Category: سياسي

انطلاق الشهادة السودانية غدًا.. و«تأسيس» يعتزم عقد امتحانات منفردة في مناطق سيطرته

تنطلق غدًا الاثنين امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للدفعة 2024 – 2025 في ولايات السودان الخاضعة للحكومة، بما في ذلك أجزاء من كردفان، إلى جانب مراكز خارجية تشمل دولًا مثل جنوب السودان ومصر وتشاد، فيما تغيب بالكامل عن إقليم دارفور غربي البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويأتي ذلك رغم وجود مبادرة لتوحيد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية وبالتزامن مع إعلان الحكومة الموازية بقيادة قوات الدعم السريع عن شروعها في ترتيب امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، في يونيو المقبل. 

يقول المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، لـ«بيم ريبورتس»، إن هناك آثار  كبيرة على مستقبل الطلاب من دارفور وكردفان الذين لن يجلسوا للامتحانات، مشيرا إلى أنهم سيصبحون عرضة للجريمة المنظمة وضياع مستقبلهم. محذرًا، في الوقت نفسه، من أن هذه الآثار ستنعكس على الدولة عمومًا؛ في تفكيك النسيج الاجتماعي والوجداني، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. مضيفًا «لذا من الضرورة التعامل مع هذا الملف بصورةٍ إنسانية، وألا توظف امتحانات الشهادة السودانية سياسيًا أو عسكريًا، ولا لتثبيت شرعية أو نزعها».

وأوضح الباقر بخصوص عدد الطلاب الممتحنين للشهادة السودانية هذا العام، أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة بشأن عدد الطلاب الذين سيحرمون من الامتحانات، ولكن بالاستناد إلى عدد الطلاب الذين امتحنوا من هذه المناطق خلال السنوات السابقة للحرب، يمكن تقدير أن العدد من الممكن أن يتراوح ما بين 250 إلى 280 ألف طالب وطالبة.

كما أشار الباقر إلى أن إجراء امتحانات موازية سيعقد المشهد أكثر، إذ تعتزم الحكومة الموازية عقد امتحانات في يونيو المقبل. وأضاف: «لذا نحن نسعى في سبيل إيجاد حل معقول، يسمح لهؤلاء الطلاب بالجلوس لامتحان الشهادة الثانوية الذي تنظمه إدارة الامتحانات بوزارة التربية والتعليم  الاتحادية، ونتمنى أن يثمر هذا الحل قريبًا».

وكانت ولايات مثل الشمالية والنيل الأبيض استضافت طلابًا من دارفور  للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية. وبحسب تقرير رسمي، فإن أكثر من نصف مليون طالب وطالبة سجلوا لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة غدًا بزيادة 344 ألفا من امتحانات الدفعة المؤجلة 2022 – 2023 والتي سجل لها أكثر من 220 ألف طالب.

كما سجّل لامتحان الدفعة السابقة 2023 – 2024 أكثر من 200 ألف طالب وطالبة، تمكّن 199 ألف منهم من أدائه، ومنعت قوات الدعم السريع آلاف الطلاب من مغادرة مناطق سيطرتها في دارفور وكردفان إلى الولايات في شمالي البلاد ووسطها لأداء الامتحانات، وفقًا للتقرير الرسمي.

وأوضح التقرير أن 148 ألفًا و842 طالبًا وطالبة سجلوا لأداء الامتحانات بولاية الخرطوم 2026، مقارنة مع 30 ألف طالب وطالبة سجلوا العام السابق، مما يشير إلى استقرار الأوضاع الأمنية وتزايد عودة النازحين واللاجئين.

وبخصوص طلاب دارفور وكردفان ذكر التقرير أن عددًا مقدرًا منهم سجلوا للامتحانات في ولايات نهر النيل والشمالية والنيل الأبيض، وتكفلت الحكومة بنفقات ترحيلهم وإعاشتهم رغم عراقيل الدعم السريع.

كما سجل طلاب من دارفور في مراكز بمصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا مع أبناء وطنهم المقيمين هناك، وبلغ عدد الطلبة السودانيين الممتحنين في مصر وحدها 38 ألفا ونحو 3 آلاف في أوغندا.

اللجنة العليا للامتحانات تعلن اكتمال الاستعدادات

في الأول من مارس الماضي، أعلنت اللجنة العليا لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية، عن اكتمال الاستعدادات لقيام امتحانات الشهادة السودانية داخل السودان وخارجه بتاريخ الثالث عشر من أبريل 2026. وتضمن الإعلان توجيه وكيل وزارة التعليم والتربية الوطنية وعضو اللجنة العليا لامتحانات الشهادة السودانية، أحمد خليفة، بالإسراع في تسليم قوائم الطلاب الممتحنين.

يأتي ذلك في وقتٍ لم يتمكن ما يقارب 280 طالبًا وطالبة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، على مدار السنوات الثلاث الماضية، من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، وذلك لانقسام جغرافيا البلاد في مجملها إلى مناطق سيطرة عسكرية ما بين الجيش السوداني والقوات المساندة والمتحالفة معه، وقوات الدعم السريع وحلفائها في كتلة تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) والذي شكل حكومة موازية (حكومة السلام والوحدة) والتي أعلنت عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة منفردة في مناطق سيطرتها في الرابع من يونيو المقبل.

تُظهر هذه الخطوات والقرارات تجاوز الحرب نفسها في القتال على الأرض بين المتحاربين، إذ انتقلت التأثيرات على مصائر المجتمعات نفسها، وجغرافيا وجودها، فمن خلال هذه الإجراءات المتصلة بتأكيد السيطرة والشرعية وما بين محاولة اكتساب الشريعة، وجد آلاف الطلاب والطالبات أنفسهم في مصيرٍ مجهول بشأن مستقبلهم التعليمي.

أحوال امتحانات الشهادة منذ بداية الحرب

في العام 2023، كان نحو 513 ألف طالبة وطالب في السودان يستعدون للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، وينهمكون في الدراسة والإعداد للامتحانات المقررة في يونيو، قبل أن تندلع الحرب وتجرف أحلامهم في اجتياز آخر سلم في المرحلة الثانوية. لتحتجب في ذلك العام ولأول مرة الامتحانات التي بدأت منذ ما بعد الاستقلال. في صباح ذلك السبت، 15 أبريل 2023، تغير كل شيء في هذا البلد المترامي الأطراف والمثقل بالفقر والنزاعات، ليس لأولئك الطلبة وحدهم، وإنما لنحو 50 مليون سوداني، فقد تأجلت وتحطمت الحياة مرةً أخرى، ريثما تنتهي دورة جديدة من الحرب. 

ومع استمرار ضراوة الحرب حينها، وتحطم أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومع بحث الجميع عن آفاق للنجاة نزوحًا ولجوءًا، حتى ينجلي دخان النيران عن سماوات مدن السودان وقراها المختلفة، احتجبت الامتحانات ذلك العام وأدرجت ضمن ملفاتٍ منسية، قبل أن تأتي نهاية العام التالي 2024 حاملة خبر إقامة الامتحانات في الولايات الخاضعة لسلطة الحكومة السودانية، ممثلة في الجيش بالإضافة إلى مراكز خارجية في عدة دول، إذ جلس حينها، في 28 ديسمبر، نحو 370 ألف طالبة وطالب للامتحانات. 

لكن ذات الأمر تكرر في السنة التالية، في يونيو 2025، إذ غابت مراكز الامتحانات عن جميع ولايات إقليم دارفور الخمس، ما عدته بعض القوى السياسية والمسلحة تقسيمًا للبلاد.

مبادرة من أجل إنصاف الطلاب

ضمن هذا السياق، ولدت المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، والتي أطلقها عدد من الآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات ومهتمون بالتعليم في السودان، سعيًا للدفاع عن حق الطلاب والطالبات، عبر تأكيد المبادرة إلى ضرورة إبقاء الحق في التعليم خارج دائرة الصراع. 

تركزت المبادرة على عُدة محاور؛ منها الدعوة إلى إقامة مراكز امتحانات في أماكن وجود الطلاب، وحشد الجهود المجتمعية من أجل حماية العملية التعليمية، بما يضمن جلوس جميع الطلاب لامتحانات الشهادة السودانية لعام 2026. وفي سبيل ذلك، أجرت المبادرة عددًا من اللقاءات والاجتماعات والاتصالات مع القوى السياسية والعسكرية، تضمنت «حكومة الأمل» برئاسة كامل إدريس، و«حكومة السلامة والوحدة» برئاسة محمد حسن التعايشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال عبدالعزيز الحلو، ورئيس حركة وجيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، علاوةً على أعضاء في مجلس السيادة والمجالس الرئاسية في بورتسودان والخرطوم ونيالا وكاودا.

وفي هذه الاتصالات، طرحت المبادرة حزمة من المبادئ والموجهات الرئيسة، والتي كان أبرزها اعتماد المدخل الإنساني إطارًا وعدسة ينظر بها إلى الامتحانات بوصفها احتياجًا وحقًا إنسانيًا أصيلًا. وبالإضافة إلى ذلك، طرحت المبادرة ضرورة توفير فرص الامتحانات للممتحنين في مناطق وجودهم وبيئتهم الدراسية، مع التزام الأطراف كافة بضمان سلامة وأمن الطلاب والطواقم التربوية قبل وأثناء وبعد العملية. وبحسب المبادرة، فإن هذه الجهود تهدف إلى إبعاد الامتحانات والحق فيها من التسييس والعسكرة والاستقطاب.

بنية مختلة يعززها واقع الحرب

تعاني البنية التحتية للعملية التعليمية في مجملها، ولامتحانات الشهادة الثانوية على نحو خاص، اختلالاتٍ كبيرة منذ ما قبل الحرب، ساهمت الحرب في تعزيزها على نحو أعمق. فقبل الحرب بأشهر، وبالتحديد في سبتمبر 2022، أصدرت منظمة يونيسيف تقريرًا شددت فيه على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة فيما يتعلق بموضوع التعليم في السودان، إذ بلغ حينها عدد الأطفال خارج المدارس في السودان 6.9 مليون طفل، فيما بلغ عدد الأطفال الذين واجهوا اضطرابات في التعلم 12 مليونًا. 

وقالت يونيسيف حينها إن «واحدًا من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة، لا يذهبون إلى المدرسة في السودان، و 12 مليون آخرين سيتوقفون عن الدراسة، بسبب نقص المعلمين والبنية التحتية الكافية، والبيئة التعليمية التي تمكنهم من الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة».

تعكس الاحصاءات التي رصدتها يونيسيف أوضاعًا مأساوية للتعليم في السودان، تختلف من مكانٍ لآخر وفقًا للفوراق التنموية والاقتصادية، خاصة مع خصخصة قطاع التعليم العام لصالح القطاع الخاص.

وقد أشار سابقًا، الأستاذ بالمرحلة الثانوية، أحمد مختار ضو البيت، في حديثه إلى «بيم ريبورتس»، إلى أن سياسات التعليم التي تتخذها الدولة تسببت في انهيار التعليم الحكومي وتحويله لسلعة من بعض الفئات التي استثمرت فشل الدولة، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تتمثل في إهمال التعليم الحكومي عمومًا، ونقص المعلمين والمعينات والوسائل التعليمية، وتردي البيئة المدرسية، وتضاعف عدد المدارس الخاصة ثلاث مرات خلال 15 عامًا.

وبعد اندلاع الحرب، تعيش نفس الفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا وتهميشًا مأساةً مزدوجة، شقًا بسبب المعاناة من البنية القديمة نفسها للتعليم، مع طبقة جديدة تسببت فيها الحرب نزوحًا وتشردًا أو بقاءً في أماكن لم يستطيعوا مغادرتها في الأساس. وفي ظل انقسامٍ عسكري وسياسي، تدفع هذه الأسر وأبنائها وبناتها ضريبة باهظة في ظل حاضرٍ معقد، ومستقبل قد يضيع إلى الأبد.

