ولكن بعد إلغاء أو تعليق العمل بهذه المواد المبينة، أصبحت البلاد فعلياً بلا دستور، وذلك لأن الوثيقة الدستورية قد تعطلت في جوهر بنائها وهو الشراكة بين المكون المدني (قوى الحرية والتغيير) والمكون العسكري.
وبتعطيل العمل بالمادة (72) من الوثيقة – والتي تلغي المجلس العسكري الانتقالي الذي كان يدير البلاد قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية – تكون البلاد تحت سيطرة المجلس العسكري الانتقالي بمفرده، وهذا الوضع في تعريفه الموضوعي وطبيعته الدستورية هو (انقلاب عسكري) من داخل السلطة الحاكمة، بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي.
إن انتقاء عبارات وكلمات معينة واستخدامها بتكرار مستمر في التغطيات الإعلامية، مثل عبارات (قرارات قائد الجيش) و (الإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة) هي عملية تهدف لترسيخ مفاهيم معينة في أذهان المتلقين بأن ما تم هو مجرد قرارات وإجراءات بغض النظر عن مشروعية تلك القرارات أو عواقبها، وبغض النظر عن الصورة الأكبر في المشهد: الانقلاب العسكري وتقويض مؤسسات الانتقال.
كذلك، فإن عرض الأحداث بطريقة معينة ستقود المتلقي -في نهاية الأمر- إلى استنتاجات غير صحيحة مبنية على السرد الانتقائي الذي قدمته وسائل الإعلام في تغطيتها للأحداث.
ومن أمثلة السرد الانتقائي في التغطيات التي راقبناها، نجد أن بعض الوسائل الإعلامية مثل (قناة الحدث) و(العربية) و(سكاي نيوز) تذكر بعض الوقائع الصحيحة (مثل حل مجلس السيادة/ حل مجلس الوزراء/تعليق العمل ببعض مواد الوثيقة الدستورية/ إعلان حالة الطوارئ).
لكنها تعرض هذه الوقائع الصحيحة بطريقة غير صحيحة (عندما تكتفي بذكر هذه الإجراءات فقط دون الإشارة إلى الانقلاب) ، فهذه الإجراءات أصلاً تمت في إطار الانقلاب، فالتركيز على ذكر الإجراءات دون الإشارة للانقلاب، يعتبر تغطية انتقائية، وهنالك أيضاً تحريف للوقائع عندما تقول القنوات (الحكومة المُقالة) أو (رئيس الوزراء المُقال/ رئيس الوزراء المخلوع/ رئيس الوزراء المعزول).
فالموضوعي والصحيح أن رئيس الوزراء كان قيد الاعتقال، وأن الحكومة الانتقالية قد انقلب عليها الجيش (ولم تُقال ولم تُعزل بطريقة دستورية) ووُضع وزرائها في الاعتقال.
إذن، التوصيف الموضوعي والمنصف، أن ما حدث هو انقلاب عسكري وليس “إجراءات” أو “قرارات” اتخذها قائد الجيش.
يعتبر السرد الانتقائي نوعاً من التضليل، إذ أن الوسيلة الإعلامية -كما بيّنا- تذكر بعض الوقائع الصحيحة ولكن تعرضها بطريقة غير صحيحة أو بتحريف، أو انتقاء مفردات معينة واستخدامها في سياق خاطئ.كما أنها تتجنب إيراد حقيقة ما حدث بكامل جوانبه.
في هذا النوع من السرد الانتقائي، لا يستطيع أحد أن يقول، إن الوسيلة الإعلامية كاذبة، لأنها أوردت بالفعل بعض الوقائع الصحيحة، ولكن نستطيع أن نقول بأنها نشرت محتوى مضللاً، لأنها بدلاً عن عرض كل ما حدث، فهي تحاول أن تخفي بعض الحقائق.
فقد تكون الوقائع التي تحاول أو تريد اخفائها غير مريحة أو تسبب لها حرجاً لأنها تشوش الصورة التي تريد ترسيخها في أذهان الجمهور المتلقي والتأثير على وعيه، لذلك تكتفي بانتقاء بعض الأحداث من أجل رسم صورة ذهنية معينة لدى المتلقي، أو تحاول أن تُسوّق صورة أخرى وتُجَمِّلها، والغرض النهائي من هذه العملية هو تضليل المتلقي.
الاستخدام المضلل للمعلومات لتصوير المشكلات أو الأفراد ضمن إطار مقصود عن طريق اختيار اقتباسات أو أحداث أو احصائيات بشكل انتقائي، يسمى في الحقل الإعلامي بـ(نظرية التأطير).