أطفال، لكن آخرين ماتوا أو فُقدوا. ولم تكن هذه حادثة معزولة، بل صورة مكثفة لطريقٍ صار مفتوحًا على الهلاك: سيارات تتعطل، وأطفال يجفون من العطش، وأجساد تُدفن بعيدًا عن البيوت والأمهات.
أما البحر المتوسط، فقد صار فصلًا آخر في كتاب المعاناة. من ليبيا ودول شمال أفريقيا، يركب سودانيون قوارب متهالكة، ليهربوا من حربٍ لم يصنعوها، ومن دول جوار لا تريدهم إلا صامتين ومؤقتين وممتنين، ثم يجدون أنفسهم بين مهربين يبتزونهم، وخفر سواحل يعيدهم، وأنظمة أوروبية تتبجح بالدفاع عن الحقوق، ثم تدفع لحراسة الحدود. وبينما يصل بعضهم إلى اليونان أو إيطاليا، يُعاد بعضهم، ويموت آخرون دون أن يتحول موتهم حتى إلى مجرد خبر.
سياسات الطرد والكراهية
في مصر، لم يعد الخوف محصورًا في عبور الحدود، بل يسكن الشارع، ومواقف المواصلات، وأبواب أماكن العمل، وحتى البيوت. ووثقت تقارير حقوقية توقيف لاجئين وطالبي لجوء سودانيين ووفاة عدد منهم داخل زنازين الاحتجاز. وعلى الرغم من أنّ بعض الموقوفين مسجل لدى مفوضية اللاجئين، فإنهم يُرحّلون أو يُهددون بالترحيل إلى بلدٍ ما تزال تشتعل فيه الحرب. ولا يمكن أن توصَف هذه الإجراءات بأنها تدابير إدارية عادية، إذ تعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ أساسي في حماية اللاجئين: لا يجوز إعادة الإنسان إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر جسيم.
ويزداد الوضع صعوبة مع إجازة اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء المصري رقم 164 لسنة 2024، التي تنقل جزءًا كبيرًا من إدارة ملف اللجوء من مفوضية اللاجئين إلى السلطات المصرية. وبينما يُفترض أن ينظم القانون أوضاع اللاجئين، حذرت منظمات حقوقية من الصلاحيات الواسعة الممنوحة للسلطات، خاصة تحت مبررات «الأمن القومي» و«النظام العام». وبالنسبة إلى السودانيين، الذين يشكلون أكبر مجموعة من اللاجئين في مصر، يثير هذا التحول مخاوف من أن تُستخدم الإجراءات الجديدة لتضييق نطاق الحماية بدل توسيعه، وأن تتحول من إطار يفترض أن ينظم اللجوء إلى أداة إضافية للفرز والتقييد والإبعاد.
في ليبيا، يتخذ التضييق على السودانيين شكلًا أكثر انفلاتًا وقسوة، إذ يجد كثيرون أنفسهم أمام داخل فضاء تتداخل فيه السلطات المتنازعة، ومراكز الاحتجاز، وشبكات التهريب، والعمل الاستغلالي، والعنف العنصري والجنسي.
ولا تعترف ليبيا باتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا بروتوكولها لعام 1967، كما ليس لديها نظام لجوء وطني فعّال، مما يعرّض كلّ مَن يدخل البلاد دون تصريح للتعامل معه بوصفه «مهاجرًا غير قانوني» لا طالب حماية. وفي هذا السياق، يصبح الخوف من الشكوى جزءًا من منظومة الانتهاك نفسها؛ إذ يخشى ضحايا العنف، خاصةً النساء، أن يؤدي اللجوء إلى الشرطة أو السلطات إلى احتجازهن بدلًا من حمايتهن.
وقد وثقت تقارير صحفية وحقوقية شهادات سودانيات تعرضن للاغتصاب والضرب والابتزاز والعمل القسري، فيما تحدثت منظمات دولية عن استمرار الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، وعن عمليات طرد جماعي أو إعادة قسرية لمهاجرين عبر الصحراء.
والأكثر قسوة أن السودانيين لا يواجهون فقط سياسات التضييق، بل يتعرضون أيضًا لخطاب كراهية متصاعد على الإنترنت في كل من مصر وليبيا ودول شمال إفريقيا، وتُنسج حولهم روايات كاملة: هم سبب الأزمة الاقتصادية، وهم سبب ارتفاع الإيجارات، وهم من يزاحمون المواطنين في العمل والتعليم والصحة، وهم خطر ديمغرافي، وهم «ضيوف» أطالوا الإقامة. ولا تبقى هذه اللغة حبيسة الشاشات دائمًا، بل تنتقل إلى الشارع، والنظرة، وإلى التعليق العنصري، والتنمر على لون البشرة واللهجة والملابس، وإلى عنف جسدي، وإلى إحساس اللاجئ بأنه مطالب طوال الوقت بأن يبرر وجوده، وأن يعتذر عن نجاته.