كيف وُظِّفَ الحرمان من المياه سلاحًا في حرب السودان؟

منذ اندلاعها في العاصمة السودانية الخرطوم، منتصف أبريل 2023، ومن ثم تمددها سريعًا إلى جغرافيا البلاد المختلفة، لم تقتصر الحرب على الاشتباكات العسكرية فحسب، بل اتخذت من البنية التحتية فضاءً للسيطرة والنفوذ العسكري والسياسي، والتحكم في حركة السكان ومعيشهم اليومي. وفي هذا السياق، برزت السيطرة على موارد المياه هدفًا رئيسيًا، وصارت محطات المياه وشبكات الإمداد أهدافًا عسكرية وأدوات ضغط.

ففي العاصمة الخرطوم، سيطرت قوات الدعم السريع على عدد من المحطات الحيوية في بحري وبري وبيت المال، قبل أن تُحكم قبضتها في يونيو من العام نفسه على محطتي المقرن، اللتين تغذيان مساحات واسعة من الولاية. وخلال أشهر قليلة، وجد نحو 70% من سكان الخرطوم أنفسهم خارج نطاق إمدادات المياه المنتظمة، في مؤشر مبكر على تحوّل هذا المورد الحيوي إلى سلاح حرب. الأمر الذي لم يقتصر على العاصمة، بل امتد إلى أقاليم أخرى، حيث أظهرت الوقائع نمطًا متكررًا: السيطرة على مصادر المياه، أو تدميرها، أو تعطيلها عبر استهداف محطات الكهرباء التي تعتمد عليها.

حصار العطش في إقليم دارفور

ففي مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، أدى هجوم الدعم السريع، في أبريل 2024، إلى قطع الكهرباء والمياه، وإطلاق النار على مدنيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مصادر المياه. لاحقًا، تحولت محطة المياه الرئيسية إلى موقع عسكري، بينما تعرضت مصادر أخرى للتخريب المتعمد، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الإمداد، كما استولت على مصادر المياه أو ألحقوا بها أضرارًا متعمدة، مما أدى إلى تعطيل المضخات وجعلها غير صالحة للاستخدام.

تكرر نفس النمط في مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، إذ لم يكن حصار الدعم السريع للمدينة، على مدى 18 شهرًا قبل اجتياحها في أكتوبر 2025، مقصورًا على القتال وقطع الطريق على إمدادات المدينة بمتطلبات الحياة اليومية فقط، بل شملت الحرب كذلك خزان “قولو” — المصدر الرئيسي للمياه، والواقع على بعد 15 كيلومترًا غرب المدينة. والذي عملت الدعم السريع على السيطرة عليه، في سعيها للتحكم في شريان الحياة للمدينة، بينما كثّف الطيران الحربي التابع للقوات المسلحة ضرباته لمنع هذه السيطرة، ليعيش سكان الفاشر حصار النار والجوع والعطش كذلك.

مدينة الأبيض ..اتساع العطش القديم

تبرز مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، بوصفها نموذجا صارخا لهذه الأزمة، وذلك من عدة عوامل متداخلة؛ فالمدينة تعاني من قبل الحرب أزمات مياه ممتدة في تاريخها، ما جعل من فترة الحرب تأزيمًا لوضع قائم في الأساس، الأمر الآخر هو استضافة المدينة نحو مليون نازح فرّوا من مناطق القتال، في وقت تعاني فيه المدينة نقصا حادا في إمدادات المياه يقدَّر بنحو 50% عقب سيطرت الدعم السريع على محطات المياه الرئيسية، وتدمير جزءًا مقدرًا من بنيتها التحتية.

استجابةً لهذا الوضع، سعت هيئة المياه إلى تدارك العجز عبر التوسع في حفر الآبار الجوفية داخل المدينة، غير أن ارتفاع نسب ملوحة المياه في المدينة يجعل معظم المياه بحاجة إلى عمليات تحلية ومعالجة إضافية. بالإضافة إلى ذلك، ومع استقبال المدينة لأعدادٍ كبيرة من النازحين الفارين من مدنٍ وقرى مجاورة إلى داخل المدينة، ما قلص حصة الفرد من المياه إلى مستويات منخفضة، وسط ضغط متزايد على مراكز الإيواء، مما خلق أزمات معقدة، ليس في مياه الشرب فقط، بل تتجاوز العطش لتشمل مخاطر صحية وبيئية متفاقمة.

لمحة عن تاريخ حروب الموارد

يكتسي تاريخ السودان نزاعاتٍ وحروب عديدة، تتقاطع بصورة أساسية مع النزاع والصراع على موارد المياه، والمتفحص للحرب في جنوب السودان، يجد أن من ضمن أسبابها الرئيسية هو الخلاف حول تخطيط قناة جونقلي، إذ وصف المشروع بغير المراعي لمصالح الناس على امتداد طول القناة، ليتوقف في العام 1983 بعد اندلاع الحرب. 

وفي إقليم دارفور هناك تاريخ طويل ما بين الصراعات والتغيرات المناخية وموجات جفاف منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر (ما عرفت بمجاعة سنة ستة 1888 – 1889 التي عمت كل السودان)، وموجات الجفاف التي ضربت الإقليم بعدها وصولًا إلى العام 1973 الذي أصيب فيه الإقليم بواحدة من أقسى المجاعات وأخرى أكثر قسوة تسببت في موت 100 ألف شخص ما بين عامي 1984 – 1985، وهو ما كان جزءًا من صراعاتٍ طويلة مرتبطة بالمعيش الاجتماعي والاقتصادي لقطاعات الرعي والزراعة.

تُظهر نتائج بحثٍ سابق أجراه فريق سوداليتكا في يونيو 2025 حول ندرة المياه والتغير المناخي في سياق حرب أبريل 2023، أن الحرب في السودان أدت إلى تفاقم حاد في أزمة المياه، من خلال تدمير البنية التحتية وتعطيل شبكات الإمداد الرسمية، مما دفع السكان للاعتماد بشكل متزايد على مصادر بديلة، وعلى رأسها المياه الجوفية والآبار. حيث أصبحت الآبار في العديد من المناطق المصدر الرئيسي لمياه الشرب والاستخدامات اليومية، إلا أن هذا الاعتماد المتزايد يطرح تحديات كبيرة تتعلق باستدامة هذه الموارد واحتمالات نضوبها، خاصة في ظل غياب إدارة فعالة للموارد المائية.

لم يقتصر تأثير الحرب على ندرة المياه، ففي الوقت ذاته، ساهمت الحرب في زيادة المخاطر الصحية المرتبطة بالمياه. إذ كشفت النتائج عن تدهور واضح في جودة المياه، حيث اضطر العديد من السكان إلى استخدام مصادر غير آمنة مثل البرك السطحية ومياه الأمطار غير المعالجة والخزانات المفتوحة، نتيجة انقطاع الإمدادات المنتظمة. هذا الوضع زاد من مخاطر التلوث، خاصة في ظل القرب بين مصادر المياه ومواقع الصرف الصحي أو الأنشطة البشرية الأخرى، مما يرفع احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الكوليرا والتيفويد. وبالتالي، لم تعد الأزمة مقتصرة على ندرة المياه، بل امتدت لتشمل سلامتها وجودتها.

إلى جانب ذلك، ساهمت الحرب في تعميق اختلالات توزيع المياه بين المناطق، حيث تعاني بعض الولايات – خاصة المناطق الريفية والنائية – من ضعف أكبر في الوصول إلى مصادر مستقرة وآمنة. كما أن تضرر شبكات المياه واعتمادها على الكهرباء في التشغيل جعل الإمدادات أكثر هشاشة، خصوصًا مع الانقطاعات المتكررة للطاقة. هذا التداخل بين تدمير البنية التحتية وأزمة الطاقة أدى إلى تقليص كميات المياه المتاحة وزيادة عدم انتظامها. في هذا السياق، تصبح أزمة المياه في السودان نتاجًا مركبًا لتداخل عوامل الحرب، والبنية التحتية الهشة، والتغيرات المناخية، مما يجعل معالجتها تحديًا معقدًا يتجاوز الحلول قصيرة المدى.

تفاقم الأزمة داخل معسكرات النازحين

في مخيم “طينة” على الحدود التشادية، حيث يواجه اللاجئون السودانيون شحا حادا في المياه الصالحة للشرب، وتضطر العائلات للاصطفاف لساعات طويلة من أجل الحصول على كميات محدودة لا تلبي احتياجاتها اليومية.

المياه ومصر وإثيوبيا…تداعيات إقليمية

لا تنحصر مسألة الماء ومصادره داخليًا فقط، بل تتجاوز الحدود إلى دول الجوار وذلك نسبة لموقع السودان في المنطقة، فمع اعتباره أحد دول مصب نهر النيل، علاوةً على حدوده المشتركة مع 7 دول تواجه تحديات أمنية مشتركة، يبرز اسما مصر وأثيوبيا بشكلٍ كبير نسبة لسد النهضة الذي شيدته اثيوبيا. فالبنسبة لمصر والسودان اللتين تشكلان دولتا مصب، فلطالما كانت هناك تخوفات من تعرض إمدادات المياه لتهديدات من مشروع سد النهضة الإثيوبي وأي توتر في العلاقات بين الخرطوم والقاهرة قد يعرقل جهودهما للتوصل إلى اتفاق بشأن السد. من جهة أخرى، تضع أثيوبيا تركيزها على حرب السودان وتركز اهتماماتها الرئيسية في تأمين حقوق المياه لسد النهضة الإثيوبي.

النيل الأزرق: تصعيد عسكري يولد أزمة نزوح متجددة في إقليم مثقل بالنزاعات

خلال مارس الماضي، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال، في إقليم النيل الأزرق، مما تسبب في موجات نزوح جديدة لآلاف الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، داخل مناطق عديدة في الإقليم المثقل بالنزاعات منذ ثمانينات القرن الماضي، والذي عرف عقودًا من النزوح واللجوء والسلام الهش. 

ويُعد إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان منطقة إستراتيجية وحيوية، وذو أهمية جيوسياسية، إذ يجاور دولتي جنوب السودان وإثيوبيا. كما أنه يمثل مدخلًا إلى عمق السودان مثل ولايتي سنار والجزيرة، إلى جانب أنه يضم منشآت حساسة مثل خزان الروصيرص الذي يُعد مصدرًا رئيسيًا للطاقة في البلاد.

ولا تُعد العمليات العسكرية الجارية في إقليم النيل الأزرق أول اكتواء للإقليم بنيران الحرب، فقد مزقه صراع دموي طويل اندلع منذ ثمانينات القرن العشرين، وانتهى باتفاق السلام الشامل في 2005، قبل أن يتجدد مرةً أخرى في عام 2011 بين الحكومة المركزية وقوات الحركة الشعبية التي ظلت تسيطر على مناطق في أقصى جنوبي الإقليم.

الحركة الشعبية – شمال سيطرت على مدينة «الكرمك» الحدودية في مارس الماضي

مثّل مارس الماضي لحظة الاضطراب الأمني الأقوى في إقليم النيل الأزرق منذ اندلاع الصراع في السودان في أبريل 2023، إذ سيطرت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مناطق عديدة في الإقليم، على رأسها مدينة «الكرمك» الإستراتيجية على الحدود مع إثيوبيا، والتي تعد أكبر مناطق جنوبي الإقليم.

وسرعان ما انعكس هذا التصعيد العسكري الذي شهد تبادلًا للسيطرة بين الأطراف المتحاربة على المدنيين، إذ انطلقت موجة نزوح واسعة أجبرت آلاف السكان على الفرار من منازلهم. 

ويربط إقليم النيل الأزرق العمق السوداني بدول الجوار، ونال بموجب اتفاق سلام جوبا الموقع في 2020 «وضعية خاصة» بتحويله إلى نظام الحكم الإقليمي. 

ومع ذلك، ظل إقليم النيل الأزرق تاريخيًا بؤرة لنزاعات مسلحة عنيفة بدأت شرارتها في ثمانينات القرن العشرين بانخراط مكونات محلية في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة جون قرنق، فأضحى الإقليم مسرحًا لعمليات عسكرية طاحنة بين الحكومة المركزية والحركات المسلحة، مما تسبب في نزوح ولجوء مئات الآلاف.

مؤشرات التصعيد العسكري

صورة نشرتها رويترز لمعسكر سري لتدريب قوات الدعم السريع داخل إثيوبيا

بدأت مؤشرات التصعيد العسكري في إقليم النيل الأزرق في فبراير الماضي، فقد كشف تحقيق لوكالة رويترز أن الجارة إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لمصلحة قوات الدعم السريع شبه العسكرية، أعقبه أول اتهام رسمي من الخرطوم لأديس أبابا بالضلوع في الحرب السودانية، في الثاني من مارس الماضي.  

ووقتها، حذّرت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، إثيوبيا من الاستمرار في تصرفت عدائية، متهمةً إياها بفتح أراضيها لشن هجمات داخل العمق السوداني، وملوحةً بحق الرد. 

وقال بيان الخارجية السودانية إن «حكومة السودان ظلت تتابع طوال شهر فبراير، وبداية شهر مارس الحالي، دخول طائرات من دون طيار من داخل الأراضي الإثيوبية، تتعامل مع أهداف داخل السودان».

الجدول الزمني لعمليات الحركة الشعبية – شمال

في 9 و11 مارس، قالت الحركة الشعبية – شمال إنها تصدت لثلاث هجمات متتالية شنها الجيش على منطقة «جُرط». وفي 23 من الشهر نفسه، أعلنت تصديها مجددًا لهجوم من الجيش في المنطقة نفسها، مشيرةً إلى أنها كبدته خسائر كبيرة.

وفي 24 من الشهر نفسه، أعلنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال سيطرتهما الكاملة على «خور البودي» بعد معارك حاسمة. وفي اليوم نفسه، أعلنت «الدعم السريع» سيطرتها على مدينة «الكرمك» الإستراتيجية، قبل أن تعلن في 26 مارس سيطرتها على منطقة «مقجة».

كما أعلنت الحركة الشعبية، في 31 مارس الماضي، عن سقوط قتلى وجرحى في هجوم بمسيّرة في منطقة «أنجيلي» قالت إن الجيش شنه في 26 من الشهر نفسه. 

الجدول الزمني لعمليات الجيش 

في السياق نفسه، أعلن الجيش السوداني في 5 مارس الماضي عن انضمام منشقين من الحركة الشعبية – شمال في النيل الأزرق إلى قواته. وفي يوم 11 مارس، أعلن الجيش استعادته منطقتي «جرط شرق» ومعسكر «بلامو» من «قبضة المتمردين». كما أعلن في 18 مارس السيطرة على «محطة جرط غرب» من أيدي الحركة الشعبية – شمال. وفي 30 مارس، أعلن الجيش عن دحر قوات الدعم السريع في منطقة «سالي» وتكبيدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. 

وفي الحادي والثلاثين من مارس الماضي، احتفلت الفرقة الرابعة مشاة بالنيل الأزرق بتخريج دفعة جديدة من منسوبيها.

موجات نزوح فورية

غرفة طوارئ الروصيرص استقبلت نازحين

في 26 مارس الماضي، أي بعد يومين من سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مدينة «الكرمك»، أعلنت غرفة طوارئ النيل الأزرق الإنسانية، في بيان، عن نزوح عشرات الآلاف من المنطقة إلى مدينة الدمازين والمناطق المجاورة، مشيرةً إلى أن معظمهم من النساء والأطفال. 

ووصفت إحدى النازحات رحلتها من «الكرمك» إلى الدمازين بالقاسية، مشيرةً إلى أنها وصلت بعد تعب ومشقة، ولافتةً إلى أن كثيرين نزحوا سيرًا على الأقدام.

وقالت غرفة طوارئ «قيسان»، في بيان، في 27 مارس الماضي، إن المنطقة شهدت موجات نزوح، إذ أجبرت الظروف الأمنية والإنسانية أعدادًا كبيرة من المواطنين على مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان والاستقرار.

وأضافت الغرفة أن التصعيد الأخير أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية على نحو ملحوظ، إذ يواجه النازحون نقصًا حادًا في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، وسط تحديات كبيرة في الوصول إلى مناطق آمنة. 

وفي السياق نفسه، أفادت غرفة طوارئ «الروصيرص» بأنّ مركز حي «قيسان» استقبل نحو 75 أسرة، معظمهم من الأطفال والنساء، في ظل ظروف إنسانية معقدة تستدعي تدخلًا عاجلًا ومنظمًا لتوفير الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والمياه الصالحة للشرب والمستلزمات الصحية، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.

موجة نزوح ثانية من قيسان 

نازحون من مدينة قيسان بإقليم النيل الأزرق

في الأول من أبريل الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح 1,725 شخصًا من مدينة قيسان بإقليم النيل الأزرق، في موجة نزوح ثانية بالولاية خلال أيام، إثر تصاعد المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وقالت المنظمة، في بيان، إن فرقها كانت قد رصدت نزوح 1,725 شخصًا، ضمن 345 أسرة، من قيسان، في 30 مارس الماضي، بعد تفاقم انعدام الأمن، مشيرةً إلى أن النازحين توجهوا إلى مدينة الروصيرص ومنطقة «ود الماحي».

كما لفتت المنظمة إلى أن موجة النزوح الجديدة تأتي عقب أول حادثة نزوح أُبلغ عنها في قيسان بتاريخ 25 مارس. 

ولم يقتصر النزوح على الداخل السوداني، إذ نقلت الأمم المتحدة، عن مصادر محلية، أن ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص فروا إلى إثيوبيا، في حين نزح آخرون داخل حدود النيل الأزرق خلال مارس الماضي. 

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن الأمم المتحدة تعمل، بالتعاون مع شركائها، على توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية، مشيرًا إلى أن جمعية الهلال الأحمر السوداني تعمل على توفير وجبات ساخنة للأسر الوافدة حديثًا إلى مناطق النزوح.

وعلى الصعيد نفسه، أعلنت شبكة أطباء السودان عن نزوح أكثر من 10 آلاف شخص من قيسان إلى الروصيرص بإقليم النيل الأزرق، في ظل أوضاع إنسانية بالغة السوء، إذ يعاني النازحون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء وانعدامًا لأبسط مقومات الحياة.

تزايد انعدام الأمن

من جهتها، قالت لجنة العمل الإنساني بتحالف «صمود» إنها تتابع بـ«قلق بالغ» التطورات الميدانية الأخيرة في إقليم النيل الأزرق، وما ترتب عليها من تدهور خطير ومتسارع في الأوضاع الإنسانية، عقب التصعيد العسكري وسيطرة قوات الدعم السريع على عدد من المناطق خلال الأيام الماضية.

وأوضحت اللجنة، في بيان، أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن التصعيد العسكري في الولاية أدى إلى تقييد العمليات الإنسانية بدرجة كبيرة، في ظل تزايد انعدام الأمن وفرض قيود على حركة العاملين في المجال الإنساني والمنظمات العاملة في الإقليم، مما أدى إلى تعليق بعض الأنشطة الإغاثية وترك آلاف المدنيين دون خدمات أساسية.

ونقلت اللجنة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأوضاع في مناطق مثل الكرمك وقيسان «كارثية»، وأن السكان في حاجة ملحة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل نزوح واسع النطاق نتيجة استمرار الاشتباكات وانعدام الأمن.

وأشارت اللجنة، بحسب ما قالت إنها بيانات ميدانية حديثة، إلى نزوح نحو 500 شخص إلى «دندرو» من الكرمك، ونحو 1000 إلى «ود الماحي»، فيما بلغ عدد النازحين أكثر من 79 ألف شخص إلى عدة مناطق آمنة، معظمهم من النساء والأطفال.

وعبر الحدود في اتجاه إثيوبيا، بحسب اللجنة، نحو 7 آلاف شخص، يعيشون في ظروف إنسانية قاسية تتسم بنقص حاد في الغذاء ومياه الشرب، فضلًا عن اكتظاظ مراكز الإيواء وتدهور الأوضاع الصحية، وسط تزايد مخاطر انتشار الأمراض.

وأكدت اللجنة أن التقارير تشير إلى أن حجم الأزمة الإنسانية في النيل الأزرق تجاوز القدرات المحلية للاستجابة، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وصعوبة الوصول الإنساني، وتعرض طرق الإمداد لمخاطر أمنية متزايدة، مما يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.

وشدد تحالف «صمود» على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية في مناطق المدنيين، داعيًا إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية على نحو آمن وسريع ودون عوائق، وحماية المدنيين والبنية التحتية وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وفتح ممرات إنسانية عاجلة لإجلاء المدنيين، وتسهيل الإغاثة.

كما حثّ التحالف الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية والإقليمية وجميع الجهات الإنسانية على التدخل العاجل والمنسق لتوفير الاحتياجات الأساسية، ومنع انزلاق الأوضاع نحو كارثة إنسانية أوسع في الإقليم.

موسى هلال.. الزعيم الأهلي الغارق في صراع دارفور منذ عقود

في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، اجتاحت قوات الدعم السريع بادية مستريحة بولاية شمال دارفور، معقل الزعيم الأهلي والمسؤول الحكومي السابق في عهد النظام المخلوع، موسى هلال. طال الاجتياح مقر إقامة هلال، وتضاربت الأنباء عن مصيره، حتى ظهر لاحقًا رفقة قادة من الجيش السوداني والقوة المشتركة، مطمئنًا على سلامته.

وبذلك، فإن خروج هلال من بادية «مستريحة» لم يكن حدثًا سياسيًا عاديًا، بل تعبيرًا عن تغيراتٍ كبيرة في موازين القوى والتحالفات والاصطفافات، فقد أعاد هذا الهجوم الرجل، الذي لطالما كان جزءًا رئيسًا من الصراع الدامي في دارفور الذي اندلع في العام 2003، إلى واجهة الأحداث مجددًا، لكن هذه المرة خصمًا للقوة التي ساهم في تشكيلها ذات يوم، وحليفًا لأعداء الأمس من قادة الحركات المسلحة.

من هو موسى هلال؟

موسى هلال الزعيم الأهلي ورئيس مجلس الصحوة الثوري

ولد هلال في عام 1961، في قرية دامرة الشيخ، غربي مدينة «كتم» بولاية شمال دارفور، ولاحقًا تولى قيادة المحاميد خلفًا لوالده هلال عبد الله الذي كان ينتمي إلى حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي. وبرز اسم هلال في صراع دارفور عام 2003، بوصفه أحد مؤسسي مليشيا الجنجويد التي قاتلت الحركات المسلحة في الإقليم، إلى جانب الحكومة. 

راكم هلال ثقلًا اجتماعيًا باعتباره أحد أبرز السياسيين داخل المكونات العربية في دارفور، ولذلك فإن وصف «الشيخ» دائمًا ما يسبق اسمه، دلالة على مكانته الاجتماعية، بوصفه ناظرًا لقبيلة المحاميد، أحد فروع قبيلة الرزيقات.

الموقف من الحرب الجارية

بعد أشهر من اندلاع الحرب، في 15 أبريل 2023، غادر هلال العاصمة السودانية الخرطوم إلى معقله في بادية مستريحة بولاية شمال دارفور. ومن هناك أعلن عن موقفه المؤيد للجيش السوداني ومؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه معارضة قوات الدعم السريع، متهمًا قادتها بمحاولة تدمير البلاد وتجنيد المرتزقة من دول الجوار الإفريقي، ورافضًا ما تمارسه من نهب وجرائم، وعدّها بلا أيّ مشروع دولة، مشيرًا إلى أنها تهدد النسيج الاجتماعي في إقليم دارفور. 

تصاعد التوتر بين هلال وقوات الدعم السريع، وانخرط هلال في حرب كلامية ضد قادتها، خاصةً عبد الرحيم دقلو الذي يعد القائد الميداني للقوات.

ومع اجتياح قوات الدعم السريع الفاشر في أكتوبر الماضي، بلغ تدهور العلاقة بين الطرفين ذروته، مع اغتيال القائد الميداني في قوات الدعم السريع، حامد علي أبو بكر، المنتمي إلى مكون المحاميد الاجتماعي، في الأول من يناير الماضي، إثر هجوم بطائرة مسيّرة على مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور.

واتهم هلال قوات الدعم السريع بالتورط في مقتل مستشار قائدها للشؤون الأمنية في إقليم دارفور، حامد علي أبو بكر، إلى جانب عدد من كبار الضباط المنتمين إلى مجلس الصحوة المنشق والموالي لـ«الدعم السريع»، مشيرًا إلى أن هذه القوات متورطة في ارتكاب حوادث مماثلة، وتصفية عدد من أبناء القبيلة، بينهم الجنرال حافظ داؤود.

الهجوم على مستريحة

في خضم هذه التوترات، هاجمت قوات الدعم السريع بادية مستريحة بشمال دارفور، بطائرات مسيّرة في 22 فبراير الماضي، بما في ذلك مقر ضيافة هلال، حيث تسبب الهجوم في سقوط قتلى وجرحى، قبل أن تجتاحها في الثالث والعشرين من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم حيدر نجل موسى هلال، فيما فر الآلاف، بما في ذلك هلال نفسه قبل أن يظهر بعد بضعة أيام في الولاية الشمالية.  

وكان الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة، أحمد محمد أبكر، قد أدان الهجوم الذي تعرضت له المنطقة، مبينًا أن القصف شمل المستشفى الرئيس في مستريحة، ومقر ضيافة رئيسه، موسى هلال، علاوةً على منازل المواطنين مرتين، وتجمع في سرادق عزاء.

في الوقت نفسه، سارع تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، بقيادة قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى نفي مسؤولية التحالف عن الهجوم، لكن مقاتلين من قوات الدعم السريع ظهروا في مقر ضيافة هلال بعد يوم من الهجوم بالمسيّرات.

الأسباب الأقدم للعداء بين هلال وحميدتي

الرئيس المخلوع عمر البشير وموسى هلال - Getty Images

كان هلال مقربًا من نظام الإنقاذ بدرجة كبيرة، وهو التقارب الذي تحول إلى ساحة صراع على النفوذ السياسي والاجتماعي بين هلال ذي المكانة الاجتماعية الأكبر، وحميدتي الباحث عن روافع اجتماعية وسياسية واقتصادية. واستطاع حميدتي أن يحققها عبر صعوده العسكري وقربه من البشير. وفي نوفمبر من عام 2017، وصل الصراع ذروته بين هلال وحميدتي، بمباركة من حكومة الرئيس البشير، ليقود حميدتي عملية عسكرية لجمع السلاح قسريًا من أنصار موسى هلال، ويشتبك الطرفان عسكريًا ويسقط عدد من القتلى والجرحى، وتنتهي المعركة باعتقال هلال وأبنائه ونقلهم، مكبلين، إلى الخرطوم، حيث بقي في السجن سنوات، حتى أُطلق سراحه بعد الإطاحة بالبشير في 2019.

يشير الصحفي الصادق الرزيقي، الذي كان مقربًا من الرجلين، إلى أن الاحتقان بينهما كان قد وصل أعلى درجات غليانه، لافتًا إلى أنه إلى جانب التوترات المحلية، فإن تدخلات أطراف في الخرطوم صبت زيتًا على النار اللاهبة على حد تعبيره، موضحًا:

«بينما كانت عملية جمع السلاح في دارفور تنطلق مترئسًا لجنتها العليا نائب رئيس الجمهورية السابق حسبو محمد عبد الرحمن، وتباشر عملها من الفاشر في أغسطس 2017، شرعت قوات الدعم السريع في تنفيذ مهمة جمع السلاح بصلاحيات واسعة فوضتها لها اللجنة العليا». 

وذكر الرزيقي أن ذلك جاء بالتزامن مع تمدد شبكة علاقات حميدتي ونفوذه داخل السلطة في ولايات دارفور الخمس، لا سيما بعد إجازة (البرلمان) في أبريل من العام نفسه قانون قوات الدعم السريع المثير للجدل.

وقال الرزيقي، في مقال ثانٍ، إن الرئيس المخلوع عمر البشير كان قد عزم في عام 2012 على تكليف هلال بقيادة قوات جديدة بمسمى «الدعم السريع»، ومع أنه طلب منه المجيء إلى بيت الضيافة لاجتماع عاجل مع البشير، فإنه غادر فجر اليوم التالي إلى دارفور، موضحًا أن رئيس المجلس العسكري السابق، عوض بن عوف، اقترح حميدتي بديلًا له، على اعتراض قادة في الجيش على تشكيل هذه القوات. 

وفي هذه الأثناء، زادت انتقادات هلال للدولة، معلنًا عن تأسيس مجلس الصحوة الثوري تحت قيادته. وفي لقاء مع مساعد البشير وقتها إبراهيم غندور في مدينة الجنينة في 12 نوفمبر 2015، طالب هلال إقالة والي ولاية شمال دارفور الأسبق، عثمان محمد يوسف كبر، ومنع قوات الدعم السريع من التجنيد في ولاية شمال دارفور، وقبول مجلس الصحوة داخل الحزب الحاكم.

موسى هلال وحميدتي

عقوبات واتهامات

وجهت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الحقوقية اتهامات لهلال بارتكاب جرائم حرب، فيما عدّته منظمة هيومن رايتس ووتش فاعلًا رئيسًا في إستراتيجية الحكومة السودانية لتجنيد المليشيات والفاعل الأساسي في العديد من الهجمات ضد المدنيين في شمال دارفور بين عامي 2003 و2004.

وفي عام 2006، أصدر مجلس الأمن الدولي عقوبات في حقه وفي حق عدد من المطلوبين، شملت فرض قيود سفر وتجميد حساباته.

وعلى الرغم من الانتقادات الدولية بحقه والعقوبات المفروضة عليه، عيّنه البشير مستشارًا لوزير الحكم الاتحادي في يناير 2008، ودافع عن تعيينه بوصفه مواطنًا سودانيًا وشخصية شديدة التأثير في دارفور، وقدمت مساهمة كبيرة في إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة.

لاحقًا غيرت قواته إلى مسمى «حرس الحدود»، ومع تمدد نفوذ حميدتي بتعيينه قائدًا لـ«الدعم السريع»، أعلن في عام 2013 انشقاقه عن حزب المؤتمر الوطني المحلول، وانضمامه إلى حزب (الإصلاح الآن)، وصرح حينها بأن الأفكار التي يتبناها هذا الحزب هي المخرج من أزمات السودان. ليؤسس في عام 2014 مجلس الصحوة الثوري، الذي قدمه على أنه حزب يعبر عن السودانيين، ويعمل على عقد عقد المصالحات المجتمعية.

ما هي وجهة هلال التالية؟

أجرى موسى هلال، بعد تمكنه من الخروج من مستريحة، عددًا من اللقاءات مع قادة الجيش والقوة المشتركة المساندة له، إذ ظهر أولًا مع رئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، الذي سهل، بحسب هلال، ممرًا آمنًا لخروجه. وصّرح حينها، موجهًا خطابه إلى «الدعم السريع»، بأن «الحرب قد بدأت الآن»، وأنهم سيبذلون الغالي والنفيس من أجل «تحرير كل شبرٍ من المليشيا المتمردة». 

التقى هلال، بعدها، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومن ثم رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية جبريل إبراهيم. وهي لقاءاتٍ تحمل إرهاصاتٍ ربما تنعكس على الميدان هذه المرة.

أسئلة معلقة؟

موسى هلال وجبريل إبراهيم

أعادت الحرب الجارية تشكيل الواقع العسكري والسياسي، بالإضافة إلى ترسيم للتحالفات المرتبطة بإعادة تعريف مختلف الفاعلين في ظل الواقع الحالي، وهو الأمر الذي ينطبق على موسى هلال كذلك، إذ يترك خروجه القسري من مستريحة، معقله التاريخي والاجتماعي، أسئلة معلقة، حول مستقبله السياسي والاجتماعي، علاوً على مواقفه نفسها، والتي كانت واضحة في الخطابات التي ادلى بها، دون أي تدخلاتٍ عسكرية من جانبه في الحرب.

احتدام الصراع في الشرق الأوسط يدفع حرب السودان إلى حافة النسيان

مع اتساع دائرة الحرب في منطقة الشرق الأوسط يومًا بعد يوم، بدايةً من 28 فبراير الماضي، ابتعد السودان إلى حد بعيد عن ذاكرة العالم لمصلحة تلك البقعة الغنية بالنفط والمركزية في أسواق الطاقة، تحت وطأة التأثيرات الإستراتيجية والاقتصادية الكبرى التي تعصف بالإقليم.

نُسي السودان القريب من المنطقة والمرتبط بها اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، في وقت تعيد فيه الحرب تشكيل الخارطة الإستراتيجية للعالم، حيث ينشغل الجميع بإحصاء الخسائر، ووضع التحوطات، وإعادة التموضع، خشية أن تلتهمهم شرارة الحرب المشتعلة، والسودان ليس استثناءً من تلك الحسابات المعقدة.

وفيما تشخص أبصار العالم نحو جبهات الصراع المشتعلة في الشرق الأوسط وآثارها الوخيمة، يخشى السودانيون، والذين تحرقهم الحرب أيضًا، أن يتحول بلدهم إلى منطقة منسية في الذاكرة السياسية الدولية.

ولا يتوقف أثر هذا التخوف على الداخل، وإنما يمتد ليطال مئات آلاف المغتربين السودانيين في دول الخليج، الذين يمثلون ركيزة مهمة للاقتصاد السوداني وملايين السودانيين. كما أن سلاسل التوريد الحساسة، بما في ذلك الطاقة والأدوية وغيرها من الاحتياجات الضرورية لبلد في حالة حرب، تُختبر أيضًا.

ذيل الاهتمام الإقليمي

هذه المخاوف من النسيان يؤكدها السياسي السوداني، ياسر عرمان، مشيرًا إلى أن اندلاع الصراع بين (الخليج وإيران) قد وضع حرب السودان فعليًا في «ذيل الاهتمام الإقليمي»، محذرًا من أن انخراط دول «الرباعية» وقوى الجوار الحيوي في تلك المواجهات قد أضعف القدرة على تكريس الجهود الدولية لحل الأزمة السودانية، مما يطرح تحديات جسيمة بشأن سيادة البلاد ومستقبلها اللوجستي.

وأوضح عرمان أن انخراط ثلاثة بلدان من «الرباعية» على نحو مباشر في صراع الخليج، إلى جانب نحو 10 دول من الجوار الحيوي وقوى عظمى، قد حال دون تكريس الجهود الدولية لحل القضية السودانية. 

وتتشكل مجموعة الرباعية من دول: السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، لكنها تنخرط كليًا في الصراع المركب الدائر في الشرق الأوسط، كما أنها لم تقدم أي جهد مشترك منذ اندلاع الصراع هناك.

وأشار عرمان إلى أن هذا الواقع يفرض على السودانيين مضاعفة الجهود للبحث عن السلام بوصفه واجبًا وطنيًا ملحًا يتجاوز في ضرورته ما كان عليه الوضع قبل اندلاع مواجهات الإقليم.

وذكر عرمان أن الحرب الحالية ترتبط مباشرة بجغرافيا السودان، لا سيما أمن البحر الأحمر، مشيرًا إلى احتمال إعادة رسم الأوضاع الدولية بما يطرح أسئلة جدية بشأن وحدة السودان وسيادته.

كما لفت عرمان إلى أن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع قد تؤثر في الدعم اللوجستي الخارجي لأطراف الحرب في الداخل السوداني، مما قد يخلق تفوقًا لطرف على الآخر أو يؤدي إلى عجز الطرفين معًا.

وأعرب عرمان عن مخاوفه بشأن مصير مئات الآلاف من السودانيين العاملين في دول الخليج واللاجئين الذين التحقوا بهم مؤخرًا، لافتًا إلى أنهم يمثلون شريان حياة لإعالة أعداد كبيرة من الأسر داخل السودان وخارجه.

التأثيرات الاقتصادية

اقتصاديًا، ترمي الحرب بظلالها على السودان الذي يعاني في الأساس من حالة تداعي اقتصادي مستمر منذ نحو ثلاث سنوات، كما أنها تضع مزيدًا من الضغط على مئات الآلاف من المغتربين السودانيين في دول الخليج، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

يقول الباحث الاقتصادي محمد المصباح، لـ«بيم ريبورتس»، إن منطقة الخليج مهمة للاقتصاد العالمي، لعدة عوامل، أهمها دورها الكبير في سوق الطاقة العالمي، وممراتها المائية وموانئها، وكذلك حجم الأموال المتداولة، سواء الاستثمارات المالية أو الصناعية أو الخدمية، مشيرًا إلى أنها تنتج نحو 20% من الإنتاج العالمي للنفط، البالغ نحو 100 مليون برميل يوميًا، إلى جانب أنها تنتج نحو 17% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي.

