فجرها طلاب المدارس.. كيف انطلقت شرارة ثورة ديسمبر من الولايات إلى الخرطوم؟

تخلقت الثورة في مدينة مايرنو على مر السنوات الأخيرة، وكانت كبركان محموم، أوقده الحراك الطلابي المستمر والتنظيمات العمالية والسياسية، غير أن “لحظة” 6 ديسمبر 2019م، التي شقّت فيها هتافات تلاميذ مرحلة الأساس عنان السماء، عندما خرجوا في تظاهرات حاشدة، مثلت انفجار ذلك البركان في وجه النظام المخلوع، وانجرف إلى كل أرجاء البلاد.

 

 كانت تظاهرة من أجل الحياة؛ حيث ردد الطلاب والشباب والذين سرعان ما انضم إليهم المواطنون، هتافات تندد بالوضع المعيشي والغلاء، لكن قوات الشرطة لم تدخر وقتاً؛ حيث هاجمت التظاهرات باستخدام العنف المفرط، واستبسل المتظاهرون في صده. 

 

يسترجع عضو لجنة مقاومة مايرنو، رعد شهاب، تلك اللحظات المفصلية في تاريخ البلاد، قائلاً: إن احتجاجات طلاب ومواطني مايرنو في ذلك اليوم خلقت صدمة لدى إدارتها الأهلية الموالية للنظام وحكومة الولاية لاعتقادهم أنها تحت سيطرة النظام. 

ويضيف شهاب لـ(بيم ريبورتس): “دخلنا في مواجهة مفتوحة مع الشرطة وقدنا الموكب لمنطقة نائية غرب المدينة بعيداً عن المباني السكنية والأراضي الزراعية. لكن الشرطة لاحقتنا بالغاز المسيل للدموع إلى الأحياء مرة أخرى، حيث ألقته في المنازل ومسجد “السلطان” الشهير، ويضيف: كما شهد الموكب محاولات دهس، واعتقل مواطن وضرب بسبب تصويره للتظاهرات. ويواصل رعد عن المعتقل: “كان المواطن من أنصار النظام قبل أن يخلع ثوبه وينضم إلى صفوف المتظاهرين والناشطين في المدينة بعد حادثة الاعتقال”.

 

ربما انتبه الناس لمايرنو مع ثورة ديسمبر، إلا أن للمدينة تاريخاً ممتداً في مقاومة نظام الإنقاذ، في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، شهدت المدينة في العام 2010م حراكاً مهماً رافضاً لتزوير الانتخابات الرئاسية، الذي توج بتكوين حركة مقاومة باسم “عدنا” وهي بدأت كجسم صغير ومن ثم توسع إلى “شباب مايرنو الثوري التقدمي” حيث ضمت شباباً ثورياً من المنطقة، والذي قاد تظاهرات مناهضة للوالي حينها، أحمد عباس في العام 2012م. واستخدم النظام الرصاص الحي في فض تظاهرة نظمتها الحركة.

النيل الأزرق

سرعان ما انتقلت شرارة الثورة من مايرنو إلى مدينة الدمازين (إقليم النيل الأزرق) في  13 ديسمبر 2018، وخرج طلاب المدرسة الفنية الثانوية بالدمازين احتجاجاً على انعدام الخبز، ولاحقاً انتقلت حالة الغضب إلى ثانويات البنات في رفيدة التجارية وذات النطاقين وبنت وهب، ومدارس القطاع الجنوبي، وأدى تعامل السلطات العنيف مع الطلاب إلى انخراط أهالي المدينة في الحركة الاحتجاجية حتى أصدرت لجنة أمن الولاية قراراً بإغلاق المدارس.

 

“سبقت أحداث 13 ديسمبر حالة من الضغط المعيشي نتيجة التدهور الاقتصادي العام، بالإضافة إلى حراك المعدنيين في منطقة بلقوة بمحلية ود الماحي بسبب فرض الحكومة وقتها نسبة ربح 10% على كل جوال ذهب”، يقول عضو لجان مقاومة الدمازين، معاذ عيسى لـ(بيم ريبورتس).

ويضيف “رفض العمال الزيادة، خاصة وأن توقيتها جاء في نهاية العام، بالإضافة إلى مطالبتهم الشركة السودانية للمعادن بمنشور رسمي للزيادة، وتعبيراً عن احتجاجهم قام المعدنيون بحرق آليات تتبع للشركة السودانية للمعادن”. 

 

لم يقف الحراك في النيل الأزرق يوم 13 ديسمبر، ولكنه شهد تصعيداً في أماكن عدة داخل الإقليم في الأيام التالية، خاصة وسط الحركة الطلابية التي كانت جزءاً أصيلاً منه، حيث رفع طلاب كلية الهندسة بجامعة الروصيرص لافتات تحمل مطالب سياسية واضحة يومي 14 و 15 ديسمبر2018؛ ويوضح عيسى “توج حراك طلاب المدارس والجامعات بإنضمام المواطنين للحراك على مدى الثلاث أيام اللاحقة، وتراجع الحراك في الدمازين في 18 ديسمبر بعد قمع الشرطة العسكرية المفرط للمحتجين وإغلاق المدارس”. 

 

 

كان هذا الوضع في النيل الأزرق، يعبر عن أوضاع ولايات البلاد الـ18، فانتقلت شرارة التظاهرات غرباً، حيث خرج طلاب المدارس بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، في موكب احتجاجي يوم 16 ديسمبر تنديداً بفرض تسعيرة تجارية لشراء الخبز رفعت قيمته بنسبة 300%، واستخدمت الشرطة الهراوات وعبوات الغاز المسيل للدموع لتفريق الطلاب وجرى إغلاق سوق المدينة الرئيسي للحد من حركة الاحتجاجات.

