كيف اندلع العنف الأهلي بالنيل الأزرق ثلاث مرات خلال أشهر تحت أعين السلطتين المركزية والإقليمية؟

فيما كان إقليم دارفور يعيش تحت وتيرة عنف أهلي واجتماعي، تصاعدت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، سرعان ما امتدت شرارة العنف إلى مناطق عديدة بولايات كردفان، قبل أن تستقر ككتلة لهب عظيمة باقليم النيل الأزرق (جنوب شرقي البلاد). فبين شهري يوليو وأكتوبر الماضيين، اندلعت أعمال عنف أهلي بإقليم النيل الأزرق لثلاث مرات، تحت أعين السلطتين المركزية والإقليمية، راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى. فيما اضطر عشرات الآلاف تحت وطأة العنف، للنزوح قسرياً من مناطقهم.

 

ومع ذلك، في خضم اشتعال الوضع، وسقوط ضحايا قتلاً وتهجيراً قسرياً، تباعاً على مدى الأشهر الماضية، تبنت السلطتين المركزية والإقليمية، إطلاق اتهامات ضد أطراف مجهولين بحجة تأجيج العنف الأهلي، دون أن يكون لها القدرة على تغيير الأمر الواقع في الإقليم الذي ظلت مكوناته على مدى عقود من الزمن، تتعايش سلمياً.

 

وكان سكان الإقليم قد استيقظوا، في منتصف يوليو على أحداث عنف تسببت في مقتل 119 شخصاً، وإصابة 291 آخرين، وتهجير ما يزيد عن الـ 32 ألف شخص من قراهم ومنازلهم إلى مخيمات داخل وخارج الإقليم. وساهمت الجهود الشعبية والمجتمعية والدولية في تقديم المساعدات وإيواء النازحين في المدارس والبيوت داخل المناطق الآمنة في الإقليم، وفي الولايات الأخرى، ليخيم الهدوء الحذر على الأوضاع.

اتفاق ولكن

 بعد شهر من انفجار العنف الأهلي، شهد الإقليم توقيع اتفاق وقف العدائيات بين أطراف النزاع، وأتت وثيقة الاتفاق من 13 بنداً، تمثلت في وقف كافة العدائيات، والعمل على سلامة المواطنين دون تمييز في كافة أرجاء الإقليم، ووقف أشكال التصعيد الإعلامي، وفتح الطرق وموارد المياه، وفرض هيبة الدولة، ونشر قوات مشتركة في المناطق المختلف عليها، والسعي والعمل الجاد لانعقاد مؤتمر الصلح في فترة أقصاها الأول من ديسمبر، وحصر الأضرار، وعودة جميع المواطنين عدا حيي اللعوتة والله كريم  (في مدينة الدمازين) لحين قيام مؤتمر الصلح، وتكوين لجان للتبشير بوقف العدائيات من الأجهزة الأمنية والإدارات الأهلية.

 

ورغم توقيع الاتفاق، إلا أن العنف الأهلي ما برح، أن اشتعل مرة أخرى في مطلع سبتمبر، في محلية قنيص (شرق مدينة الروصيرص) وتجددت الاشتباكات، التي استخدمت فيها الأسلحة النارية والتقليدية، مما تسبب في مقتل 21 شخصاً وجرح وإصابة 40 آخرين، ونزوح آلاف المواطنين من منازلهم.

 

وكانت الاشتباكات قد تجددت على إثر محاولة عودة مئات الأسر إلى مناطقهم ومنازلهم التي نزحوا منها مع بداية اندلاع أحداث العنف في يوليو، وهو الأمر الذي عارضته مكونات اجتماعية أخرى، الأمر الذي أذكى التوترات بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وتزايد النعرات العنصرية وخطاب الكراهية، في الإقليم الذي يتسم بالتنوع الإثني.

غياب الدولة

حمل تجدد العنف الأهلي في النيل الأزرق، إشارات واضحة، بعدم معالجة الأسباب التي كانت وراء اندلاع العنف في المرة الأولى. الأمر الذي يجعل إقليم النيل الأزرق عرضةً لأحداث مماثلة، ومع غياب الاستجابات الرسمية، من حكومة الأمر الواقع، وتبادل الاتهامات بين الفاعلين السياسيين في الإقليم، دون الاهتمام بما يعيشه المواطنون جراء هذه الأحداث وفقدانهم حياتهم وممتلكاتهم، وتهجيرهم من قراهم ومدنهم، فإن الأمر يصبح خطيراً للغاية.

بالنسبة للإدارات الأهلية التقليدية المتحكمة في مجريات الأحداث، يستند تحكمها على الانحياز الإثني تجاه المكونات الأخرى. 