وتوقع المصباح أن تمتد «الآثار التضخمية لهذه الحرب، لتشمل جميع دول العالم تقريبًا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة». 

وفيما يتعلق بتأثير الحرب على السودانيين في الخليج، قدّر المصباح عدد المغتربين السودانيين في المنطقة بنحو 1.3 مليون سوداني، قال إن معظمهم يتركز في السعودية ثم الإمارات ثم قطر. 

ويعتقد المصباح إنه من المبكر تقدير الآثار المترتبة عليهم جراء الحرب الدائرة، لكنه توقع أن يخسر عدد كبير منهم، حال استمرارها، وظائفهم، ويعانوا تدهورًا في أوضاعهم المعيشية، هم وأسرهم، وأن تمتد الآثار إلى أسرهم الممتدة، إذ يعتمد كثير من السودانيين على تحويلات المغتربين التي قال إنها تقدر بنحو ملياري دولار سنويًا، سواء في السودان أو أولئك الذين انتقلوا جراء الحرب إلى دول الجوار وكذلك الخليج لتغطية تكاليف معيشتهم. 

ودعا الباحث الاقتصادي المغتربين السودانيين إلى الاقتصاد بقدر الإمكان، تحسبًا للتوقف الطارئ لأعمالهم، مع تجهيز خطط بديلة في حال في حدث الأسوأ. 

مصادر بديلة للنفط السوداني وتأثر الميزان التجاري

وقال المصباح إن السودان باعتباره دولة مستوردة للنفط، ويستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاته النفطية من الخليج، قد يضطره إلى البحث عن مصادر بديلة للاستيراد.

وتوقع المصباح كذلك، أن يؤثر ارتفاع أسعار النفط في الميزان التجاري للدولة وفي مستويات التضخم. وفي هذا الصدد، قال إن الخليج من أهم الأسواق للسودان، سواء في الصادرات أو الواردات، ففي مجال الصادرات يصدر السودان تقريبًا كل صادراته من الذهب (والتي تقدر بنحو خمسة مليارات دولار) عبر الإمارات، بينما تمر معظم صادراته الزراعية عبر موانئ السعودية والإمارات.

ونبّه إلى أن السودان يعتمد، بدرجة كبيرة، على الاستيراد من الخليج أو عبر موانئها، محذرًا من أن تعطل هذه الموانئ جزئيًا سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف شحن السلع المستوردة وكذلك السلع المصدرة ومن ثم يقلل من تنافسيتها عالميًا. 

ولفت إلى أن الشركات والبنوك السودانية تعتمد، بدرجة كبيرة، على النظام المالي في الإمارات والسعودية، في المعاملات المالية الخارجية سدادًا أو استلامًا، متوقعًا أن يؤدي استمرار الحرب إلى تزايد الضغط على الأنظمة المالية في هذه الدول ومن ثم تأخير أو توقف التحويلات أحيانًا، مما سيؤثر في الاقتصاد السوداني. 

وأشار المصباح إلى استمرار اعتماد السودان على دول الخليج، وخصوصًا الإمارات، بوصفها خط صادراته ووارداته وتحويلاته المالية، حتى في ظل الحرب الدائرة في السودان وتوتر العلاقات بين البلدين، مما يوضح أهمية هذا الخط. 

وبشأن الإجراءات التي ينبغي على الحكومة السودانية اتخاذها للتقليل من أثر الصدمات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، يقول المصباح إنها يمكن أن تمضي في مسارين، الأول: ضمان استمرار إمدادات الطاقة، وذلك ببناء مخزونات استراتيجية تحسبًا لاتساع دائرة الحرب إلى الساحل الغربي للخليج أو استمرار ارتفاع الأسعار، وكذلك البحث عن مصادر بديلة عن دول الخليج لضمان استمرار تدفق احتياجات السودان من النفط، إلى جانب البحث عن أسواق إضافية للذهب السوداني لضمان استمرار تصديره في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية والحرب في السودان.

كما ينبغي البحث عن طرق ملاحية وموانئ إضافية لتمرير الواردات والصادرات لضمان استمرار التجارة الخارجية، بحسب المصباح الذي حثّ البنك المركزي على العمل على فتح قنوات إضافية للتحويلات الخارجية، بالإضافة إلى القنوات الخليجية، وذلك لضمان استمرار المدفوعات الخارجية للصادرات والواردات.

المخزون النفطي

وفي سياق تأثير الحرب على أسواق الطاقة المحلية، سارعت وزارة الطاقة السودانية إلى الإعلان عن وجود احتياطيات من الوقود لعدة أشهر.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن إجمالي كميات البنزين المتوفرة حاليًا بلغت 191,883 طنًا متريًا، وهي كمية تكفي لتغطية الاحتياجات المحلية لمدة 88 يومًا، استنادًا إلى معدل استهلاك يومي يبلغ 2,175 طنًا.

وفيما يخص الجازولين، كشفت الوزارة أن الكميات المتوفرة بالمستودعات وعند الموانئ استقرت عند 175,082 طنًا متريًا، وهو ما يغطي الاستهلاك المحلي لمدة 54 يومًا، بمعدل يومي يصل إلى 3,235 طنًا، مع الإشارة إلى وجود ناقلات إضافية في عرض البحر بانتظار تعليمات التفريغ.

أما على صعيد غاز الطهي، فقد أشارت وزارة الطاقة إلى تحديات ميدانية واجهت سلسلة الإمداد، إذ يبلغ إجمالي الكميات المتاحة حاليًا 8,138 طنًا متريًا. 

وأرجعت الوزارة تعقيدات البرمجة الحالية إلى تضرر «المواعين التخزينية» في مدينة بورتسودان نتيجة استهدافها بالطائرات المسيّرة، مؤكدةً أن دخول بواخر الغاز وتفريغ حمولاتها بات مرتبطًا حصرًا بالسعات التخزينية المحدودة المتبقية، مما يفرض قيودًا تقنية على سرعة تدفق الإمدادات على الرغم من توفر الشحنات المتعاقد عليها في الموانئ.

الوفرة الدوائية

فيما يتعلق بتأثر الدواء جراء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قال وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، إنه تم مناقشة قضية الوفرة الدوائية في ظل ظروف حرب الخليج، والعمل على ضمان الإمداد الدوائي والمستهلكات الطبية عبر الصندوق القومي والشركات، بالإضافة إلى فتح منافذ تعاون مع دول أخرى.

وجاءت تصريحات الوزير لدى انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق الصيدلاني لعام 2026.  

كما  تناول الاجتماع ملف التصنيع الدوائي ومشروع الاستثمار الداخلي، بما في ذلك مدينة «ترياق» الصناعية الدوائية، إذ اتُفق على وضع رؤية متكاملة لدعم هذا القطاع. 

إدانات سودانية لهجمات إيران على دول الخليج

سياسيًا وفي الداخل السوداني، أدانت حكومة السودان الاعتداء الإيراني «غير المشروع» على دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية.

وأكدت الخارجية السودانية، في بيان أصدرته عشية اندلاع الحرب، وقوفها التام مع سيادة هذه الدول وسلامة أراضيها. كما دعت إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي السياق نفسه، أدان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) ما وصفه بـ«العدوان الغاشم» الذي نفذه النظام الإيراني ضد كل من السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، والأردن. 

وأشار التحالف، في تصريح صحفي، إلى أن هذا التصعيد تجاهل المواقف المعلنة لهذه الدول الداعية إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، مطالبًا بوقف الهجمات فورًا والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

كما شدد تحالف «صمود» على ضرورة نبذ جميع أشكال الإرهاب والأنشطة المزعزعة للأمن الإقليمي، داعيًا المجتمع الدولي إلى ترجيح كفة الحلول السلمية في حل النزاعات القائمة.

حرب منسية

بينما تشتد وتيرة الصراع المركب في الشرق الأوسط منذ أسابيع بلا نهاية تلوح في الأفق، بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران من جهة، وإيران ضد دول المنطقة من الجهة الثانية. تراجعت بالمقابل الجهود الدولية والإقليمية لإنهاء الحرب في السودان التي اقتربت من إكمال عامها الثالث، وسط تصاعد القتال في الجبهات المختلفة واستمرار سقوط المدنيين.

كما تثور المخاوف من أن يُفاقم الصراع في الشرق الأوسط من سوء الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وأن يلقي بظلال وخيمة على مئات آلاف المغتربين في دول الخليج والذين بدورهم ظلوا يضطلعون بدور مركزيّ في مساعدة الملايين داخل السودان في السنوات الثلاث الماضية، مما قد يزيد من الصورة القاتمة التي تعيشها البلاد في الأساس.

أعلنت استئناف نشاطها.. ماذا تعرف عن لجنة إزالة التمكين في السودان؟

أعلنت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة، يوم الثلاثاء، استئناف نشاطها، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات ونصف من تجميدها بقرار من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عقب الإطاحة بالحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021. فما هي قصة اللجنة وما أبرز محطاتها؟ 

التأسيس والمرجعية القانونية

تشكلت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة –وهي لجنة سيادية– بموجب قانون خاص في 10 ديسمبر 2019. ونصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 في الفقرة الثالثة من المادة السابعة على محاسبة منسوبي النظام البائد عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ الثلاثين من يونيو 1989، وفقًا للقانون. كما نصت في الفقرة 15 من المادة الثامنة على تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989 وبناء دولة القانون والمؤسسات. 

وتُعرف اللجنة نفسها، بحسب صفحتها على «فيسبوك»، بأنها «لجنة مستقلة ذات تفويض واسع وصلاحيات وسلطات كبيرة لتفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، وهد أعمدة الفساد التي أقامها النظام على أنقاض المشاريع الوطنية والقومية، وعبر نهب موارد الدولة السودانية بطريقة مُمنهجة مستخدماً التمكين والقوانين المفصلة لمصلحة رموزه ومؤسساته».

هيكلة اللجنة

ترأس اللجنة، عند تشكيلها، عضو مجلس السيادة ياسر العطا، فيما عين عضو مجلس السيادة من المكون المدني محمد الفكي سليمان رئيسًا مناوبًا للجنة، ووزير شؤون مجلس الوزراء عمر مانيس، مقررًا.

كما ضمت اللجنة عند تشكيلها أعضاء: من وزارات الدفاع، والداخلية، والعدل، والحكم الاتحادي، والمالية، والمخابرات العامة، وقوات الدعم السريع، وبنك السودان المركزي، وديوان المراجعة القومي، وقوى الحرية والتغيير.

ولاحقًا، أصبح القيادي في قوى الحرية والتغيير وجدي صالح مقررًا لها، كما كان القيادي في التحالف نفسه، صلاح مناع، عضوًا بارزًا فيها، بالإضافة إلى قادة آخرين في قوى الحرية والتغيير. 

واتخذت اللجنة من مبنى البرلمان السوداني سابقًا بوسط الخرطوم مقرًا لها.

بداية عمل اللجنة

بدأت اللجنة عملها بالكشف عن ملفات فساد ضخمة خلال عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، إذ صادرت أراضٍ بمئات آلاف الأمتار المربعة من قادة النظام السابق وعلى رأسهم أفراد أسرة البشير. كما شملت قرارتها:

حل عشرات المنظمات الطوعية وصادرت أموالها بعد اتهامها بالعمل تحت غطاء العمل الطوعي والحصول على أراض. مصادرة شركات مملوكة لقادة ورجال أعمال كانوا يحصلون على تمويل وامتيازات ويدعمون بها أعمال الحزب الحاكم سابقًا. فصل آلاف العاملين في القضاء، والنيابة، والإعلام، ووزارة الخارجية، بدعوى حصولهم على الوظائف عبر «التمكين»، لا الكفاءة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن قيمة الأموال والأصول التي وضعت اللجنة يدها عليها تتجاوز مليار دولار أمريكي.

لجنة الاستئنافات

أدى تأخر تشكيل «لجنة الاستئنافات» أحد أبرز التحديات القانونية التي واجهت عمل لجنة التفكيك، إذ نص قانون التأسيس على وجود درجة استئنافية عليا للنظر في الطعون المقدمة من المتضررين. ومع استمرار اللجنة في إصدار قرارات الفصل والمصادرة لقرابة العامين دون تفعيل لجان الاستئناف، تصاعدت الانتقادات الحقوقية لها. 

وفي نوفمبر 2022، أصدر رئيس مجلس السيادة، عبدالفتاح البرهان، قرارًا بتعيين عضو مجلس السيادة السابق، الطاهر حجر، رئيسًا للجنة الاستئناف ضد قرارات لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال. وذلك بعد إعفاء رئيس لجنة الاستئناف ضد قرارات لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال، المستشار علي عبدالرحمن محمد إدريس، من منصبه.

استقالة ياسر العطا

في أوائل فبراير 2021، استقال عضو مجلس السيادة ياسر العطا من رئاسة اللجنة، موضحًا في تصريحات صحفية أن طبيعة عمل اللجنة «تنفيذية»، وأنه قبل بالمنصب سابقًا لهشاشة وضع الثورة ولترسيخ الشراكة.

وأرجع العطا استقالته إلى انتقادات مستمرة لنهج اللجنة من جميع مستويات الحكم، بالإضافة إلى تعطّل دورة العدالة بسبب عدم مباشرة «لجنة الاستئنافات» لعملها، ونفى أن يكون قد طالب بحل اللجنة، بل اقترح ذلك فقط في حال لم يرضَ شركاء الحكم عن قانونيتها ونهجها.

التجميد واستئناف النشاط

وفي أعقاب إطاحته بالحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، أصدر قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قرارًا بتجميد اللجنة لحين مراجعة قانون عملها. كما زُج بقادتها في السجون ووُجهت إليهم بعض التهم. 

وبعد تجميد اللجنة، أصدرت المحكمة العليا السودانية، العديد من القرارات تباعًا، أعادت بموجبها موظفين وعاملين إلى مؤسسات مختلفة كانت قد فصلتهم اللجنة.

وأصدرت اللجنة بيانًا، يوم الثلاثاء، أعلنت فيه العودة إلى العمل برئاسة محمد الفكي سليمان، مؤكدةً أن هدفها «إنهاء اختطاف منظومة النظام السابق للدولة»، ومواصلة تتبع شبكاتها المالية والتنظيمية.

وشددت اللجنة، في بيانها، على ملاحقة قادة التنظيم قضائيًا داخل السودان وخارجه، والكشف عن الواجهات الإعلامية والمنظمات التي تتخذها تلك المجموعات أذرعًا لها، داعيةً المجتمع الدولي والإقليمي إلى التعاون في استرداد الأموال المنهوبة الموجودة خارج البلاد.

ليبقى السؤال: هل تنجح لجنة إزالة التمكين في استئناف عملها بعد سنوات من تجميدها؟

المقترح الأمريكي لإنهاء حرب السودان: خمس نقاط على طاولة الجيش و«الدعم السريع»

في خضم استمرار القتال العنيف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خاصة في منطقتي كردفان والنيل الأزرق ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثالث في السودان، قدمت الولايات المتحدة مقترحًا جديدًا للطرفين مكونًا من خمس نقاط في محاولة لإنهاء الصراع الدموي في البلاد.

تفاصيل المقترح الأمريكي:

خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي عُقد في 19 فبراير الماضي لمناقشة الأزمة في السودان، قدم كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس خمسة محاور للتنسيق الدولي لإنهاء الحرب في السودان. ويتكون المقترح الأمريكي الذي قدمه بولس من:

  • هدنة إنسانية فورية.
  • ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام، وحماية المدنيين.
  • وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية موثوقة.
  • عملية انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية.
  • خطة طويلة الأمد للتعافي وإعادة الإعمار، تعيد الاستقرار والفرص إلى الشعب السوداني.

عرض المبادئ الأمريكية على الجيش والدعم السريع

الخطة الأمريكية لتحقيق السلام في السودان أكد عليها متحدث باسم الخارجية الأمريكية في 24 فبراير الماضي. وأعلن المسؤول الأمريكي في تصريح لقناة الشرق السعودية عن (مبادئ قوية لاتفاق شامل) في السودان، قال إن بولس عمل عليها ضمن جهود الرباعية الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المستمرة منذ أبريل 2023. وأكد أن بولس وفريقه “عملوا بشكل وثيق مع الحلفاء وغيرهم”، ومع رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان وفريقه، بالإضافة إلى “العمل عن كثب” مع قوات الدعم السريع، من أجل التوصل إلى تلك المبادئ.

الخرطوم تتحفظ والدعم السريع لم ترد

وفيما أعلنت الخرطوم أن المقترح الأمريكي لا يعني بالضرورة موافقة الحكومة السودانية عليه، يوافق تحالف “تأسيس” بقيادة قوات الدعم السريع بشكل عام على مسار الحل المقدم من دول الرباعية التي تضم المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات والولايات المتحدة لحل الأزمة السودانية المستعصية، لكنه لم يرد رسميًا على المقترح الذي أعلنت الإدارة الأمريكية أنها شاركته مع الجيش والدعم السريع.

وقالت وزارة الخارجية السودانية في بيان بتاريخ 24 فبراير الماضي إن طرح أو تقديم أي مقترحات، “لا يعني بالضرورة قبولها أو الموافقة عليها من قبل الحكومة السودانية”. وشدد البيان على أن “أي مقترحات لإنهاء الحرب وتحقيق السلام يجب أن تراعي السيادة الوطنية والمصلحة العليا للبلاد والأمن الوطني السوداني، والسيادة الوطنية الكاملة، ووحدة أراضي السودان ووحدة مؤسساته وسلامته الإقليمية”. 

وأضاف البيان أن أي “مقترحات لا تراعي مصالح البلاد العليا لن تحظى بموافقة الحكومة، وبالتالي لن تجد طريقها للتنفيذ”.

 وأشار بيان الخارجية السودانية إلى أن “الحكومة السودانية إذ تأخذ علمًا بمقترحات وتصورات الأصدقاء والشركاء، فإنها لن تقبل بأي حال من الأحوال التدخل في شؤونها الداخلية أو محاولات فرض تصورات ومقترحات تتعارض مع المصالح الوطنية العليا، ولا تحترم سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه والحقوق العادلة لأهله”.

خارطة الطريق الحكومية

بالمقابل، تتمسك الحكومة السودانية بقيادة الجيش بمبادرة رئيس الوزراء المعين، كامل إدريس كإطار لحل الأزمة، وسط رفض من تحالف الدعم السريع وقوى سياسية أخرى على رأسها تحالف “صمود”. كما تتمسك الحكومة السودانية وقادة الجيش بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمواقع التي تسيطر عليها وتجميعها في معسكرات محددة قبل الموافقة على أي عملية سلام.

التحفظات الرسمية والتعقيدات الإقليمية

ويجيء المقترح الأمريكي في ظل إدارة شبه ثنائية بين الرياض وواشنطن للأزمة السودانية بدون انفصال رسمي عن مظلة الرباعية، في ظل استمرار رفض الخرطوم لأن تكون أبوظبي جزءًا من حل الأزمة، وسط تقارب بين الخرطوم والرياض وتصاعد الخلافات بالنسبة للرياض مع أبوظبي.

قلق الاستقرار وهاجس العودة: تجربة السودانيين خلال الانتخابات الأوغندية

بعد مرور نحو شهر من إجراء الانتخابات اليوغندية، والتي جرت وسط توتر أمني أثار المخاوف بين اللاجئين السودانيين في البلد الواقع في شرق إفريقيا حيث يعيش هناك أكثر من 90 ألف لاجئ معظمهم في معسكرات، أعلنت السفارة السودانية عن بدء رحلات عودة طوعية للاجئين السودانيين ابتداء من يوم 20 فبراير الجاري. 

وقد رصدت بيم ريبورتس مخاوف السودانيين من الانتخابات في يوغندا خاصة العاصمة كمبالا والتي جرت في يوم 15 يناير الماضي حيث أعيد انتخاب الرئيس يوري موسفيني للمرة السابعة وسط أعمال عنف وتضييق على مرشح المعارضة بوبي واين في خضم انقطاع الإنترنت والاتصالات طيلة أيام. 

وسط الصدمات التي سببتها الحرب في السودان والتي أجبرت الملايين على الفرار إلى خارج البلاد، أمضى اللاجئون في يوغندا أيام الانتخابات بين الترقب والأمل، في أن تمضي بسلام يعرفون معناه وعنف يتخوفون منه.  

فيما قرر أولئك الذين يمتلكون المال السفر إلى خارج يوغندا إلى الجارتين كينيا ورواندا وغيرهما من البلدان الأخرى تخوفًا من وقوع اضطرابات وأعمال خلال الانتخابات، واضعين في الاعتبار تجربة الفرار من الحرب في السودان

يقول محمود (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كُنّا حذرين وقلقين في آن، فمع قطع خدمات الإنترنت وخدمات التحويل المصرفي، لم تتح مصادرٍ كافية لمتابعة المستجدات بشأن تطورات الأحداث في يوغندا نفسها، كما لم نكن على تواصلٍ مع الأهل في السودان للإطمئنان عليهم، خاصة مع تصاعد المعارك العسكرية في محور كردفان”

وجرت الانتخابات الرئاسية اليوغندية بين يومي 15 و18 يناير الماضي وسط أجواءٍ سياسية محتقنة ما بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وشهدت انتشارًا أمنيًا كبيرًا، من قبل الجيش والشرطة والقوات الخاصة، في العاصمة كمبالا وغيرها من المدن الرئيسية وسط توتراتٍ في الشارع العام. كما قطعت خدمات الإنترنت ما بين 13 إلى 18 يناير.

وقالت الأمم المتحدة إن الشرطة والجيش استخدما الذخيرة الحية لتفريق التجمعات السلمية، وقاما بعمليات اعتقال تعسفية، واختطاف أنصار المعارضة قبل خلال المسيرات التي انتظمت عددًا من المناطق قبل الانتخابات، علاوةً على إصدار الحكومة أوامر إيقاف بحق عدد من المجموعات والمنظمات الحقوقية، من ضمنها شبكة حقوق الإنسان الصحفية بأوغندا. 

ما قبل 15 يناير 

كان القلق التوتر وسط السودانيين سابقًا لقيام الانتخابات وتركز التخوف عما ستسفر عنه الانتخابات اجتماعيًا وسياسيًا خاصة وهم يضعون في الحسبان تجربة الحرب التي كانت العامل الأساسي في لجوئهم وتهجيرهم من منازلهم، وفقدان أغلبهم البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانوا يتوفرون عليها في السودان، الأمر الذي جعل من وجود غالبيتهم وجودًا هشًا.

“أصبحت لا أخرج من المنزل إلا بعد التأكد من حمل أوراقي الثبوتية، خاصة بطاقة اللجوء، وذلك على إثر توقيفي عدة مرات من قبل جهاتٍ أمنية مختلفة لم استطع التمييز عن كنهها” – يقول البخيت وهو شاب مقيم ويعمل بالعاصمة كمبالا. إثر تجاربه مع الجهات الأمنية، قلل البخيت حركته بالكامل خلال فترة الانتخابات، لتقتصر على الالتزامات السريعة والمشاوير الخاطفة الضرورية.

السفر خارج يوغندا

مع تأكيد الجهات المختلفة على توجيهات محددة للالتزام بها خلال فترة الانتخابات، إلا أن مقدار التوتر كان مرتفعًا ومتصاعدًا لدى السودانيين، خاصة مع غياب المعرفة الكافية بالسياق الاجتماعي المحلي، الأمر الذي دفع عددًا مقدرًا من الأسر والأفراد لترتيب مغادرة أوغندا إلى دولٍ مجاورة حتى تنقضي فترة الانتخابات. وقد نشطت عدد من وكالات السفر السودانية في تنظيم رحلاتٍ جماعية وفردية إلى رواندا، بلغت تكلفة السفر للفرد 450 دولارًا أمريكيًا، كما سافر آخرون  بشكلٍ فردي إلى كينيا وجنوب السودان وزنجبار، كلٍ حسب استطاعته وقدرته المالية، لكن السواد الأعظم من السودانيين بقي في أوغندا مع اتباع إجراءاتٍ صارمة في الحركة، علاوةً على تجهيز مؤنٍ واحتياجاتٍ معيشية.

