ما طبيعة المادة الزرقاء التي استخدمتها الشرطة لتفريق المتظاهرين في السودان؟

في الخامس والعشرين من ديسمبر الجاري خرج الآلاف من السودانيين للشوارع في مظاهرات سلمية انتظمت معظم مدن البلاد، مطالبين بالحكم المدني وإسقاط السلطة القائمة.

واجهت القوات الأمنية والعسكرية المتظاهرين بالعنف والقمع الشديدين، وأعلنت لجنة تنسيق الشئون الأمنية بولاية الخرطوم إغلاق الكباري والمعابر الرابطة بين مدن العاصمة القومية الثلاث، واستخدمت حاويات البضائع لإغلاق الجسور.

وعلى الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة، إلا إن المتظاهرين استطاعوا الوصول إلى باحة القصر الرئاسي بالخرطوم، وجهة المظاهرات المعلنة،  متحدين القبضة الأمنية.

استخدمت  القوات الأمنية كل أساليبها لتفريق جموع المتظاهرين بما في ذلك الرصاص الحي والمطاطي، وقنابل  الغاز المسيل للدموع ، والقنابل الصوتية، علاوة على سيارات الرش، والتي استخدمت لرش الحشود بمادة سائلة زرقاء اللون، بواسطة مدافع المياه. 

وهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها القوات الأمنية هذا السلاح الجديد نسبياً، إذ استخدم لأول مرة في العام 2016م  إبان تظاهرات جامعة الخرطوم

صورة توضح استخدام المادة الزرقاء في العام 2016 – شارع الجامعة

ظهر استخدام سيارات الرش (المعروفة ايضاً باسم مدفع المياه) في اسرائيل ، ومصر ثم في هونغ كونغ، وتركيا وتايلاند.

وتُستخدم سيارات الرش لتفريق الحشود بواسطة الرش بالمياه ومواد كيميائية أخرى، وأحياناً المياه العادمة. وتسبب المواد المستخدمة في الرش العديد من الآثار الجانبية، كما إن الموادّ الكيماويّة المضافة إلى المياه قد تنجم عنها عواقب صحّية سلبية.

فما هي مكونات هذه المادة وآثارها؟

بالرجوع لتظاهرات هونغ كونغ في العام 2019، وجدنا  أن شرطة هونغ كونغ وفي سعيها لتفريق المظاهرات، استخدمت عربات الرش لرش الحشود بمادة سائلة زرقاء اللون شبيهة بالمادة التي استخدمتها القوات الأمنية في السودان. 

حينها فحصت (منظمة قرين بيس) المهتمة بالشؤون البيئية عينات من المادة الزرقاء ، وأعلنت المنظمة بأنها وجدت أن المادة المستخدمة تحتوي على أصباغ ومواد لاصقة علاوة على مواد أخرى لم تبينها نتيجة الفحص، لكن لم تجد المنظمة مواد سامة ضمن مكونات السائل الأزرق.

موقع صحافة هونغ كونغ الحرة أوضح أن المنظمة استنتجت أن المواد الأخرى يمكن أن تحتوي على “محلول الرذاذ المسيل للدموع الضار جدا (بما في ذلك محلول حمض بيلارجونيك فانيللاميد) ، أو (كلورو أسيتوفينون) أو 2(-كلورو بنزيليدين مالونونتريل) ، وهما نوعان من المواد الكيميائية السامة المسببة للدموع. أوضحت المنظمة أنها استشهدت بآراء الخبراء وكتيب علم السموم لعوامل الحرب الكيميائية وإفادات الأفراد الذين تعرضوا لهذا السائل، حتى أن عمال النظافة ورواد الطريق عانوا من آثار هذا السائل بعد عدة ساعات من رشه على الأرض.

على الرغم من أن المواد الكيميائية الموجودة في هذا السائل لها مستوى منخفض نسبيا من الفتك ، إلا أنها قد تسبب إزعاجًا شديدًا وفوريًا لجسم الإنسان.

ردا على هذه الإدعاءات، قامت شرطة هونغ كونغ بتوضيح ماهية مكونات السائل التي وضح أنه رذاذ الدموع (محلول فانيللاميد حمض بيلارجونيك) أو ما يعرف ب(بافا)

وفي السودان، توصلت متابعات (بيم ريبورتس) إلى أن  نشطاء سودانيين أخذوا عينات من المادة الزرقاء التي استخدمتها الشرطة لتفريق مظاهرات يوم 25 ديسمبر،  لتحليلها ومعرفة مكوناتها. ذكرت سماح أبو قرجة على حسابها بموقع تويتر  بأنها فحصت عينات من المادة الزرقاء،  و أظهرت نتيجة التحليل ان مكونات المادة كالتالي:

1- محلول فانيللاميد حمض بيلارجونيك ( وهو نفسه محلول بافا الذي استخدمته شرطة هونغ كونغ،  المذكور مسبقا).

2- كلورو أسيتوفينون.

3- 2-كلورو بنزيليدين مالونونتريل.

تأثيرات مادة محلول بافا على صحة الإنسان: 

أوضح دليل إستخدام الرذاذ المعوِق الصادر من الشرطة البريطانية أن هذه المادة تؤثر بشكل رئيسي على العينين ، مما يسبب إغلاقًا وألمًا شديدين. تم الإبلاغ عن أن الألم الذي يصيب العينين أكبر من الألم الناتج عن المادة المستخدمة في عبوات الغاز المسيل للدموع

كما ذكر مركز السيطرة و الوقاية من الأمراض الأمريكي أن الأعراض الجانبية المتأخرة للمكون الثاني –  من المادة الزرقاء المستخدمة في السودان – (كلورو أسيتوفينون) عند التعرض الشديد له في الأماكن المغلقة يمكن أن يؤدي إلى تلف دائم للعين ، بما في ذلك العمى. وقد تستغرق العين و الجلد أيامًا أو أسابيع للشفاء ، اعتمادًا على شدة تعرضها، و قد يظهر الصداع والاكتئاب العقلي كتأثيرات متأخرة.

أما بالنسبة للمكون الثالث فهو نفس المكون المستخدم في عبوات الغاز المسيل للدموع.

إقرأ المزيد: علب الموت – تقرير بيم ريبورتس عن عبوات الغاز المسيل للدموع المستخدم بالسودان

هذه المكونات هي نفس المكونات التي توصلت منظمة (قرين بيس) إلى أنها موجودة بالسائل الذي استخدم في هونغ كونغ. 

حالة من مظاهرات 25 ديسمبر في السودان: حروق جلدية 

قال بعض الذين تعرضوا للرش بالمادة الزرقاء إبان مظاهرات يوم 25 ديسمبر في محيط القصر الرئاسي بالخرطوم، أن المادة الزرقاء حارقة للجلد وتسبب ألماً. 

 أفاد أسامة قاسم –أحد  المتأثرين بهذه المادة- أنه منذ أن استيقظ في صبيحة اليوم التالي لتعرضه لهذه المادة، وهو يشعر بحرقة في وجهه و أماكن مختلفة في جسده. 

الصورة أدناه توضح أثر الحروق الجلدية التي عانى منها أسامة.

استخدام هذه الوسائل الجديدة، يوضح أن السلطات السودانية تبتكر أساليب جديدة لقمع التظاهرات المطالبة بإسقاطها. لكن المتظاهرون المطالبون بالديمقراطية يبتكرون  أيضاً أساليبهم لفضح ممارسات النظام ويتمسكون بسلمية مواكبهم.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp