احتدام الصراع في الشرق الأوسط يدفع حرب السودان إلى حافة النسيان

مع اتساع دائرة الحرب في منطقة الشرق الأوسط يومًا بعد يوم، بدايةً من 28 فبراير الماضي، ابتعد السودان إلى حد بعيد عن ذاكرة العالم لمصلحة تلك البقعة الغنية بالنفط والمركزية في أسواق الطاقة، تحت وطأة التأثيرات الإستراتيجية والاقتصادية الكبرى التي تعصف بالإقليم.

نُسي السودان القريب من المنطقة والمرتبط بها اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، في وقت تعيد فيه الحرب تشكيل الخارطة الإستراتيجية للعالم، حيث ينشغل الجميع بإحصاء الخسائر، ووضع التحوطات، وإعادة التموضع، خشية أن تلتهمهم شرارة الحرب المشتعلة، والسودان ليس استثناءً من تلك الحسابات المعقدة.

وفيما تشخص أبصار العالم نحو جبهات الصراع المشتعلة في الشرق الأوسط وآثارها الوخيمة، يخشى السودانيون، والذين تحرقهم الحرب أيضًا، أن يتحول بلدهم إلى منطقة منسية في الذاكرة السياسية الدولية.

ولا يتوقف أثر هذا التخوف على الداخل، وإنما يمتد ليطال مئات آلاف المغتربين السودانيين في دول الخليج، الذين يمثلون ركيزة مهمة للاقتصاد السوداني وملايين السودانيين. كما أن سلاسل التوريد الحساسة، بما في ذلك الطاقة والأدوية وغيرها من الاحتياجات الضرورية لبلد في حالة حرب، تُختبر أيضًا.

ذيل الاهتمام الإقليمي

هذه المخاوف من النسيان يؤكدها السياسي السوداني، ياسر عرمان، مشيرًا إلى أن اندلاع الصراع بين (الخليج وإيران) قد وضع حرب السودان فعليًا في «ذيل الاهتمام الإقليمي»، محذرًا من أن انخراط دول «الرباعية» وقوى الجوار الحيوي في تلك المواجهات قد أضعف القدرة على تكريس الجهود الدولية لحل الأزمة السودانية، مما يطرح تحديات جسيمة بشأن سيادة البلاد ومستقبلها اللوجستي.

وأوضح عرمان أن انخراط ثلاثة بلدان من «الرباعية» على نحو مباشر في صراع الخليج، إلى جانب نحو 10 دول من الجوار الحيوي وقوى عظمى، قد حال دون تكريس الجهود الدولية لحل القضية السودانية. 

وتتشكل مجموعة الرباعية من دول: السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، لكنها تنخرط كليًا في الصراع المركب الدائر في الشرق الأوسط، كما أنها لم تقدم أي جهد مشترك منذ اندلاع الصراع هناك.

وأشار عرمان إلى أن هذا الواقع يفرض على السودانيين مضاعفة الجهود للبحث عن السلام بوصفه واجبًا وطنيًا ملحًا يتجاوز في ضرورته ما كان عليه الوضع قبل اندلاع مواجهات الإقليم.

وذكر عرمان أن الحرب الحالية ترتبط مباشرة بجغرافيا السودان، لا سيما أمن البحر الأحمر، مشيرًا إلى احتمال إعادة رسم الأوضاع الدولية بما يطرح أسئلة جدية بشأن وحدة السودان وسيادته.

كما لفت عرمان إلى أن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع قد تؤثر في الدعم اللوجستي الخارجي لأطراف الحرب في الداخل السوداني، مما قد يخلق تفوقًا لطرف على الآخر أو يؤدي إلى عجز الطرفين معًا.

وأعرب عرمان عن مخاوفه بشأن مصير مئات الآلاف من السودانيين العاملين في دول الخليج واللاجئين الذين التحقوا بهم مؤخرًا، لافتًا إلى أنهم يمثلون شريان حياة لإعالة أعداد كبيرة من الأسر داخل السودان وخارجه.

التأثيرات الاقتصادية

اقتصاديًا، ترمي الحرب بظلالها على السودان الذي يعاني في الأساس من حالة تداعي اقتصادي مستمر منذ نحو ثلاث سنوات، كما أنها تضع مزيدًا من الضغط على مئات الآلاف من المغتربين السودانيين في دول الخليج، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

يقول الباحث الاقتصادي محمد المصباح، لـ«بيم ريبورتس»، إن منطقة الخليج مهمة للاقتصاد العالمي، لعدة عوامل، أهمها دورها الكبير في سوق الطاقة العالمي، وممراتها المائية وموانئها، وكذلك حجم الأموال المتداولة، سواء الاستثمارات المالية أو الصناعية أو الخدمية، مشيرًا إلى أنها تنتج نحو 20% من الإنتاج العالمي للنفط، البالغ نحو 100 مليون برميل يوميًا، إلى جانب أنها تنتج نحو 17% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي.