فترة الانتخابات

الرئيس الأوغندي يوري موسفيني

ما بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتي شهدت فوز الرئيس يوري موسيفيني (81 عامًا) بدورة رئاسية سابعة، بينما احتجز منافسه بوبي واين (43 عامًا) في الإقامة الجبرية، قبل أن يتمكن من الهرب ويظهر في مقابلةٍ متلفزة يشكك فيها في صدقية الانتخابات، ويدعو مناصريه للاحتجاج السلمي عبر تنظيم التظاهرات وأشكاله المختلفة، الأمر الذي جاء في وقتٍ أعلن فيه الجيش اليوغندي عبر قائده موهوزي كاينيروجابا، نجل الرئيس موسيفيني، عن مقتل 30 شخصًا من المعارضة، علاوة على اعتقال ما يزيد عن الـ 2000 شخص.

اضطرابات في كاومبي

المرشح الرئاسي بوبي واين

تعد منطقة كاومبي بالعاصمة كمبالا إحدى المناطق الحية في يوغندا، وقد شهدت اندلاع توتراتٍ في مركز فرز الأصوات في مقاطعة كاومبي خلال عملية فرز أصوات الانتخابات الرئاسة.

 وخلال عملية الفرز وقعت اشتباكات بين أنصار حركة المقاومة الوطنية وحزب الوحدة الوطنية، ومع احتواء المنطقة على أعدادٍ كبيرة من السودانيين، جنبًا إلى جنب أنها منطقة قوامها الأكبر من المعارضة المناصرة لبوبي واين.

وقالت زينب (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كنا لا نخرج من البيت نهائيًا، وفي اليوم الثاني من الانتخابات، شهد حينا بكاومبي مطاردات القوات النظامية لمناصري بوبي واين، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، الذي وصل حتى منطقة سكننا بعد أن لاذ عدد من المطاردين به”. 

عنتيبي…هدوء وتمشيط للشوارع

القصر الرئاسي في مدينة عنتيبي

كان الوضع في مدينة عنتيبي، والتي يسكنها عدد كبير من السودانيين خاصة في منطقة شيتورو ونُشوغو، مغايرًا لما هو عليه في كمبالا، إذ كانت الحركة إلى قبل الانتخابات بيوم عادية، مع استمرار عمل غالبية المحال التجارية الأوغندية، والسودانية التي تتركز في سوق شيتورو.  “سنعمل اليوم حتى ساعة متأخرة، أما يوم غدٍ، 15 يناير،  فلن نعمل كإجراء احترازي، حتى نرى كيف تسير الأمور” – كان هذا تقدير عبد الكريم (اسم مستعار) في حديثه لمراسل بيم ريبورتس قبل يوم انطلاق الانتخابات، ويبدو أن هذا ما انتهجته أغلب المحال والأفراد في حركتهم وأداء مهامهم، ليعودا بعدها لمباشرة أعمالهم. 

وتكتسب عنتيني بعدًا مهمًا في الخارطة السياسية والعسكرية في أوغندا، إذ تتمركز فيها قيادات عدد من المؤسسات الأمنية، علاوةً على أنها المدينة التي تضم المطار الرئيس في البلد، والأخير كان سببًا في لجوء عدد من المسافرين أيام الانتخابات للقدوم إليها حتى يكونوا بالقرب من المطار بهدف تجنب أي تعقيداتٍ في الحركة، إضافةً إلى هؤلاء، لاذ إلى المدينة عددًا من الأسر والأفراد وذلك لهدوء المدينة والأمان الكبير مقارنة بكمبالا. 

“كان الوضع عاديًا ولم يختلف عن أي فترة أخرى خلال الفترة التي تزيد عن العامين قضيتهما في هنا. كنتُ أذهب إلى العمل وأرجع راجلة. الشئ الوحيد الذي لاحظته هو تمشيط عددًا من أفراد الجهات الأمنية الشوارع جيئةً وذهابًا” هذه تجربة تبيان، عاملة في القطاع الصحي في عنتيبي، خلال فترة الانتخابات. وتضيف “مع قطع الإنترنت في جميع البلاد، واستثناء المؤسسات الحكومية والمستشفيات فقد أتاح لي ذلك تطمين بقية أسرتي خارج أوغندا عليّ، ونقل رسائل ملحة وضرورية من الأصدقاء إلى ذويهم بالخارج”.

بدء العودة الطوعية من أوغندا

ووسط هذه التوتر أثناء الانتخابات أعلنت اللجنة العليا لتنظيم العودة الطوعية للسودانيين في أوغندا، يوم الأحد 15 فبراير الحالي عن بدء أولى رحلات الإجلاء الجوي للعائدين إلى السودان في 20 فبراير الجاري، من مطار عنتيبي إلى مدينة بورتسودان.

ويعيش في أوغندا نحو 92 ألف لاجئ سوداني، استقر نحو 13 في المئة بينهم في العاصمة كمبالا ومدينة عينتبي فيما يعيش الغالبية في معسكرات للاجئين. 

وقالت المتحدثة باسم اللجنة، ريم عبد الجليل، في تصريح لـ “سودان تربيون”، إن مشروع العودة الطوعية سيُدشَّن رسميًا في 19 فبراير بمقر السفارة السودانية في كمبالا، على أن تنطلق أول رحلة للعائدين طوعًا ابتداء من يوم الجمعة الموافق 20 فبراير الحالي. 

وأكدت عبد الجليل أن الرحلة الأولى ستنطلق عبر طيران تاركو من مطار عنتيبي إلى بورتسودان، حيث ستُقلّ 146 سودانيًا، إلى جانب أربعة من أعضاء اللجنة العليا.

وأفادت بوجود تنسيق بين اللجنة ومنظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني لتنفيذ مشروع نقل العائدين من بورتسودان إلى الولايات الآمنة داخل البلاد.

وبحسب عبد الجليل، فإن عدد السودانيين المسجلين للعودة الطوعية عبر المنصة الإلكترونية التابعة للجنة بلغ نحو 4818 شخصًا، متوقعةً ارتفاع العدد بعد تنفيذ الرحلة الأولى. ولفتت إلى أن أعضاء اللجنة سيعقدون لقاءات مع مسؤولين في الحكومة السودانية لبحث استقطاب التمويل اللازم لبرامج العودة من أوغندا.

وكان نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، قد تعهد خلال زيارته إلى يوغندا، بدعم مشروع العودة الطوعية.

ووصل إلى مطار بورتسودان صباح الجمعة 150 من اللاجئين السودانيين بيوغندا من جملة نحو 93 ألفا في إطار العودة الطوعية للبلاد. 

وقالت وكيلة وزارة الثقافة والإعلام السودانية سمية الهادي إن الرحلة تعد الأولى لمقدم لاجئين سودانيين من يوغندا وأن الرحلات ستتوالى تباعا، برحلات عديدة لعودة المزيد من اللاجئين من دول أخرى خاصة ليبيا.

هدوء حذر

وبين موسم انتخابي مشحون وبدء رحلات العودة الطوعية، وجد كثير من السودانيين في أوغندا أنفسهم أمام مفارقة قاسية: البحث عن أمانٍ خارج وطنٍ مشتعل، مع استمرار شعورٍ بعدم اليقين حتى في بلدان اللجوء. وتمثل أوغندا مثالًا على هذا التعقيد؛ فالرئيس يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عامًا، يحكم البلاد منذ عام 1986، بعد إلغاء القيود الدستورية المتعلقة بدورات الرئاسة والسن القصوى للترشح. ويطرح طول أمد الحكم، مقرونًا بتقدّم الرئيس في السن وغياب مسارٍ واضح لانتقال السلطة، تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالمشهد قد يبدو مستقرًا ظاهريًا، غير أن غموض ما بعده يجعل الاستقرار مشروطًا وقابلًا للاهتزاز عند أي منعطف مفاجئ، وهو ما يعمّق إحساس التحسّب لدى اللاجئين السودانيين بالذات، الذين لا تزال ذاكرة الحرب تؤطر قراراتهم بين بقاءٍ هشّ في المنفى وعودةٍ إلى السودان تحفها الهواجس.

بعد طلب السودان استعادة عضويته بالاتحاد الإفريقي: هل يُفك التجميد؟

شارك وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، اليوم الخميس، في اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، التابع للاتحاد الأفريقي، والمنعقد على مستوى وزراء الخارجية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا – برئاسة مصر – لبحث تطورات الحرب في السودان.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم (يمين) ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف الخميس 12 فبراير 2026

وتعد هذه أول مشاركة رسمية لمسؤول سوداني في أنشطة الاتحاد الإفريقي منذ تجميد عضوية البلاد في أعقاب الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021. 

وخلال الاجتماع نفسه، طالب سالم الاتحاد الإفريقي برفع تعليق عضوية السودان «عقب استيفاء الشرط الأساسي المتمثل في تشكيل حكومة الأمل المدنية»، التزامًا بمبدأ الحلول الإفريقية لقضايا القارة وتحقيق مبادرة «إسكات البنادق». 

رغم ذلك، لم يتضمن البيان الصادر عن المجلس عقب الاجتماع قرارًا بإعادة عضوية السودان للإتحاد الأفريقي، رغم ترحيبه ببعض التطورات، من بينها «المبادرة الوطنية للسلام» التي قدمها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في ديسمبر الماضي، وعودة الحكومة الانتقالية إلى العاصمة الخرطوم، مع تأكيد الحاجة إلى إعادة فتح مكتب اتصال الاتحاد الإفريقي هناك تمهيدًا لتعزيز التنسيق.

لماذا جُمدت عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي؟

في 27 أكتوبر 2021، قرر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد، ردًا على الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش بالتعاون مع قوات الدعم السريع في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، وأدى إلى حل الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك.

وعدّ المجلس الانقلاب «تغييرًا غير دستوري للحكومة، وأمرًا غير مقبول وإهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الإفريقي». 

ويقر الاتحاد الإفريقي بمجموعة من القوانين والإجراءات، من بينها تجميد عضوية الدول، لمواجهة الاستيلاء غير الدستوري على السلطة، حيث تشهد أفريقيا العدد الأكبر من الانقلابات العسكرية في العالم.

وتنص المادة (30) من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي (الصادر عام 2000) على أنه «لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد».

ما الدول التي يجمد الاتحاد الإفريقي عضويتها؟ وكيف يمكن أن تستعيدها؟

يجمد الاتحاد الإفريقي حاليًا عضوية خمس دول بسبب تغيير السلطة عبر الاستيلاء غير الدستوري على السلطة (انقلابات عسكرية)، وهي إلى جانب السودان: مالي (2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023)، ومدغشقر، وغينيا-بيساو (2025).

ويحرم قرار التجميد هذه الدول من المشاركة في أنشطة الاتحاد وهيئات صنع القرار، ويُمدَّد دوريًا حتى استعادة النظام الدستوري.

في المقابل، يضع الاتحاد الإفريقي شروطًا لاستئناف عضوية الدول المجمدة، من أبرزها عودة النظام الدستوري، أو اجراء انتخابات عامة، وتنفيذ عملية انتقال سياسي شرعية، وهو ما حدث مؤخرًا مع دولتين أعاد الاتحاد عضويتهما فيه، وهما الغابون (2025)، وغينيا (2026).

ويأتي طلب السودان رفع تعليق عضويته في سياق الجهود المستمرة لإيقاف صراعه المسلح، فهو يستند إلى مبادرة «إسكات البنادق» التي أطلقها الاتحاد الإفريقي ضمن أجندته طويلة المدى لعام 2063، وأُقرت رسميًا عام 2013، بهدف إنهاء النزاعات المسلحة في القارة.

كيف تحاول الحكومة السودانية استعادة عضويتها؟

منذ الإطاحة بالحكومة الانتقالية في السودان، لم تتوقف مساعي الحكومة بقيادة الجيش للعودة إلى الاتحاد الإفريقي، حتى بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وفي هذا السياق، عيّن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المسؤول الأممي السابق كامل إدريس رئيسًا للوزراء، في مايو 2025، أول رئيس وزراء مدني منذ استقالة عبد الله حمدوك في يناير 2022، في خطوة لاقت ترحيبًا من الاتحاد الإفريقي ومنظمات إقليمية بينها جامعة الدول العربية.

