سُجّلت في عام 2025 أعلى حصيلة قتل في صفوف الصحفيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إذ قُتل 129 صحفيًا وصحفية في أماكن متفرقة من العالم. وفي السياقات التي تشهد حروبًا ونزاعات، يبدو المشهد أكثر قتامةً، إذ قُتل في السودان، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، 34 صحفيًا وصحفية. وفي غزة قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 220 صحفيًا منذ أكتوبر 2023، فيما شهد لبنان مقتل ثمانية صحفيين خلال شهرين فقط من عام 2026.
ضمن هذا السياق، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة، في الثالث من مايو من كل عام، بهدف تعزيز المبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم حالتها عالميًا، والدفاع عن وسائل الإعلام ضد الهجمات، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حياتهم.
وفي هذا العام يأتي اليوم حاملًا شعار«صياغة مستقبل يسوده السلام» وهو ما يتناقض مع ما يعيشه الصحافيون والصحافيات في بلدانٍ وسياقاتٍ مختلفة. وبينما يُفترض أن يشكّل هذا اليوم مناسبة لتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات وحماية من ينقلونها، تكشف الوقائع المتسارعة عن اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحفيين والصحفيات، في ساحات الحرب، من قتلٍ واحتجازٍ قسري، إلى الفضاء الرقمي، مرورًا بقبضة القوانين والرقابة، ما يعكس واقعًا بالغ القسوة تعيشه المهنة في أنحاء العالم.
في السودان، تعيش الصحافة أسوأ حقبة في تاريخها الممتد لأكثر من 120 عامًا بسبب الحرب التي تمزق البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، قتل خلالها 34 صحفيًا بينهم خمس صحفيات، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ العمل الصحفي في البلاد قاطبة، وفق ما أكدت نقابة الصحفيين السودانيين.
وأكدت النقابة، في بيان بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن إجمالي الانتهاكات المرصودة ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي بلغت 680 انتهاكًا، شملت: القتل، والتشريد والاعتقال، والاختفاء القسري، والاعتداءات الجسدية، والتهديد، والمطاردة ومصادرة المعدات، والاستهداف المباشر للمؤسسات الإعلامية.
معتقلون ومختفون قسريًا
في خضم الهجمة التي تعانيها الصحافة السودانية منذ اندلاع الحرب، طالبت النقابة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين والصحفيات المعتقلين، والكشف الفوري عن مصير المختفين قسريًا، ونشر قوائم رسمية بأسمائهم، بالإضافة إلى تمكين منظمات مستقلة من زيارة أماكن الاحتجاز وضمان سلامة المحتجزين.
وقالت النقابة إن الصحفي أشرف الحبر اختفى في ظروف غامضة بأم درمان، وانقطع الاتصال به تمامًا، دون توفر أيّ معلومات عنه منذ نوفمبر 2024. كما أشارت إلى اختفاء الصحفي مصعب الهادي بتاريخ 2 أكتوبر 2025، مشيرةً إلى عدم توافر معلومات مؤكدة بشأن مصيره أو مكان احتجازه.
وأشارت النقابة أيضًا إلى اعتقال الصحفي آدم إسحق منان بتاريخ 25 أبريل 2026 بمدينة كتم بولاية شمال دارفور بواسطة قوات الدعم السريع التي تعتقل أيضًا المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون بوسط دارفور الصحفي مصطفى فضل المولى (أبو قوته) منذ 25 سبتمبر 2025. كما تعتقل قوات الدعم السريع الصحفي معمر إبراهيم منذ 26 أكتوبر 2025. وتعتقل قوات الدعم السريع المدير العام للهيئة الولائية للإذاعة والتلفزيون عصام محمد هارون (عصام جراد) منذ مارس 2026، رغم أنه في حالة صحية سيئة ومتدهورة للغاية.
صراع على الرواية
وشددت النقابة على أن أي عملية جادة للحوار أو الانتقال الديمقراطي في السودان لا يمكن أن تنجح دون ضمان استقلالية الإعلام ووضعها في قلب هذه العملية، موضحةً أن الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل رئيسي في بناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز الشفافية.
وقالت النقابة إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع على الرواية بقدر ما هي صراع على الأرض. وأضاف البيان أنه من دون حد أدنى من الحقيقة المشتركة، لا يمكن بناء سلام مستدام أو تحقيق عدالة، مشيرةً إلى أهمية الإعلام المهني بوصفه حارسًا للحقيقة وضامنًا لعدم اختطاف الوعي العام.
رفض عسكرة الفضاء الإعلامي
حذرت النقابة من محاولات السيطرة على الإعلام عبر الرقابة أو الترهيب أو التوظيف الدعائي، لافتةً إلى أن عسكرة الإعلام لا تطيل أمد النزاع فحسب، بل تعمّق الانقسام وتقوّض فرص المصالحة المستقبلية.
كما دعت النقابة إلى توفير حماية قانونية وميدانية فورية للصحفيين وإنشاء آلية مستقلة وشفافة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين خلال مدة زمنية محددة، وإنهاء الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حق الوصول إلى المعلومات دون قيود واحترام استقلالية المؤسسات الإعلامية وضمان عملها بحرية وأمان.
صحافة مسؤولة
ورأت النقابة أن حرية الصحافة لا تنفصل عن مسؤوليتها، مؤكدةً أن الصحافة المطلوبة اليوم هي صحافة دقيقة ومستقلة، ترفض التضليل وخطاب الكراهية، وتدرك أثر الكلمة في مجتمع ممزق بالحرب.
وأوضحت أن «صياغة مستقبل يسوده السلام» لن تتحقق عبر اتفاقات مغلقة، بل عبر فضاء عام حر تُتداول فيه الحقائق وتُسمع فيه كل الأصوات. فلا سلام بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا صحافة حرة.
وتابعت النقابة: «وفي هذا اليوم، لا نحتفي بحرية الصحافة كشعار، بل ندافع عنها كشرط لبقاء السودان نفسه. فالمعركة اليوم هي معركة الحقيقة. لن يكون هناك سلام في السودان ما لم تكن هناك صحافة حرة».
ارتفاع ملحوظ في العنف الإلكتروني ضد الصحفيات
سلط تقرير جديد أعدته هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة TheNerve وشركائهما بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الضوء على الارتفاع الملحوظ والتعقيد المتزايد للعنف الإلكتروني الذي تتعرض له النساء الناشطات في المجال العام، وعلى رأسهن الصحفيات والعاملات في مجال الإعلام.
وأفادت 12% من المدافعات عن حقوق الإنسان، والناشطات، والصحفيات، والعاملات في مجال الإعلام، وغيرهن من المتواصلات مع الجمهور، بحسب التقرير، بأنهن تعرضن لمشاركة صور شخصية دون موافقتهن، شملت محتوى حميميًا أو ذا طابع جنسي.
أما بالنسبة إلى الصحفيات والعاملات في مجال الإعلام، فإن الصورة تبدو أكثر إثارة للقلق؛ إذ أفادت 45% ن هذه الفئة بممارستهن للرقابة الذاتية على وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2025 –وهي زيادة بنسبة 50% مقارنةً بعام 2020– بينما أفادت قرابة 22% منهن بممارستهن للرقابة الذاتية في سياق عملهن المهني.
تعزيز الإعلام المحلي المستقبل
يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة، والصحفيين يخاطرون بحياتهم يوميًا، في مختلف أنحاء إفريقيا والمنطقة العربية، وفي معظم بلدان العالم، وهم يوثقون الحروب والفظائع والنزوح وحملات التضليل، في ظروف عملٍ قاسية وبإمكانات شحيحة، وتهديدٍ مستمر وظهور إعلامي أدنى بكثير مقارنةً بالعديد من الفاعلين الدوليين الذين يغطون القصص نفسها.
ويفرض هذا الواقع أسئلة عن ما يطرحه الصحفيون والصحفيات بشأن ضرورة توفير وحماية وتعزيز الإعلام المحلي المستقل، باعتباره تمكينًا للمجتمعات في تصديه للأجندات السياسية والتدخلات الخارجية والسرديات المنسقة التي تشكل تغطية للأخبار، وليس مصدرًا ثانويًا لاستخلاص المعلومات فقط.