في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، اجتاحت قوات الدعم السريع بادية مستريحة بولاية شمال دارفور، معقل الزعيم الأهلي والمسؤول الحكومي السابق في عهد النظام المخلوع، موسى هلال. طال الاجتياح مقر إقامة هلال، وتضاربت الأنباء عن مصيره، حتى ظهر لاحقًا رفقة قادة من الجيش السوداني والقوة المشتركة، مطمئنًا على سلامته.
وبذلك، فإن خروج هلال من بادية «مستريحة» لم يكن حدثًا سياسيًا عاديًا، بل تعبيرًا عن تغيراتٍ كبيرة في موازين القوى والتحالفات والاصطفافات، فقد أعاد هذا الهجوم الرجل، الذي لطالما كان جزءًا رئيسًا من الصراع الدامي في دارفور الذي اندلع في العام 2003، إلى واجهة الأحداث مجددًا، لكن هذه المرة خصمًا للقوة التي ساهم في تشكيلها ذات يوم، وحليفًا لأعداء الأمس من قادة الحركات المسلحة.
من هو موسى هلال؟
ولد هلال في عام 1961، في قرية دامرة الشيخ، غربي مدينة «كتم» بولاية شمال دارفور، ولاحقًا تولى قيادة المحاميد خلفًا لوالده هلال عبد الله الذي كان ينتمي إلى حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي. وبرز اسم هلال في صراع دارفور عام 2003، بوصفه أحد مؤسسي مليشيا الجنجويد التي قاتلت الحركات المسلحة في الإقليم، إلى جانب الحكومة.
راكم هلال ثقلًا اجتماعيًا باعتباره أحد أبرز السياسيين داخل المكونات العربية في دارفور، ولذلك فإن وصف «الشيخ» دائمًا ما يسبق اسمه، دلالة على مكانته الاجتماعية، بوصفه ناظرًا لقبيلة المحاميد، أحد فروع قبيلة الرزيقات.
الموقف من الحرب الجارية
بعد أشهر من اندلاع الحرب، في 15 أبريل 2023، غادر هلال العاصمة السودانية الخرطوم إلى معقله في بادية مستريحة بولاية شمال دارفور. ومن هناك أعلن عن موقفه المؤيد للجيش السوداني ومؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه معارضة قوات الدعم السريع، متهمًا قادتها بمحاولة تدمير البلاد وتجنيد المرتزقة من دول الجوار الإفريقي، ورافضًا ما تمارسه من نهب وجرائم، وعدّها بلا أيّ مشروع دولة، مشيرًا إلى أنها تهدد النسيج الاجتماعي في إقليم دارفور.
تصاعد التوتر بين هلال وقوات الدعم السريع، وانخرط هلال في حرب كلامية ضد قادتها، خاصةً عبد الرحيم دقلو الذي يعد القائد الميداني للقوات.
ومع اجتياح قوات الدعم السريع الفاشر في أكتوبر الماضي، بلغ تدهور العلاقة بين الطرفين ذروته، مع اغتيال القائد الميداني في قوات الدعم السريع، حامد علي أبو بكر، المنتمي إلى مكون المحاميد الاجتماعي، في الأول من يناير الماضي، إثر هجوم بطائرة مسيّرة على مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور.
واتهم هلال قوات الدعم السريع بالتورط في مقتل مستشار قائدها للشؤون الأمنية في إقليم دارفور، حامد علي أبو بكر، إلى جانب عدد من كبار الضباط المنتمين إلى مجلس الصحوة المنشق والموالي لـ«الدعم السريع»، مشيرًا إلى أن هذه القوات متورطة في ارتكاب حوادث مماثلة، وتصفية عدد من أبناء القبيلة، بينهم الجنرال حافظ داؤود.
الهجوم على مستريحة
في خضم هذه التوترات، هاجمت قوات الدعم السريع بادية مستريحة بشمال دارفور، بطائرات مسيّرة في 22 فبراير الماضي، بما في ذلك مقر ضيافة هلال، حيث تسبب الهجوم في سقوط قتلى وجرحى، قبل أن تجتاحها في الثالث والعشرين من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم حيدر نجل موسى هلال، فيما فر الآلاف، بما في ذلك هلال نفسه قبل أن يظهر بعد بضعة أيام في الولاية الشمالية.