خطاب الكراهية ضد السودانيين لا يولد من فراغ، بل يجد بيئة خصبة حين تستخدم الحكومات والموالون لها ملف اللاجئين لتفسير فشل اقتصادي أو توتر سياسي داخلي. وبدلًا من أن تُسأل السلطة عن التضخم والديون والسياسات العامة، يُشار إلى اللاجئ. وبدلًا من أن تُسأل النخب السياسية عن العجز والفساد وسوء الإدارة، يُقال إن الغرباء أثقلوا البلد. وهكذا يتحول السوداني من إنسان هارب من الحرب إلى كبش فداء؛ ومن صاحب حق في الحماية إلى مادة في سوق الشعبوية.
مسؤولية لا تنتهي عند حدود السودان
لا يمكن فصل هذه المهانة عن مسؤولية طرفي الحرب في السودان. فالذين أشعلوا البلاد وحولوها إلى خرائط سيطرة ومعابر موت هم أول من دفعوا السودانيين إلى هذه الطرق. فكل قذيفة تسقط على حي، وكل حصار على مدينة، وكل نهب، وكل اعتقال، وكل خطاب تعبوي يطيل الحرب، يدفع عائلة جديدة نحو الحدود. وأطراف الحرب لا تقتل فقط من يبقى في الداخل؛ إنها تلاحق من يهرب أيضًا، فهي تسلبه البيت أولًا، ثم تجبره على طلب النجاة من عالمٍ لا يريد أن يراه.
لكن الغضب لا ينبغي أن يقف عند حدود السودان، فثمة مسؤولية ثقيلة على الدول التي استقبلت السودانيين بلسان الترحيب ثم ضاقت بهم حين طال أمد الحرب؛ ومسؤولية على الدول التي وقعت على اتفاقات دولية، وتحدثت عن الأخوة والجوار والإنسانية، ثم سمحت بالترحيل أو الاحتجاز أو التحريض.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تكون بعض الدول التي تضيق اليوم بالسودانيين، أو تتركهم على أبواب الحدود، أو تسمح بإهانتهم وترحيلهم، جزءًا من شبكة المصالح والتدخلات التي غذّت الحرب أصلًا، أو سهّلت استمرارها، أو تعاملت مع أطرافها بوصفهم أدوات نفوذ لا مصادر خراب. فهي لا تقف خارج المأساة لتدير «أزمة لاجئين» طارئة، بل تقف في قلبها: في صفقات السلاح، وفي حسابات الموانئ والذهب والحدود، وفي الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي لأطرافها، وفي الصمت المتعمد إزاء جرائم حوّلت ملايين السودانيين إلى عابرين مذعورين للصحارى والبحار. وهكذا يدفع السوداني مرتين ثمن حرب لم يختَرها: مرةً حين تُهدم مدينته ويُنهب منزله ويُقتل أهله، ومرةً حين يصل إلى حدود دولة ساهمت، على نحو مباشر أو غير مباشر، في صناعة هذا الجحيم، فتستقبله لا باعتباره ضحية سياسات شاركت فيها، بل بوصفه متسللًا أو عبئًا أو ورقة ضغط في بازار السياسة الداخلية والخارجية.
حماية انتقائية وعالم يفتح الأبواب حين يريد
جاءت كارثة السودانيين في لحظة دولية يضيق فيها العالم أمام اللاجئين. ففي أوروبا، التي طالما قدمت نفسها بوصفها حارسةً لقيم اللجوء وحقوق الإنسان، تتجه السياسات باطّراد نحو الردع والإعادة والاحتواء خارج الحدود.
ففي يونيو 2026، توصلت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق أولي على قواعد جديدة تسمح، ضمن مسار أوسع لتشديد سياسات الهجرة، بإرسال طالبي اللجوء المرفوضين والمهاجرين غير النظاميين إلى «مراكز عودة» في دول خارج الاتحاد، حتى في حالات لا تربطهم فيها صلة شخصية بتلك الدول، في خطوة أثارت انتقادات حقوقية واسعة وتحذيرات من تعريض الناس للاحتجاز التعسفي والخطر وسوء المعاملة.
