هل يؤسس بيان الشرطة في 25 أكتوبر لمرحلة جديدة من القمع ضد المتظاهرين السلميين؟

طالبت الشرطة السودانية، يوم الثلاثاء قبل الماضي، بمنحها سلطات استثنائية تمكنها من عقد محاكمات إيجازية، لتحقيق ما وصفتها بـ”العدالة الناجزة“، وفق بيان أصدرته عقب تظاهرات 25 أكتوبر التي خرجت بالعاصمة الخرطوم وعدة مدن ولائية أخرى في الذكرى الأولى لانقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية.

وناشدت الشرطة، حسب البيان، وزارة العدل و”الجهاز التشريعي” بسن تشريعات استثنائية “تمكنها من مواجهة تلك الجماعات لحماية القوات لتباشر مهامها وواجباتها لحسم الفوضى وردع وتقديم الجناة للعدالة الناجزة والمحاكمات الإيجازية في مواجهة الجرائم ضد الدولة وحيازة الأسلحة والمخدرات وإيواء المتفلتين لبسط هيبة الدولة وإحكام سيادة القانون حفاظاً على أمن الوطن والمواطن”.

وتأتي مطالب الشرطة، عقب اتهامات أطلقتها في البيان نفسه عن وجود تشكيلات عسكرية بالتظاهرات.

وخلال عام من انقلاب 25 أكتوبر، قتل 119 متظاهراً سلمياً، وأصيب الآلاف بالرصاص المطاطي وعبوات الغاز المسيل للدموع وسلاح الخرطوش المتناثر، حيث أظهرت مقاطع مصورة عشرات الانتهاكات للشرطة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي تجاه المتظاهرين، واقتحام مقار وسائل إعلام ومنشآت طبية، وغيرها من الانتهاكات.

وامتداداً لانتهاكات الشرطة، لقي مواطن حتفه، في شهر أكتوبر الماضي، جراء تعرضه لتعذيب داخل أحد أقسام الشرطة بالخرطوم، حسبما أكد تقرير طبي رسمي. 

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في مارس الماضي، عقوبات على شرطة الاحتياطي المركزي ذات الطابع العسكري بسبب ارتكابها انتهاكات واسعة بحق المتظاهرين السلميين.

ومع اقتراب العام الرابع لاندلاع ثورة ديسمبر 2018م التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، مثّل الالتزام بالسلمية أحد مبادئ الثورة الرئيسية، ولم يتبنَ المتظاهرون أي دعوات للعنف، في الوقت الذي أبدت فيه الشرطة مواقف عديدة ومتضاربة بشأن مهامها الموكلة إليها، رغم تغيير قيادتها عدة مرات خلال الفترة الانتقالية.

في نهاية يناير 2019م، أثناء ثورة ديسمبر، قتل المعلم أحمد الخير، تحت التعذيب أثناء اعتقاله ونقله من مدينته خشم القربة إلى مدينة كسلا شرقي البلاد، وقتها ادعت الشرطة أنه مات بسبب مرضه أثناء التحقيق، لكن تقارير طبية عرضت في المحكمة لاحقاً، أثتبت تعرضه للتعذيب حتى الموت، قبل أن تدين المحكمة 29 متهماً بجريمة قتله، وتحكم عليهم بالإعدام. 

وبالعودة إلى بيان الشرطة الأخير الذي رفضته لجان المقاومة قائدة الاحتجاجات وقوى الحرية والتغيير وأحزاب أخرى ومنظمات حقوقية ومدنية، فإنه يأتي وفق إفاداتهم كمحاولة لشرعنة العنف ضد المتظاهرين السلميين بموجب القانون، كما رأت أنه يعني مزيداً من العنف. 

كما أعاد بيان الشرطة المطالب القديمة المتجددة بضرورة إصلاحها لتكون جهازاً حيادياً ومستقلاً، خاصة وأنها تعاملت بإزدواجية مع مسيرة دعت إليها مجموعات موالية لحزب المؤتر الوطني المحلول، يوم 29 أكتوبر الماضي بالعاصمة الخرطوم. 

إقالة‌ ‌مدير‌ ‌الشرطة؟‌ ‌أم‌ ‌إصلاح‌ ‌المؤسسة‌ ‌نفسها؟‌

مع بيانها في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، تكون الشرطة، قد توجت عاماً كاملاً من الانتهاكات بحق المتظاهرين السلميين عقب الانقلاب، بالدعوة إلى مزيد من القمع المقنن بالتشريعات. يعتقد بعض الخبراء، أن إصلاح جهاز الشرطة يجب أن يكون من أولويات أول حكومة مدنية مقبلة.

يقول الخبير القانوني والقاضي السابق، سيف الدولة حمدنا الله، إن رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، لم يفطن إلى أن سلطته تشمل وزارة الداخلية، إلا قبل أشهر من انقلاب البرهان، حينها قام بعزل ضابط برتبة فريق شرطة تحت ضغط الجماهير. 