وتوقع المصباح أن تمتد «الآثار التضخمية لهذه الحرب، لتشمل جميع دول العالم تقريبًا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة». 

وفيما يتعلق بتأثير الحرب على السودانيين في الخليج، قدّر المصباح عدد المغتربين السودانيين في المنطقة بنحو 1.3 مليون سوداني، قال إن معظمهم يتركز في السعودية ثم الإمارات ثم قطر. 

ويعتقد المصباح إنه من المبكر تقدير الآثار المترتبة عليهم جراء الحرب الدائرة، لكنه توقع أن يخسر عدد كبير منهم، حال استمرارها، وظائفهم، ويعانوا تدهورًا في أوضاعهم المعيشية، هم وأسرهم، وأن تمتد الآثار إلى أسرهم الممتدة، إذ يعتمد كثير من السودانيين على تحويلات المغتربين التي قال إنها تقدر بنحو ملياري دولار سنويًا، سواء في السودان أو أولئك الذين انتقلوا جراء الحرب إلى دول الجوار وكذلك الخليج لتغطية تكاليف معيشتهم. 

ودعا الباحث الاقتصادي المغتربين السودانيين إلى الاقتصاد بقدر الإمكان، تحسبًا للتوقف الطارئ لأعمالهم، مع تجهيز خطط بديلة في حال في حدث الأسوأ. 

مصادر بديلة للنفط السوداني وتأثر الميزان التجاري

وقال المصباح إن السودان باعتباره دولة مستوردة للنفط، ويستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاته النفطية من الخليج، قد يضطره إلى البحث عن مصادر بديلة للاستيراد.

وتوقع المصباح كذلك، أن يؤثر ارتفاع أسعار النفط في الميزان التجاري للدولة وفي مستويات التضخم. وفي هذا الصدد، قال إن الخليج من أهم الأسواق للسودان، سواء في الصادرات أو الواردات، ففي مجال الصادرات يصدر السودان تقريبًا كل صادراته من الذهب (والتي تقدر بنحو خمسة مليارات دولار) عبر الإمارات، بينما تمر معظم صادراته الزراعية عبر موانئ السعودية والإمارات.

ونبّه إلى أن السودان يعتمد، بدرجة كبيرة، على الاستيراد من الخليج أو عبر موانئها، محذرًا من أن تعطل هذه الموانئ جزئيًا سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف شحن السلع المستوردة وكذلك السلع المصدرة ومن ثم يقلل من تنافسيتها عالميًا. 

ولفت إلى أن الشركات والبنوك السودانية تعتمد، بدرجة كبيرة، على النظام المالي في الإمارات والسعودية، في المعاملات المالية الخارجية سدادًا أو استلامًا، متوقعًا أن يؤدي استمرار الحرب إلى تزايد الضغط على الأنظمة المالية في هذه الدول ومن ثم تأخير أو توقف التحويلات أحيانًا، مما سيؤثر في الاقتصاد السوداني. 

وأشار المصباح إلى استمرار اعتماد السودان على دول الخليج، وخصوصًا الإمارات، بوصفها خط صادراته ووارداته وتحويلاته المالية، حتى في ظل الحرب الدائرة في السودان وتوتر العلاقات بين البلدين، مما يوضح أهمية هذا الخط. 

وبشأن الإجراءات التي ينبغي على الحكومة السودانية اتخاذها للتقليل من أثر الصدمات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، يقول المصباح إنها يمكن أن تمضي في مسارين، الأول: ضمان استمرار إمدادات الطاقة، وذلك ببناء مخزونات استراتيجية تحسبًا لاتساع دائرة الحرب إلى الساحل الغربي للخليج أو استمرار ارتفاع الأسعار، وكذلك البحث عن مصادر بديلة عن دول الخليج لضمان استمرار تدفق احتياجات السودان من النفط، إلى جانب البحث عن أسواق إضافية للذهب السوداني لضمان استمرار تصديره في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية والحرب في السودان.

كما ينبغي البحث عن طرق ملاحية وموانئ إضافية لتمرير الواردات والصادرات لضمان استمرار التجارة الخارجية، بحسب المصباح الذي حثّ البنك المركزي على العمل على فتح قنوات إضافية للتحويلات الخارجية، بالإضافة إلى القنوات الخليجية، وذلك لضمان استمرار المدفوعات الخارجية للصادرات والواردات.