كما تتواصل مساعٍ لتشكيل برلمان انتقالي، ما يطرح تساؤلات حول مدى إسهام هذه الخطوات في تقريب السودان من استعادة عضويته.

وتمثل مصر، التي تقود الجهود لاستعادة السودان عضويته، أحد أبرز النماذج للدول التي استعادت عضويتها في الاتحاد الإفريقي، إذ علّق مجلس السلم والأمن أنشطة القاهرة بالاتحاد في الخامس من يوليو 2013، عقب عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، باعتباره «تغييرًا غير دستوري للسلطة».

واستمر تجميد عضوية مصر نحو 11 شهرًا، قبل رفعه في 17 يونيو 2014، بعد استكمال خارطة الطريق الانتقالية، بما في ذلك إجراء انتخابات رئاسية، أدت إلى تنصيب وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، رئيسًا للجمهورية، وإقرار دستور جديد للبلاد، في وقت سابق من العام نفسه.

وبالنظر إلى أن مجلس السلم والأمن لم يتخذ بعد قرارًا بإعادة عضوية السودان في اجتماعه الأخير اليوم، يبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت الخطوات التي أعلنتها الحكومة السودانية كافية لاستيفاء شروط الاتحاد الإفريقي، في ظل كون القرار سياسيًا تقديريًا أكثر من كونه إجراءً تنظيميًا تلقائيًا.

«اعتني بأطفالنا إذا لم أعد».. شبح الترحيل القسري يهدد شتات اللاجئين السودانيين في مصر

«في طريقه من المنزل إلى مكان عمله، حمل زوجي جواز سفره وأوراقه الثبوتية، وتوجه بالحديث إليّ قبل ذهابه إلى محطة المترو: في حال اُعتقلتُ ولم أعد، ورُحّلت إلى السودان، فإن طلبي الوحيد هو الاعتناء بأطفالنا جيدًا». هكذا تصف ربة المنزل عفراء (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أطفال ولاجئة في العاصمة المصرية القاهرة، حالة القلق والترقب التي تعيشها منذ الأسبوع الماضي، على خلفية حملات الاحتجاز والاعتقال والترحيل المستعرة التي شرعت السلطات المصرية في تنفيذها بشكلٍ متصاعد ومكثف منذ مطلع الأسبوع الثاني من يناير الماضي.

وشملت الحملات اعتقال اللاجئين السودانيين من الشوارع والأماكن العامة، ومن ثم الشروع في ترحيلهم إلى السودان. تشعر إسلام (اسم مستعار) وهي لاجئة وصلت إلى القاهرة رفقة أسرتها قبل نحو سنتين، بالرعب وعالم اللجوء يتداعى بين يديها، ومن ناحية أخرى ينتابها خوف من العودة إلى السودان. لم تغادر إسلام شقتها منذ بدء حملات السلطات المصرية والتي طالت الجميع بمن في ذلك النساء والأطفال.

ويقول العديد من الذين تحدثنا إليهم إن الوثائق الثبوتية التي يقدمها اللاجئون واللاجئات، بما في ذلك «بطاقة اللجوء» التي تصدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وحتى الإقامات النظامية الصادرة من وزارة الداخلية المصرية، لا تحمي في بعض الحالات من الاعتقال والترحيل.

تضمنت هذه الحملات اعتقال وترحيل طلاب يدرسون في الجامعات المصرية بشكلٍ رسمي ويحملون بطاقات جامعية. ومن بين الذين جرى ترحيلهم طالب اعتُقل تعسفيًا على الرغم من أنه يحمل إقامة سارية حتى نهاية العام الجاري وبطاقة جامعية، وصدر قرار بترحيله، بحسب مصادر أسرية تحدثت إلى «بيم ريبورتس».

تضييق الدخول إلى مصر

لجأ إلى جمهورية مصر العربية، منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، ما يقارب الـ 1.5 مليون سوداني، وذلك وفقًا لإحصاءات مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

صورة لعشرات السودانيين المتكدسين في معبر أرقين البري 

لم يكن وصول غالبية السودانيين الفارين من الحرب يسيرًا إلى مصر، فبعد أشهرٍ من الحرب، وضعت السلطات المصرية قيودًا وشروطًا جديدة للدخول. كما أنها بشكلٍ غير معلن، تخلت عن اتفاقية الحريات الأربع، الموقعة بين البلدين في العام 2004 والتي كانت تكفل لمواطني البلدين حرية الحركة والتنقل والإقامة غير المشروطة بالحصول على تصريح، بالإضافة إلى الحق في العمل والتملك في كلا البلدين. 

وقبل اندلاع الحرب، كان دخول السودانيين إلى مصر أكثر يسرًا، إذ لم تكن النساء والفتيات، فضلاً عن الفتيان دون سن الـ 16 والرجال فوق سن الـ 49 في حاجةٍ إلى تأشيرة دخول.

لكن بعد اندلاع الحرب، تصاعدت الصعوبات التي يواجهها السودانيون، وباتت متطلبات دخول مصر أكثر صعوبة، فتأشيرة الدخول التي كانت مجانية أصبحت في حاجةٍ لما يعرف الآن بالموافقة الأمنية، وهي إذن دخول ذي رسومٍ مرتفعة، تتراوح ما بين 3000 نزولًا إلى 800 دولار أمريكي، بحسب الوقت الذي تستغرقه في استخراجها.

بدأت هذه التغييرات تدريجيًا، إذ جاء أول قرار بعد شهرٍ من اندلاع الحرب، وتمثل في وقف التعامل بوثائق السفر المؤقتة للسودانيين، وهي الوثائق التي كانت تسمح من خلالها السلطات المصرية بعبور حامليها للحدود، بدلًا عن جوازات السفر التي لا يملكونها.

طرق بديلة ومصاعب أكبر

مع القيود الجديدة التي فرضتها السلطات المصرية على حركة ودخول السودانيين منذ يوليو 2023، علاوةً على فترات الانتظار الطويلة، في حال امتلاك الموارد الاقتصادية، اضطرت مئات الأسر والأفراد لسلوك طرق بديلة لدخول مصر، وذلك عبر المعابر البرية التي ينشط فيها مهربون يطلبون مبالغ كبيرة، علاوةً على سلك طرق وعرة وخطرة، يتعرض اللاجئون خلالها لعمليات نهب واستغلال مالي واحتيال من المهربين، بالإضافة إلى مخاطر الحوادث المرورية التي تقل فرص النجاةٍ منها بسبب غياب فرق إسعاف.

مجموعة من الأسر والأفراد في واحدة من رحل عبور الصحراء

منذ ديسمبر 2023 تزايدت أعداد السودانيين من عابري الحدود البرية إلى مصر بشكلٍ غير رسمي، نتيجة اجتياح قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، والتي كانت في الأصل مركزًا فر إليه مئات الآلاف من ولاية الخرطوم عقب اندلاع الحرب فيها في أبريل من العام نفسه، وبعدها فإن اتساع جغرافيا ونطاق الحرب ساهم بشكلٍ كبير في زيادة اللاجئين إلى دول الجوار.

وتمثل مصر وتشاد أكبر الدول المستضيفة للاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب. 

ولم يكن ما يتعرض له السودانيون من حملات اعتقال وتضييق على وجودهم في المساحات العامة في مصر حدثًا جديدًا، ففي سبتمبر 2023، أي بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، نفذت قوات حرس الحدود والشرطة المصرية اعتقالات جماعية تعسفية بحق السودانيين الذين دخلوا إلى مصر بطرق غير رسمية عبر المعابر الحدودية بين البلدين، وكانت السلطات قد احتجزت نساءً ورجالًا وأطفالًا في ظروف وصفت بالقاسية وغير الإنسانية. وكان قد رُحل ما يزيد عن الـ 800 لاجئ سوداني إلى بلدهم في الفترة ما بين يناير إلى مارس 2024.

تعزيز الخطاب المعادي للاجئين

مع ما يشهده المصريون من صعوبات اقتصادية جمة، وتحدياتٍ متعلقة بمعيشهم اليومي منذ سنوات، فإن الوضع بعد اندلاع الحرب في السودان وموجات اللجوء قد كانت عاملًا ضمن عوامل أخرى في تشكل خطاب معاد تجاه اللاجئين عمومًا، والسودانيين خاصة. إذ انخرطت حساباتٍ شخصية وصفحاتٍ عامة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، في حملاتٍ منسقة لتقديم صورٍ وإشارتٍ سلبية عن وجود السودانيين في مصر.

وقد تكررت شكاوى مختلفة من مسؤولين مصريين بشأن الأعباء الاقتصادية الزائدة بسبب اللاجئين الذين صاروا يقاسمون المصريين موارد في الأصل شحيحة. وقد شارك في هذه الموجة جهات إعلامية مقربة للسلطات المصرية.

ومع تصاعد حملات الترحيل القسري وتضارب المعلومات حول وضع السودانيين في مصر، عقد سفير السودان لدى القاهرة عماد الدين عدوي مؤتمرًا صحفيًا يوم الجمعة الماضي.

سفير السودان لدى القاهرة عماد الدين عدوي يتحدث خلال مؤتمر صحفي 

وقال عدوي إن الإجراءات الأمنية التي تطبقها السلطات المصرية تشمل جميع الأجانب، مشددًا على حق القاهرة في تنظيم قوانين الإقامة واللجوء. 

وحث عدوي المواطنين السودانيين على الالتزام بالقوانين المنظمة للإقامة والعمل، مشيرًا إلى أن دور السفارة يتركز في معالجة أوضاع السودانيين، وتنسيق مبادرات العودة الطوعية للراغبين، بالإضافة إلى تقديم الرعاية القنصلية. 

وكانت الصحفية المصرية المهتمة بالشأن السوداني، أماني الطويل، قد ألمحت إلى أن الحملات ضد السودانيين قد تكون جاءت بطلب من الخرطوم. 

وبحسب عدوي، فقد رُحّل 2974 سودانيًا خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن 1765 منهم، رٌحلوا بعد استخراج وثائق سفر اضطرارية لهم بواسطة السفارة بعد توقيفهم بواسطة السلطات المصرية، بينما لفت إلى أن آخرين تم ترحيلهم رغم امتلاكهم وثائق ثبوتية لمخالفتهم ضوابط الإقامة، على حد قوله، فيما نفى صحة طلب الخرطوم تقييد وجود مواطنيها في مصر.

خيارات قاسية

في ظل هذه التعقيدات، يواجه آلاف السودانيين الذين فرّوا من تداعيات الحرب في بلدهم بحثًا عن الأمان والعلاج وحياة كريمة، جحيمًا آخر، وخوفًا من غدٍ لا يبشّر بخير. وكما أن موجات النزوح واللجوء داخل السودان ارتبطت إلى حدٍّ كبير بالقدرة المادية للناس وأوضاعهم الاجتماعية — وهو ما انعكس على طرق سفرهم وتوقيت خروجهم من منازلهم التي هُجّروا منها — فإن خيارات العودة إلى السودان، أو مغادرة مصر إلى دولة أخرى، تخضع للمنطق نفسه، وتقديرات تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر، في محاولاتهم المستمرة لتوفيق أوضاعهم ومعيشتهم اليومية.

من بين هؤلاء، يخطّط علاء (اسم مستعار)، الذي يقيم مع أسرته الصغيرة في القاهرة منذ أكثر من عام، لمغادرة البلاد إلى إحدى الدول الخليجية، ويقول: «لم يعد في مقدوري العيش في ظل هذا الوضع».

ومن جهة أخرى، يجد زوج عفراء — التي وردت قصتها في مستهل التقرير — نفسه بين نارين: البقاء في القاهرة والعمل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا مقابل أجر زهيد لا يكفي لأسبوع، مع التعرّض لتهديدات مستمرة بالاعتقال والترحيل، مقابل ضمان حصول أطفالهما، الذين انقطعوا عن الدراسة طوال فترة الحرب، على تعليم جيد في إحدى المدارس؛ أو ترك أسرته في القاهرة تواجه صنوفًا مختلفة من التحديات، والعودة وحيدًا إلى السودان لاستكشاف إمكانية تأسيس حياة جديدة، كانت في الأصل معركة يومية حتى قبل اندلاع الحرب.