وأضاف حمدنا الله “قبل ذلك التاريخ لم يجد حمدوك من ينصحه بأن سلطة المكون العسكري بالوثيقة الدستورية تنحصر فقط في ترشيح أسماء شاغلي وزارتي الداخلية والدفاع، وأن هذا الترشيح لا يُخرِج أي من الوزيرين عن نطاق سلطته عليهما كرئيس للوزراء، تماماً كما هو حال سلطة قوى الحرية والتغيير في ترشيح سائر بقية الوزراء.”

وتابع الخبير القانوني “هذا التلكؤ في الفهم هو الذي فوّت على رئيس الوزراء وحكومته فرصة اتخاذ خطوات كانت ضمن سلطته والتي كان من شأنها إصلاح جهاز الشرطة وتنظيفها من القتَلة والمؤدجلين الذين يحصدون الآن أرواح الشباب بلا رحمة، وإحلالهم بضحايا الإنقاذ من مفصولي الشرطة، وبتنظيم دورات تدريب سريعة لتخريج أعداد كبيرة من ضباط وأفراد الشرطة من بين شباب الثورة المؤمنين بها وبأهدافها”.

“شيء من هذا لم يحدث، ولكن ذلك يجب أن يكون من أولى أولويات الحكومة المدنية القادمة”، يوضح حمدنا في مقال نشره عقب بيان الشرطة في يوم 25 أكتوبر الماضي.

"من خلال بيانها في يوم 25 أكتوبر الماضي، تحاول الشرطة شيطنة الحراك الثوري للشارع الذي ظل يقاوم الانقلاب منذ حدوثه، كما تحاول أيضاً اكتساب مشروعية إضافية لممارسة القمع المفرط"، يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج لـ(بيم ريبورتس). 

ويضيف الحاج “بالعودة إلى تاريخ هذه القوات في التعامل مع المتظاهرين، فإننا نجد أن العنف الموجه والقتل والسحل كان من صميم التعليمات الأساسية لها في التعامل مع أي حراك سلمي للجان المقاومة والتجمعات السلمية الرافضة للانقلاب”.

ورأى الحاج، أن أكبر دليل على ذلك، ارتفاع سجل انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خطير بعد الانقلاب، حيث ابتعث مجلس حقوق الإنسان مفوضاً خاصاً للسودان لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان. بالإضافة إلى أن عدد القتلى المباشر وصل إلى حوالي 120 بجانب آلاف المصابين، لافتاً إلى أن هذا يدل على أن القتل والعنف كان منظماً وأن المتظاهرين كانوا أهدافاً مباشرة. 

“طلب الشرطة بمنحها صلاحيات استثنائية في التعامل مع المتظاهرين، يظهر “النية المبيتة وسبق الإصرار على ارتكاب المزيد من العنف وهو انتهاك صارخ لحقوق الانسان”، يقول الحاج.

ويعقد مقارنة بين تعامل الشرطة مع مسيرة أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول يوم 29 أكتوبر وتظاهرات لجان المقاومة، قائلاً: “الشرطة لم تطلق عبوات الغاز المسيل للدموع، ولم تعتقل ولم تضرب ولم تقتل، مع أن المسيرة نفسها كان فيها تحريض على العنف وتهديدات بالقتل للدبلوماسين الأجانب وبعثة الأمم المتحدة في السودان”.

مضيفاً “رغم ذلك لم تتعامل معهم الشرطة بعنف، ما يعني أن الشرطة لم تكن محايدة إطلاقاً، بل هي منحازة لجهاز الدولة الإجرامي وتدافع عن الانقلاب وتدعم عودة الجبهة الإسلامية مرة أخرى”.

ورأى المدافع الحقوقي، أن هذه المواقف تثبت “ما كنا نقوله مراراً، بأن جهاز الشرطة تشوه بسياسات حزب المؤتمر الوطني المحلول، وقد تم تصميمه مسبقاً على حمايته، وهذا ما ظلت تؤكده الشرطة كل مرة بمواقفها”.

وأضاف “لم تقم الشرطة في جميع الأحداث السابقة بتسليم أفرادها في الدعاوى المفتوحة ضدهم ولم تبدِ النية في محاسبة المتورطين في عمليات القتل التي تمت،  بل على العكس ما زالت تبحث عن صلاحيات إضافية لممارسة إجرامها”. وتابع الحاج قائلاً “هذا يقودني إلى التأكيد على أهمية الإصلاح وبناء عقيدة جديدة لرجال الشرطة تحافظ على النظام وتحمي المواطن وتنفذ القانون وتحمي الدستور والحقوق الدستورية”.

إقرأ المزيد