خلال مارس الماضي، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال، في إقليم النيل الأزرق، مما تسبب في موجات نزوح جديدة لآلاف الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، داخل مناطق عديدة في الإقليم المثقل بالنزاعات منذ ثمانينات القرن الماضي، والذي عرف عقودًا من النزوح واللجوء والسلام الهش.
ويُعد إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان منطقة إستراتيجية وحيوية، وذو أهمية جيوسياسية، إذ يجاور دولتي جنوب السودان وإثيوبيا. كما أنه يمثل مدخلًا إلى عمق السودان مثل ولايتي سنار والجزيرة، إلى جانب أنه يضم منشآت حساسة مثل خزان الروصيرص الذي يُعد مصدرًا رئيسيًا للطاقة في البلاد.
ولا تُعد العمليات العسكرية الجارية في إقليم النيل الأزرق أول اكتواء للإقليم بنيران الحرب، فقد مزقه صراع دموي طويل اندلع منذ ثمانينات القرن العشرين، وانتهى باتفاق السلام الشامل في 2005، قبل أن يتجدد مرةً أخرى في عام 2011 بين الحكومة المركزية وقوات الحركة الشعبية التي ظلت تسيطر على مناطق في أقصى جنوبي الإقليم.
الحركة الشعبية – شمال سيطرت على مدينة «الكرمك» الحدودية في مارس الماضي
مثّل مارس الماضي لحظة الاضطراب الأمني الأقوى في إقليم النيل الأزرق منذ اندلاع الصراع في السودان في أبريل 2023، إذ سيطرت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مناطق عديدة في الإقليم، على رأسها مدينة «الكرمك» الإستراتيجية على الحدود مع إثيوبيا، والتي تعد أكبر مناطق جنوبي الإقليم.
وسرعان ما انعكس هذا التصعيد العسكري الذي شهد تبادلًا للسيطرة بين الأطراف المتحاربة على المدنيين، إذ انطلقت موجة نزوح واسعة أجبرت آلاف السكان على الفرار من منازلهم.
ويربط إقليم النيل الأزرق العمق السوداني بدول الجوار، ونال بموجب اتفاق سلام جوبا الموقع في 2020 «وضعية خاصة» بتحويله إلى نظام الحكم الإقليمي.
ومع ذلك، ظل إقليم النيل الأزرق تاريخيًا بؤرة لنزاعات مسلحة عنيفة بدأت شرارتها في ثمانينات القرن العشرين بانخراط مكونات محلية في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة جون قرنق، فأضحى الإقليم مسرحًا لعمليات عسكرية طاحنة بين الحكومة المركزية والحركات المسلحة، مما تسبب في نزوح ولجوء مئات الآلاف.
مؤشرات التصعيد العسكري
صورة نشرتها رويترز لمعسكر سري لتدريب قوات الدعم السريع داخل إثيوبيا
بدأت مؤشرات التصعيد العسكري في إقليم النيل الأزرق في فبراير الماضي، فقد كشف تحقيق لوكالة رويترز أن الجارة إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لمصلحة قوات الدعم السريع شبه العسكرية، أعقبه أول اتهام رسمي من الخرطوم لأديس أبابا بالضلوع في الحرب السودانية، في الثاني من مارس الماضي.
ووقتها، حذّرت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، إثيوبيا من الاستمرار في تصرفت عدائية، متهمةً إياها بفتح أراضيها لشن هجمات داخل العمق السوداني، وملوحةً بحق الرد.
وقال بيان الخارجية السودانية إن «حكومة السودان ظلت تتابع طوال شهر فبراير، وبداية شهر مارس الحالي، دخول طائرات من دون طيار من داخل الأراضي الإثيوبية، تتعامل مع أهداف داخل السودان».
الجدول الزمني لعمليات الحركة الشعبية – شمال
في 9 و11 مارس، قالت الحركة الشعبية – شمال إنها تصدت لثلاث هجمات متتالية شنها الجيش على منطقة «جُرط». وفي 23 من الشهر نفسه، أعلنت تصديها مجددًا لهجوم من الجيش في المنطقة نفسها، مشيرةً إلى أنها كبدته خسائر كبيرة.
وفي 24 من الشهر نفسه، أعلنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال سيطرتهما الكاملة على «خور البودي» بعد معارك حاسمة. وفي اليوم نفسه، أعلنت «الدعم السريع» سيطرتها على مدينة «الكرمك» الإستراتيجية، قبل أن تعلن في 26 مارس سيطرتها على منطقة «مقجة».
كما أعلنت الحركة الشعبية، في 31 مارس الماضي، عن سقوط قتلى وجرحى في هجوم بمسيّرة في منطقة «أنجيلي» قالت إن الجيش شنه في 26 من الشهر نفسه.
الجدول الزمني لعمليات الجيش
في السياق نفسه، أعلن الجيش السوداني في 5 مارس الماضي عن انضمام منشقين من الحركة الشعبية – شمال في النيل الأزرق إلى قواته. وفي يوم 11 مارس، أعلن الجيش استعادته منطقتي «جرط شرق» ومعسكر «بلامو» من «قبضة المتمردين». كما أعلن في 18 مارس السيطرة على «محطة جرط غرب» من أيدي الحركة الشعبية – شمال. وفي 30 مارس، أعلن الجيش عن دحر قوات الدعم السريع في منطقة «سالي» وتكبيدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
وفي الحادي والثلاثين من مارس الماضي، احتفلت الفرقة الرابعة مشاة بالنيل الأزرق بتخريج دفعة جديدة من منسوبيها.
موجات نزوح فورية
غرفة طوارئ الروصيرص استقبلت نازحين
في 26 مارس الماضي، أي بعد يومين من سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مدينة «الكرمك»، أعلنت غرفة طوارئ النيل الأزرق الإنسانية، في بيان، عن نزوح عشرات الآلاف من المنطقة إلى مدينة الدمازين والمناطق المجاورة، مشيرةً إلى أن معظمهم من النساء والأطفال.
ووصفت إحدى النازحات رحلتها من «الكرمك» إلى الدمازين بالقاسية، مشيرةً إلى أنها وصلت بعد تعب ومشقة، ولافتةً إلى أن كثيرين نزحوا سيرًا على الأقدام.
وقالت غرفة طوارئ «قيسان»، في بيان، في 27 مارس الماضي، إن المنطقة شهدت موجات نزوح، إذ أجبرت الظروف الأمنية والإنسانية أعدادًا كبيرة من المواطنين على مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان والاستقرار.
وأضافت الغرفة أن التصعيد الأخير أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية على نحو ملحوظ، إذ يواجه النازحون نقصًا حادًا في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، وسط تحديات كبيرة في الوصول إلى مناطق آمنة.
وفي السياق نفسه، أفادت غرفة طوارئ «الروصيرص» بأنّ مركز حي «قيسان» استقبل نحو 75 أسرة، معظمهم من الأطفال والنساء، في ظل ظروف إنسانية معقدة تستدعي تدخلًا عاجلًا ومنظمًا لتوفير الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والمياه الصالحة للشرب والمستلزمات الصحية، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.
موجة نزوح ثانية من قيسان
نازحون من مدينة قيسان بإقليم النيل الأزرق
في الأول من أبريل الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح 1,725 شخصًا من مدينة قيسان بإقليم النيل الأزرق، في موجة نزوح ثانية بالولاية خلال أيام، إثر تصاعد المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وقالت المنظمة، في بيان، إن فرقها كانت قد رصدت نزوح 1,725 شخصًا، ضمن 345 أسرة، من قيسان، في 30 مارس الماضي، بعد تفاقم انعدام الأمن، مشيرةً إلى أن النازحين توجهوا إلى مدينة الروصيرص ومنطقة «ود الماحي».
كما لفتت المنظمة إلى أن موجة النزوح الجديدة تأتي عقب أول حادثة نزوح أُبلغ عنها في قيسان بتاريخ 25 مارس.
ولم يقتصر النزوح على الداخل السوداني، إذ نقلت الأمم المتحدة، عن مصادر محلية، أن ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص فروا إلى إثيوبيا، في حين نزح آخرون داخل حدود النيل الأزرق خلال مارس الماضي.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن الأمم المتحدة تعمل، بالتعاون مع شركائها، على توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية، مشيرًا إلى أن جمعية الهلال الأحمر السوداني تعمل على توفير وجبات ساخنة للأسر الوافدة حديثًا إلى مناطق النزوح.
وعلى الصعيد نفسه، أعلنت شبكة أطباء السودان عن نزوح أكثر من 10 آلاف شخص من قيسان إلى الروصيرص بإقليم النيل الأزرق، في ظل أوضاع إنسانية بالغة السوء، إذ يعاني النازحون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء وانعدامًا لأبسط مقومات الحياة.
تزايد انعدام الأمن
من جهتها، قالت لجنة العمل الإنساني بتحالف «صمود» إنها تتابع بـ«قلق بالغ» التطورات الميدانية الأخيرة في إقليم النيل الأزرق، وما ترتب عليها من تدهور خطير ومتسارع في الأوضاع الإنسانية، عقب التصعيد العسكري وسيطرة قوات الدعم السريع على عدد من المناطق خلال الأيام الماضية.
وأوضحت اللجنة، في بيان، أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن التصعيد العسكري في الولاية أدى إلى تقييد العمليات الإنسانية بدرجة كبيرة، في ظل تزايد انعدام الأمن وفرض قيود على حركة العاملين في المجال الإنساني والمنظمات العاملة في الإقليم، مما أدى إلى تعليق بعض الأنشطة الإغاثية وترك آلاف المدنيين دون خدمات أساسية.
ونقلت اللجنة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأوضاع في مناطق مثل الكرمك وقيسان «كارثية»، وأن السكان في حاجة ملحة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل نزوح واسع النطاق نتيجة استمرار الاشتباكات وانعدام الأمن.
وأشارت اللجنة، بحسب ما قالت إنها بيانات ميدانية حديثة، إلى نزوح نحو 500 شخص إلى «دندرو» من الكرمك، ونحو 1000 إلى «ود الماحي»، فيما بلغ عدد النازحين أكثر من 79 ألف شخص إلى عدة مناطق آمنة، معظمهم من النساء والأطفال.
وعبر الحدود في اتجاه إثيوبيا، بحسب اللجنة، نحو 7 آلاف شخص، يعيشون في ظروف إنسانية قاسية تتسم بنقص حاد في الغذاء ومياه الشرب، فضلًا عن اكتظاظ مراكز الإيواء وتدهور الأوضاع الصحية، وسط تزايد مخاطر انتشار الأمراض.
وأكدت اللجنة أن التقارير تشير إلى أن حجم الأزمة الإنسانية في النيل الأزرق تجاوز القدرات المحلية للاستجابة، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وصعوبة الوصول الإنساني، وتعرض طرق الإمداد لمخاطر أمنية متزايدة، مما يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.
وشدد تحالف «صمود» على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية في مناطق المدنيين، داعيًا إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية على نحو آمن وسريع ودون عوائق، وحماية المدنيين والبنية التحتية وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وفتح ممرات إنسانية عاجلة لإجلاء المدنيين، وتسهيل الإغاثة.
كما حثّ التحالف الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية والإقليمية وجميع الجهات الإنسانية على التدخل العاجل والمنسق لتوفير الاحتياجات الأساسية، ومنع انزلاق الأوضاع نحو كارثة إنسانية أوسع في الإقليم.