هذا التحول لا يخص أوروبا وحدها؛ بل جزء من مناخ عالمي أوسع تتراجع فيه لغة الحماية أمام لغة الحدود، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية ضد اللاجئين، ويُستخدم فيه ملف الهجرة للتكسب السياسي وصناعة الخوف وحشد الناخبين. وربما كان من سوء حظ السودانيين أن حربهم انفجرت في هذه اللحظة تحديدًا: لحظة صار فيها اللاجئ، في كثير من الخطابات والسياسات، متهمًا قبل أن يُسمع، وعبئًا قبل أن يُحمى، ورقمًا في معادلات الأمن والانتخابات قبل أن يُنظر إليه باعتباره إنسانًا فارًّا من الموت.
وتكاد كندا تكون الاستثناء الأوضح، إذ أعلنت مسارًا حكوميًا رسميًا لاستقبال المتأثرين بحرب السودان، وإن بقي مشروطًا في أحد أبرز مساراته بوجود قريب مؤهل داخل كندا. وبحسب الحكومة الكندية، تمت الموافقة لـ18,575 شخصًا على الإقامة الدائمة، إضافة إلى 6,135 طلب إقامة مؤقتة، ضمن إجراءاتها الخاصة بالحرب حتى مارس 2026. ورغم أهمية هذا المسار، فإنه يظل محدودًا إذا قورن بحجم النزوح السوداني واتساع الحاجة إلى حماية آمنة ومنظمة.
وتكشف هذه الفجوة أن الحماية ليست مسألة قدرة فحسب، بل مسألة إرادة سياسية أيضًا. فالعالم الذي يتحجج اليوم بضيق الموارد وتعقيد الإجراءات، يعرف، حين يريد، كيف ينشئ مسارات سريعة، ويوفر إقامات مؤقتة، ويفتح المدارس وسوق العمل والخدمات أمام الفارّين من الحرب. حدث ذلك في تجارب مختلفة بدرجات متفاوتة، وكان ينبغي أن يحدث، لأن المدنيين الهاربين من العنف لا يحتاجون إلى شفقة بقدر ما يحتاجون إلى نظام يحميهم من السقوط مرة أخرى. لكن ما يفضحه وضع السودانيين هو أن هذا النظام لا يعمل بالقدر نفسه لكل الناس.
اليوم، ومنذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، يبدو السودانيون كأنهم عالقون في فراغ مضاعف: حرب طاحنة لا تحظى بما يكفي من الانتباه، ونزوح واسع لا تقابله آليات حماية كافية، وتمويل إنساني أقل من الحاجة، وحدود تتعامل مع الفارّين لا باعتبارهم ناجين من كارثة، بل بوصفهم مشكلة ينبغي ضبطها أو إبعادها.
ما يحتاج إليه السودانيون، ليس استثناءً ولا امتيازًا على حساب غيرهم، بل الحد الأدنى الذي يفترض أن يستوي فيه جميع الفارين من الحروب: ألا يُعادوا إلى الخطر، وألا يُحتجزوا لأن أوراقهم ناقصة، وألا يُتركوا للمهربين والصحراء والبحر، وألا يتحولوا إلى شماعة لأزمات لم يصنعوها. فكرامة اللاجئ لا ينبغي أن تتفاوت بحسب لون بشرته، أو موقع بلده على خرائط النفوذ، أو قرب مأساته من شاشات العالم ومصالحه.
حق النجاة دون إذلال
في النهاية، السوداني الذي يقف في طابور مفوضية، أو يختبئ من حملة تفتيش، أو يعبر الصحراء على عربة متهالكة، أو يركب قاربًا في الليل، لا يحمل معه مشروع غزو ولا مؤامرة ديمغرافية. إنما يحمل صورة بيتٍ فقده، ومفتاحًا قد لا يفتح شيئًا، وطفلًا يريد مدرسة، وأمًا تريد علاجًا، وأسماء أقارب وأصدقاء ماتوا أو اختفوا، وأرقام هواتف ما تزال محفوظة في هاتفه، لكنها لا تجيب مهما طال الاتصال، ورغبة بسيطة في أن ينام دون أن يسمع صوت الرصاص والقذائف.
لم تكتف الحرب السودانية بسلب الناس وطنهم؛ بل جعلت العالم يساومهم حتى على حقهم في النجاة. وما يحدث للسودانيين اليوم في الحدود والبحار والشوارع ليس أزمة لجوء فقط، بل اختبار أخلاقي عسير: لأطراف الحرب التي صنعت المأساة، ودول الجوار التي تعرف عمق الروابط مع السودان ثم تتنكر لها، وللدول الغنية التي تريد أن تُبقي الموت بعيدًا عن كاميراتها، حتى لو وقع في صحراءٍ بلا شاهد أو بحرٍ بلا قبر.
السودانيون لا يريدون شفقة، بل يطلبون أن يُعاملوا باعتبارهم بشرًا. وقد صار هذا المطلب، في زمن الحرب والحدود والعنصرية، غاضبًا بما يكفي، وحزينًا بما يكفي.