 

وفي صبيحة 17 ديسمبر تسببت عبوات غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة لفض اعتصام محدود لطالبات داخلية الزهراء في مدن تابعة لولاية الجزيرة احتجاجاً على انعدام الخبز، في حالات اختناق في أوساط الطالبات. وفي الولاية نفسها تظاهر أهالي قرية فداسي ليل 18 ديسمبر احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية.

نهر النيل

“توقفت سيارتي بمحطة الوقود لما يقارب الأسبوعين لكي أحصل على البنزين”. هكذا بدأ الشيخ محمد علي (32 عاماً) حديثه لـ(بيم ريبورتس) عن الأوضاع بمدينة عطبرة (ولاية نهر النيل) في الأسابيع التي سبقت اندلاع الثورة، وقال إن المدينة في تلك الفترة كانت تمر بـ”أزمة طاحنة في الوقود والدقيق”.

 

تحدّث الشيخ عن انعدام الدقيق تماماً بمخابز عطبرة منذ التاسع من ديسمبر، “احتدّت حالة الغضب بين المواطنين بسبب توقف عمل المخابز، وتزامن ذلك مع تداول معلومات بين المواطنين بأن حصّة ولاية نهر النيل من الدقيق أرسلت إلى الخرطوم لتغطية العجز هناك”، كما ذكر أن مجهودات الحكومة الولائية كانت منصبّة في تغطية حاجة الوجبة المدرسية للطلاب، إلى أن عجزت عن ذلك.

 

وفي صباح الأربعاء، 19 ديسمبر 2018م، خرجت تظاهرة طلّاب مدرسة عطبرة الصناعية، بعدما أخبرهم المدير بعجزه في توفير حصّة الخبز للمدرسة، وانضم للتظاهرة المتجهة نحو سوق عطبرة أعداد كبيرة من مختلف فئات المواطنين، وأصحاب المحال التجارية، وبعض كوادر الأحزاب السياسية. 

وفي عصر اليوم نفسه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بصور تُظهر دار المؤتمر الوطني مشتعلاً بالنيران، حيث أضرم متظاهرون النيران في المبنى عند وصولهم إليه بعدما أغلقوا الشوارع المحيطة به.

 

تجددت التظاهرات في اليوم التالي (الخميس 20 ديسمبر) بالرغم من إعلان الحكومة حالة الطوارىء وإغلاقها سوق المدينة. حاول متظاهرون عبور الجسر الواصل بين عطبرة والدامر للوصول إلى أمانة حكومة ولاية نهر النيل بالدامر، إلّا أن قوات الجيش حالت دون ذلك.

 

ومع خروج طلاب عطبرة شمالي البلاد في 18 و 19 ديسمبر للسبب نفسه أخذت الثورة زخمها فسرعان ما انخرط أهالي المدينة النقابية العريقة في الحراك، إذ رفعت عطبرة لأول مرة شعارات سياسية تنادي برحيل النظام، هذا غير هتافات “شرقت شرقت عطبرة مرقت التي حثت بقية المدن للخروج، ومن ثم جاءت لحظة إحراق دار المؤتمر الوطني لتشكل منظرا رمزيا لسقوط النظام سياسياً.

 

 وفي الـ20 من ديسمبر فضت الشرطة تظاهرة لطلاب جامعة الخرطوم فقد فيها 2 من الطلاب المشاركين أطرافهم جراء محاولتهم إعادة عبوات الغاز المسيل للدموع، فيما تواصلت احتجاجات عطبرة في تحدٍ لحالة الطوارئ التي أعلنها الوالي المكلف حاتم الوسيلة وامتدت لتشمل بقية مدن الولاية مثل الدامر والعبيدية وبربر فقدمت الأخيرة أول شهداء الثورة “محمد عيسى ماكور”. ومن ثم دخلت ولاية القضارف في مواجهات عنيفة مع الشرطة انتهت بسقوط 8 ضحايا، وانضمت مدينة بورتسودان إلى خط الاحتجاجات، بينما أضرم مواطنو كريمة في الولاية الشمالية النيران في مقر الحزب بعد تظاهرات بها مما أدى لسقوط قتيلين، وفي ولاية شمال كردفان، فيما أحرق محتجون في 21 ديسمبر مقر الحزب الحاكم في مدينة الرهد بعد تظاهرات حاشدة.

 

ومنذ انطلاق الثورة في 6 ديسمبر 2018م في مايرنو وتوسعها لمدن وقرى السودان المختلفة؛ شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً؛ إلى الدمازين والفاشر وعطبرة حيث اشتعلت النيران في مقر الحزب الحاكم، ها هي أربعة أعوامٍ تمضي وما يزال حراك الشارع الذي توج بالإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، والذي ظن كثيرون انه سينتهي بسقوط عمر البشير، في 11 أبريل 2019م مستمرا،في سعيه الحثيث والدائم لإنهاء الحكم العسكري في السودان، إذ أن الحراك لم يقف هناك،ويواصل مدّه  اليوم في مقاومة انقلاب 25 أكتوبر، ولا يزال كثيرون يعبرون عن عدم تراجعهم عن مطالب الثورة حتى لو تطلب الأمر عقوداً من الزمان لتحقيقها.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع
سياسي

الاتفاق الإطاري أعاد طرحها.. هل تنجح المرحلة السياسية المقبلة في تمهيد الطريق لتحقيق العدالة الانتقالية؟

ظلت الحرب عبثًا طويل الأمد يتجرع مراراتها السودانيون منذ ما قبل استقلالهم في العام 1956م، دونما أن يُحاسب عليها أحد. ريثما يتم إطفاء حرب، تندلع أخرى

المزيد