المخزون النفطي

وفي سياق تأثير الحرب على أسواق الطاقة المحلية، سارعت وزارة الطاقة السودانية إلى الإعلان عن وجود احتياطيات من الوقود لعدة أشهر.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن إجمالي كميات البنزين المتوفرة حاليًا بلغت 191,883 طنًا متريًا، وهي كمية تكفي لتغطية الاحتياجات المحلية لمدة 88 يومًا، استنادًا إلى معدل استهلاك يومي يبلغ 2,175 طنًا.

وفيما يخص الجازولين، كشفت الوزارة أن الكميات المتوفرة بالمستودعات وعند الموانئ استقرت عند 175,082 طنًا متريًا، وهو ما يغطي الاستهلاك المحلي لمدة 54 يومًا، بمعدل يومي يصل إلى 3,235 طنًا، مع الإشارة إلى وجود ناقلات إضافية في عرض البحر بانتظار تعليمات التفريغ.

أما على صعيد غاز الطهي، فقد أشارت وزارة الطاقة إلى تحديات ميدانية واجهت سلسلة الإمداد، إذ يبلغ إجمالي الكميات المتاحة حاليًا 8,138 طنًا متريًا. 

وأرجعت الوزارة تعقيدات البرمجة الحالية إلى تضرر «المواعين التخزينية» في مدينة بورتسودان نتيجة استهدافها بالطائرات المسيّرة، مؤكدةً أن دخول بواخر الغاز وتفريغ حمولاتها بات مرتبطًا حصرًا بالسعات التخزينية المحدودة المتبقية، مما يفرض قيودًا تقنية على سرعة تدفق الإمدادات على الرغم من توفر الشحنات المتعاقد عليها في الموانئ.

الوفرة الدوائية

فيما يتعلق بتأثر الدواء جراء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قال وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، إنه تم مناقشة قضية الوفرة الدوائية في ظل ظروف حرب الخليج، والعمل على ضمان الإمداد الدوائي والمستهلكات الطبية عبر الصندوق القومي والشركات، بالإضافة إلى فتح منافذ تعاون مع دول أخرى.

وجاءت تصريحات الوزير لدى انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق الصيدلاني لعام 2026.  

كما  تناول الاجتماع ملف التصنيع الدوائي ومشروع الاستثمار الداخلي، بما في ذلك مدينة «ترياق» الصناعية الدوائية، إذ اتُفق على وضع رؤية متكاملة لدعم هذا القطاع. 

إدانات سودانية لهجمات إيران على دول الخليج

سياسيًا وفي الداخل السوداني، أدانت حكومة السودان الاعتداء الإيراني «غير المشروع» على دولة قطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية.

وأكدت الخارجية السودانية، في بيان أصدرته عشية اندلاع الحرب، وقوفها التام مع سيادة هذه الدول وسلامة أراضيها. كما دعت إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي السياق نفسه، أدان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) ما وصفه بـ«العدوان الغاشم» الذي نفذه النظام الإيراني ضد كل من السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، والأردن. 

وأشار التحالف، في تصريح صحفي، إلى أن هذا التصعيد تجاهل المواقف المعلنة لهذه الدول الداعية إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، مطالبًا بوقف الهجمات فورًا والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

كما شدد تحالف «صمود» على ضرورة نبذ جميع أشكال الإرهاب والأنشطة المزعزعة للأمن الإقليمي، داعيًا المجتمع الدولي إلى ترجيح كفة الحلول السلمية في حل النزاعات القائمة.

حرب منسية

بينما تشتد وتيرة الصراع المركب في الشرق الأوسط منذ أسابيع بلا نهاية تلوح في الأفق، بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران من جهة، وإيران ضد دول المنطقة من الجهة الثانية. تراجعت بالمقابل الجهود الدولية والإقليمية لإنهاء الحرب في السودان التي اقتربت من إكمال عامها الثالث، وسط تصاعد القتال في الجبهات المختلفة واستمرار سقوط المدنيين.

كما تثور المخاوف من أن يُفاقم الصراع في الشرق الأوسط من سوء الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وأن يلقي بظلال وخيمة على مئات آلاف المغتربين في دول الخليج والذين بدورهم ظلوا يضطلعون بدور مركزيّ في مساعدة الملايين داخل السودان في السنوات الثلاث الماضية، مما قد يزيد من الصورة القاتمة التي تعيشها البلاد في الأساس.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع
مرصد بيم

ما حقيقة الفيديو المتداول بشأن طرد قوات إماراتية من مطار صومالي تُنقل عبره الإمدادات إلى «الدعم السريع»؟

ما حقيقة الفيديو المتداول بشأن طرد قوات إماراتية من مطار صومالي تُنقل عبره الإمدادات إلى «الدعم السريع»؟ مضلل تداولت العديد من الحسابات على منصتي «فيسبوك»

المزيد