 

خلال توقيع اتفاق وقف العدائيات، شدد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة بادي، على شروع الحكومة في ملاحقة كل من ساهم في “هذه الفتنة القبلية” على حد تعبيره، مشدداً على أن الأمر سيشمل كل من يثبت تورطه حتى ولو عبر إطلاق شائعة في مواقع التواصل الاجتماعي. وقال إن حكومة الإقليم تعتزم سن قانون يجرم العنصرية والكراهية. لكن كل ذلك، لم يتجاوز حديثه كونه تصريحات سياسية، لم تستطع في احتواء العنف الأهلي أو معالجة مسبباته. 

 

ومع حالة الاحتقان والغبن بين المكونات الاجتماعية في الإقليم، وفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية، اتسعت دائرة العنف الأهلي والاشتباكات بين المكونات الاجتماعية، وتمددت إلى مساحات جديدة، بحيث صار العنف أكثر ضراوة، وهو ما حدث في يوم 19 أكتوبر الماضي، عندما اندلع العنف للمرة الثالثة، وتسبب في مقتل 267 شحصاً على الأقل. وبعدها اقتحم مئات المواطنين مقر حكومة النيل الأزرق، ومخزناً للأسلحة بعد اقتحام حشود أخرى لمقر قيادة الفرقة الرابعة مشاة بمدينة الدمازين، ونهب الأسلحة منه. 

 

وعلى إثر هذه الأحداث، أعلن حاكم إقليم النيل الأزرق، عن فرض حظر التجوال بمنطقة ود الماحي ما بين  الساعة السادسة مساءً إلى السادسة صباحاً لحين استقرار الوضع الأمني، إضافة إلى ذلك، فإن القرار قد نص على منع التجمعات وحمل السلاح الأبيض والعصي وكل ما يمكن استخدامه كأداة جريمة.

غياب المحاسبة

بالرغم من تشديد أحاديث كل مسؤولي حكومتي الأمر الواقع؛ الإقليمية والمركزية، على ضرورة التحقيق في الأحداث منذ اندلاعها في يوليو الماضي، ومحاسبة مشعلي العنف الأهلي والمشاركين فيه، “إلا أن الأمر لم يمض قدماً، حيث لم توضح سلطات الأمر الواقع، ما إذا ما كانت لجان التحقيق في الأحداث التي أعلنت عنها قد تكونت أم لا، وفي حال تشكيلها أين وصلت في عملها، لكن ما يرجح هشاشة الوضع هو اندلاع العنف مرتين أخرتين بعد الإعلان خلال اتفاقية وقف العدائيات عن تكوين لجان التحقيق. 

 

وتمثلت كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات في فرض حظر التجوال خلال الأشهر السابقة، وهو القرار الذي جدده حاكم إقليم النيل الأزرق، يوم الاثنين الماضي لمدة شهر.  

 

ووسط كل ذلك، يظل التحقيق حول الأحداث التي كانت هناك مؤشرات على اندلاعها، وتجددها المستمر غائباً عنها محاسبة المشتركين فيها، بمن في ذلك المسؤولين الحكوميين الذين قصروا في أداء واجباتهم.

أرض التعايش

 لطالما كان إقليم النيل الأزرق مثالاً للتعايش السلمي بين مكوناته المختلفة، حيث تتنوع فيه المكونات الإثنية المتحدرة من غالبية مناطق السودان، غرباً وشرقاً، شمالاً وجنوباً ووسطاً، وعلى مدى عقود كانت تلك المكونات الاجتماعية تلجأ إلى الأعراف الأهلية المشتركة في حل النزاعات.

 

 والجدير بالذكر، أنه حتى خلال سنوات الحرب بين الحركة الشعبية والحكومة المركزية، فإن إقليم النيل الأزرق لم يشهد نزاعات ذات طابع أهلي بين مكوناته الاجتماعية، وحتى بعد انقسام الحركة الشعبية إلى فصيلين في عام 2017م، ورغم التوترات التي خلقها هذا الأمر في الإقليم، فإنه لم يجلب معه أي نذر حرب أهلية. بل كانت هناك توقعات بأن يتحقق سلام شامل في الإقليم إثر ثورة ديسمبر، وتشكل الحكومة الانتقالية التي كان من أهم أهدافها تحقيق السلام. 

 

كل ذلك التاريخ يجعل من العنف الأهلي الذي اندلع في الإقليم وتجدده ثلاث مرات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، نذراً بالخطر في ظل تفشي النعرات وخطاب الكراهية وفراغ دستوري وأمني جعل من اشتعال الحرب الأهلية مهدداً خطيراً للأمن والسلم المجتمعي، ارتفعت معه المخاوف من تمدد الصراع إلى أقاليم أخرى. 

 

وفي ظل انحسار ظل الدولة وضعف منظومتها الأمنية وضعف استجابتها والشعور باستعداد السلطة لتقديم تنازلات مقابل الحفاظ على الوضع الراهن، وجد قطاع من إدارات أهلية الظروف مهيأة لتمكينهم ضمن النظام الأهلي وإدارته العرفية، ومن ثم تصاعدت الدعوة داخل مجموعات أخرى ترى أنها ضحية لتشكيل نظام تراتبية إدارية جديدة.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter