في خضم الحرب السودانية ظهرت أدلة تشير إلى ضلوع تشاد في الصراع السوداني، وذلك بالسماح باستخدام مطاراتها في عمليات إمداد قوات الدعم السريع بالسلاح؛ ما دفع العديد من الحسابات السودانية على منصة «إكس» إلى شن هجوم إلكتروني على تشاد.
ووسط هذه المعارك الرقمية، ظهرت حسابات تدافع عن تشاد وتهاجم تلك الحسابات السودانية. ومع تراجع الدور التشادي توقفت الحسابات التشادية عن العمل الذي أنشئت من أجله لبعض الوقت، في الوقت الذي اهتمت الحسابات السودانية فيه بشؤون أخرى، قبل أن تعاود الحسابات التشادية مواصلة نشاطها ودعم سرديتها، واستمرت في ممارسة سلوك زائف منسق عبر تشكيل شبكة متكاملة.
وخلال الحرب، تطورت أشكال التضليل وتنوعت لتشكّل بعدًا آخر لحرب المعلومات، نشطت فيها شبكات السلوك الزائف المنسق في نشر الشائعات والمعلومات المضللة.
كيف تنشط هذه الحسابات؟
تنشط معظم الحسابات التشادية الناطقة بالعربية والتي تدافع عن دولة تشاد وسياسات الحكومة وتهاجم الجيش السوداني، وتتبنى سردية قوات الدعم السريع، في عمل منسق، يتضمن التضليل بغرض تحقيق أهدافها في تضخيم المحتوى لمصلحة الرئيس التشادي، والإساءة إلى قادة الجيش السوداني، مع مدح قوات الدعم السريع وتأييد مواقفها.
تعتمد هذه الشبكة على ثلاث صفحات رئيسة، يبلغ إجمالي متابعيها 18 ألف ومائتي متابع، وهي حسابات: «اللواء أحمد»، و«عنان»، و«Le commentateur Tchadien». وتعمل هذه الحسابات، على نحو منسق، على نشر معلومات مضللة. وتعمل الشبكة على تضخيم محتوى يتضمن خطاب كراهية تجاه السودانيين. كما أنشأت حسابات عديدة لتلميع صورة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي.
بالإضافة إلى الحسابات الرئيسة، تتكون الشبكة من 25 حسابًا آخر، تعيد جميعها نشر محتوى الحسابات الرئيسة ومحتوى بعضها. وتتفق هذه الحسابات جميعًا في الهجوم والرد على حساب سوداني باسم «ياسين أحمد» وهو داعم للجيش والمشتركة وينشر صورًا ومقاطع بشأن الخسائر الميدانية لـ«الدعم السريع».
ولاحظ «مرصد تشاد» أن أغلب الحسابات التشادية تعيد مشاركة محتوى «Alwihda Info»، وهي صحيفة إلكترونية تشادية، أنشئ حسابها على منصة «إكس» في فبراير 2010. وتشارك هذه الحسابات محتواها الداعم للحكومة، وهو أغلب ما يُنشر.
الحسابات الرئيسة:
– اللواء أحمد (AHMAD 5348@)
أنشئ حساب «اللواء أحمد» في نوفمبر 2020، ويتابعه 8.474 متابع، عبر «أحمد قوكونني»، وهو شاب تشادي مقيم في كندا ومعروف على «فيسبوك» أيضًا باسمه الحقيقي (أحمد قوكوني)، ويجيد اللغتين الفرنسية والعربية، لكنه يكتب بالعربية ويشارك بالفرنسية كل ما يدعم قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى ترويج معلومات داعمة للحكومة التشادية والسياحة في تشاد. كما يدعم الحكومة التشادية في خطواتها.
بينما توقف نشاط حساب «اللواء أحمد» في أكتوبر 2025 على نحو مفاجئ، ولم يعد يظهر على المنصة، أنشئ حساب جديد باسم «أحمد» في الشهر نفسه (كما تبيّن أنه غير اسم حسابه من قبل، من «المشير أحمد» إلى «اللواء أحمد»، لكن هذه المرة يبدو أن الحساب أغلق، لذا أنشأ حسابًا جديدًا). وواصل الحساب نشاطه، بالاسم الجديد، في دعم الرئيس التشادي، ونشر أخبار مضللة ضد السودان، والتنسيق إعلاميًا لدعم سردية «الدعم السريع» ومهاجمة الجيش السوداني.
لاحظ فريق المرصد أن حسابات مثل حساب «التشادي» و«HATEM» وغيرهما، تعمل بالتنسيق مع حساب «أحمد»، وتشارك منشوراته المعادية للقوات المسلحة السودانية. وتوقفت عن النشر عند توقف الحساب الرئيس، وعاودت نشاطها الآن. وبينما يدير بعض هذه الحسابات بنفسه، يدير بعضها أشخاص آخرون يدعمون السردية نفسه.
أنشئ الحساب في عام 2022، ويتابعه نحو 988 متابعًا، ويحمل شعار «تشاد خط أحمر»، ويتابع حساب «اللواء أحمد»، وعندما أغلق، توقف هو أيضًا عن النشر ومشاركة المنشورات، وعاود نشاطه في نشر محتوى الحساب البديل ومشاركته. وينشر حساب «عنان» محتوى يدعم الحكومة التشادية وقوات الدعم السريع، كما يروج، مثل بقية الحسابات، السردية نفسها، وينشر محتوى معادي للقوات المسلحة السودانية. كما أعاد الحساب نشر محتوى حساب «سلاسي» المعادي للقوات المسلحة السودانية والذي يصفها بـ«الإخوان المسلمين».
–
أنشئ الحساب في عام 2020، ويتابعه نحو 5.8 ألف متابع، ويحمل اسم المستخدم @LeCommentateu17، ويتابع حسابات: «عاجل تشاد» و«اللواء أحمد» و«Aicha pun Imouminin»، ويشارك منشورات حساب «Alwihda Info».
سبق أن نشر حساب «التشادي» محتوى يتضمن خطاب كراهية مع صورة لإبراهيم إدريس، وهو مغنيّ من القبائل العربية مشهور بتبعيته لقوات الدعم السريع، لقي مصرعه في قصف نفذته القوات المسلحة السودانية ضد تجمع احتفالي في كردفان، وكتب حساب «التشادي» معلقاً على ذلك بالقول: «المعاملة بالمثل يا جيش حكومة تأسيس أي تجمعات للشوايقة أو عبيدهم يجب أن تستهدف بغض النظر عن انهم مواطنين او ارهابيين والبادي اظلم والنصر حليفكم يا اشاوس».
ومن حسابات الشبكة أيضًا حساب باسم «حمدان أفنيري»، أنشئ في مارس 2024، ويتابع حساب «منير الأمين»، وينشر محتوى يدعم قوات الدعم السريع ويعادي القوات المسلحة السودانية والحركات المشتركة.
بينما أنشئ حساب «SALAH IBRAHIM YOUSSOUF» في يونيو 2020 حمل اسم المستخدم @CXscZu3VEoQUVPH وهو ينشر كذلك محتوى معادي للقوات المشتركة والقوات المسلحة السودانية.
ويتبنى حساب «منير الأمين» السردية نفسها، إذ نشر مزاعم بأن القوات المسلحة السودانية استهدفت معسكرًا للجيش التشادي في «الطينة» التشادية، مما أدى إلى مقتل جنديين تشاديين وإصابة آخر. في وقت لم تشِر فيه هيئة الأركان العامة للجيش التشادي إلى القوات المسلحة السودانية، في بيانها الرسمي بشأن الحادثة، وقالت إن المسيرة أتت من الأراضي السودانية دون تحديد الجهة التي أطلقتها.
كذلك يروج حساب «عثمان جعفر بيلو» أنشئ في نوفمبر 2025 باسم المستخدم @OJaafarBello لسردية معادية للجيش السوداني، وينشر مزاعم بشأن تدخل مصر في الشأن السوداني.
كما يدعي «بيلو» أن حساب القوات المسلحة السودانية على منصة «إكس» يُدار من مصر، في إشارة لتواطؤها في الصراع السوداني، وبدوره قام «مرصد تشاد» بالتحقق من صحة الادعاء وتوصل إلى أن الحساب يتم إدارته من شمال أفريقيا كما هو مذكور في بيانات الحساب الرسمية.
ويتبنى حساب «اثيوبيا Ethiopia» الذي أنشئ في أبريل 2021 باسم المستخدم @ArabicEthiopia السردية نفسها المعادية للقوات المسلحة السودانية. حيث أعاد الحساب نشر محتوى ناشط سوداني يُدعى عادل ابراهيم يقول فيه إنه لا يحق لمصر التدخل في الشأن السوداني. كما نشر صورًا للبحر الأحمر، قائلًا إنه لن يكون هناك سلام في البحر الأحمر دون عدالة «العفر»، في إشارة إلى التنظيم الديمقراطي لعفر البحر الأحمر، وهو تيار مسلح من قومية العفر في القرن الإفريقي (إثيوبيا وإريتريا) يطالب بالعدالة لشعبه وتحسين أوضاعهم المعيشية وفتح منفذ بحري لاثيوبيا.
وأعاد حساب «اثيوبيا Ethiopia» نشر محتوى من حساب باسم «عنان» توعد فيه من أسماهم «الأخوان المسلمين»، في إشارة إلى الجيش السوداني وحلفائه، بتدخّل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الصراع السوداني.
السردية التي تروجها هذه الحسابات هي أن الحكومة السودانية تسيطر عليها جماعة معادية لتشاد، لذا ينبغي الوقوف في وجهها والتصدي للانتقادات التي تأتي من النشاطين السودانيين حتى مع تدخل البلاد في الشأن السوداني بحسب تقارير صحفية عالمية.
وتستخدم الشبكة وسم «#تشاد» في أغلب منشوراتها، كما تعيد حساباتها مشاركة المحتوى بالوسم نفسه.
ما الذي يجعلها شبكة سلوك زائف؟
ما يجمع بين حسابات هذه الشبكة هي النشر المتزامن أو في أوقات متقاربة، بالإضافة إلى تكرار المتفاعلين عبر جميع الحسابات التي رصدها الفريق، سواء كان التفاعل بالإعجاب أو المشاركة.
كما لاحظ «مرصد تشاد» أن الحسابات الرئيسية يحصلان على إعادة مشاركة من الحسابات في أوقات متقاربة جدًا، وذلك بهدف تضخيم المحتوى وتوسيع نطاق وصوله إلى عدد أكبر من المتابعين.
الروابط بين هذه الحسابات عديدة، لكن من الواضح جدًا أنها تعمل على نحو منسق ومتزامن، ضمن شبكة واحدة، ويرتبط بعضها ببعض في المحتوى وفي المشاركة والنشر، كما تستخدم الوسم نفسه، إلى جانب التشابه بين الحسابات التي تروج هذه السردية في الملف الشخصي، بما في ذلك الصورة والتعريف الشخصي في الصفحة وتاريخ الإنشاء، بالإضافة إلى تشابه توجهاتها، إذ تنشر محتوى معاديًا للجيش السوداني، وتهاجمه، مع توجيه انتقاد تجاه قادة الجيش السوداني كالبرهان وعطا، فضلًا عن الاشتراك في دعم قوات الدعم السريع بنشر محتوى يؤيد سرديتها ويدافع عن رموزها.
السمات المشتركة بين الحسابات
- تتفاعل الحسابات بعضها مع بعض بالمتابعة والإعجاب وإعادة نشر المحتوى.
- تنشر الحسابات محتوى داعمًا لـ«الحكومة التشادية».
- تنشر بعض هذه الحسابات محتوى داعمًا لـ«الدعم السريع»، وبعضها يحمل صورة «حميدتي».
- تنشر الحسابات محتوى يهاجم الجيش السوداني.
- تستخدم حسابات الشبكة وسومًا متشابهة، مثل: «#تشاد».
- تنشر الحسابات باللغة العربية عدا اثنين منها تنشر محتوى باللغة الفرنسية.
- تضع أغلب حسابات الشبكة صور مناظر طبيعية أو صورة فتيات، وتحدد مكان السكن بإحدى المدن الجنوبية في تشاد، وهي مناطق لا وجود فيها للناطقين بالعربية.
- تنشر الحسابات محتوى بالأسلوب نفسه وتدعم الخطاب نفسه المعادي للسودان مع محاولات لتشويه سمعة الجيش السوداني ودعم قوات الدعم السريع.
- تعمل جميع هذه الحسابات على تلميع صورة الرئيس التشادي لأنّ دورها الأساسي لم يعد مهمًا نظرًا إلى انشغال الحسابات السودانية بقضايا أخرى.
- جميعها يستخدم منصة «إكس».
ومن خلال متابعة الحسابات وتحليل المحتوى الذي نشرته والوسوم التي استعملتها، تبيّن لـ«مرصد تشاد» أنّ هذه الحسابات تعمل على نشر سرديات تدعم الحكومة التشادية، بالإضافة إلى دعم سردية «الدعم السريع» ومهاجمة الجيش السوداني. كما استغلت الشبكة في نشاطها العديد من الأحداث الجارية لدعم سرديتها، مما ساهم في انتشار المعلومات التي نشرتها، بما في ذلك محتوى يدعم علاقة دولة تشاد بـ«الدعم السريع»، إلى جانب معلومات مضللة لدعم السردية التي تبنتها.
كما بلغ عدد منشورات حسابات الشبكة، من 1 يناير إلى 29 يوليو الماضي، 5,135 منشورًا، ووصلت إلى ما يقارب 2.5 مليون مستخدم على منصة «إكس». وتستخدم الحسابات كلمات متشابهة، وتشارك في الكتابة باستخدام وسوم معينة، ما يشير إلى وجود تنسيق بينها. وعلى سبيل المثال، تشارك هذه الحسابات في الرد على أيّ محتوى ذي صلة بتشاد، ويظهر هذا جليًا في ردها على وسم «#الامارات تقتل السودانيين»، خاصةً حين يُذكر تشاد برفقة الوسم.
أبرز حسابات الشبكة وعدد متابعيها وعدد منشورات كل حساب
أبرز الكلمات التي تستخدمها حسابات الشبكة
أبرز الوسوم المستخدمة (ظهور وسم #الامارات_تقتل_السودانيين يشير إلى تفاعل الشبكة مع المنشورات التي نشرت هذا الوسم).
جدول يوضح بعض الحسابات الفاعلة في الشبكة
اسم الحساب | اسم المستخدم | اسم الحساب | اسم المستخدم |
|---|---|---|---|
@fatimamd | @kassis_235 | ||
@tarighziyad | @marsaley931 | ||
@rahmaidrisss | @chadmarket235 | ||
@tchadmyhome | @chadagell | ||
@altchady | @gmhoryachad | ||
@altchady1 | @sadiyaaziiz | ||
@Rachid414421836 | @Qaraany1 | ||
@aichaoumlmin | @akhbarchadd | ||
@chadelyoum | @Goukouni5348 | ||
@CXscZu3VEoQUVPH | @mounirallamie2 | ||
@OJaafarBello | @ArabicEthiopia | ||
@crm-200 | @finiree65733 | ||
@_Selassi |
خلاصة:
تكشف لنا هذه الشبكة التي تمارس السلوك الزائف كيف امتد الصراع في السودان إلى الفضاء الرقمي وكيف أضرت هذه الحرب بالعلاقات السودانية التشادية، لا سيما بنشاط هذه الشبكات التي تنشر أخبارًا مضللة وتمارس سلوكًا زائفًا منسقًا لاستهداف الدول.
الحسابات التي رصدها «مرصد تشاد» لا تسعى إلى التعبير عن رأيها أو تأييد مواقف سياسية معينة، وإنما تمارس سلوكًا زائفًا ضمن منظومة تضليل منسقة هدفها إعادة هندسة الوعي العام، وتبييض أطراف مسلحة، وتأجيج العداء بين الشعوب، واستثمار المأساة الإنسانية في صراع النفوذ الإقليمي. ومثل هذه الحملات المنسقة تهدد نزاهة النقاش العام، وتقوّض فرص السلام، وتعمّق الاستقطاب، وتحوّل منصات التواصل من فضاءات للحوار إلى أدوات حرب ناعمة تُدار من خلف الشاشات. كما أن الكشف عن مثل هذه الحملات ووضعها تحت المساءلة، هي من صميم دور المؤسسات الإعلامية؛ خاصة أن إفريقيا تعاني انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة وممارسة السلوك الزائف على مواقع التواصل الاجتماعي.