وكان الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة، أحمد محمد أبكر، قد أدان الهجوم الذي تعرضت له المنطقة، مبينًا أن القصف شمل المستشفى الرئيس في مستريحة، ومقر ضيافة رئيسه، موسى هلال، علاوةً على منازل المواطنين مرتين، وتجمع في سرادق عزاء.
في الوقت نفسه، سارع تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، بقيادة قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى نفي مسؤولية التحالف عن الهجوم، لكن مقاتلين من قوات الدعم السريع ظهروا في مقر ضيافة هلال بعد يوم من الهجوم بالمسيّرات.
الأسباب الأقدم للعداء بين هلال وحميدتي
كان هلال مقربًا من نظام الإنقاذ بدرجة كبيرة، وهو التقارب الذي تحول إلى ساحة صراع على النفوذ السياسي والاجتماعي بين هلال ذي المكانة الاجتماعية الأكبر، وحميدتي الباحث عن روافع اجتماعية وسياسية واقتصادية. واستطاع حميدتي أن يحققها عبر صعوده العسكري وقربه من البشير. وفي نوفمبر من عام 2017، وصل الصراع ذروته بين هلال وحميدتي، بمباركة من حكومة الرئيس البشير، ليقود حميدتي عملية عسكرية لجمع السلاح قسريًا من أنصار موسى هلال، ويشتبك الطرفان عسكريًا ويسقط عدد من القتلى والجرحى، وتنتهي المعركة باعتقال هلال وأبنائه ونقلهم، مكبلين، إلى الخرطوم، حيث بقي في السجن سنوات، حتى أُطلق سراحه بعد الإطاحة بالبشير في 2019.
يشير الصحفي الصادق الرزيقي، الذي كان مقربًا من الرجلين، إلى أن الاحتقان بينهما كان قد وصل أعلى درجات غليانه، لافتًا إلى أنه إلى جانب التوترات المحلية، فإن تدخلات أطراف في الخرطوم صبت زيتًا على النار اللاهبة على حد تعبيره، موضحًا:
«بينما كانت عملية جمع السلاح في دارفور تنطلق مترئسًا لجنتها العليا نائب رئيس الجمهورية السابق حسبو محمد عبد الرحمن، وتباشر عملها من الفاشر في أغسطس 2017، شرعت قوات الدعم السريع في تنفيذ مهمة جمع السلاح بصلاحيات واسعة فوضتها لها اللجنة العليا».
وذكر الرزيقي أن ذلك جاء بالتزامن مع تمدد شبكة علاقات حميدتي ونفوذه داخل السلطة في ولايات دارفور الخمس، لا سيما بعد إجازة (البرلمان) في أبريل من العام نفسه قانون قوات الدعم السريع المثير للجدل.
وقال الرزيقي، في مقال ثانٍ، إن الرئيس المخلوع عمر البشير كان قد عزم في عام 2012 على تكليف هلال بقيادة قوات جديدة بمسمى «الدعم السريع»، ومع أنه طلب منه المجيء إلى بيت الضيافة لاجتماع عاجل مع البشير، فإنه غادر فجر اليوم التالي إلى دارفور، موضحًا أن رئيس المجلس العسكري السابق، عوض بن عوف، اقترح حميدتي بديلًا له، على اعتراض قادة في الجيش على تشكيل هذه القوات.
وفي هذه الأثناء، زادت انتقادات هلال للدولة، معلنًا عن تأسيس مجلس الصحوة الثوري تحت قيادته. وفي لقاء مع مساعد البشير وقتها إبراهيم غندور في مدينة الجنينة في 12 نوفمبر 2015، طالب هلال إقالة والي ولاية شمال دارفور الأسبق، عثمان محمد يوسف كبر، ومنع قوات الدعم السريع من التجنيد في ولاية شمال دارفور، وقبول مجلس الصحوة داخل الحزب الحاكم.
عقوبات واتهامات
وجهت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الحقوقية اتهامات لهلال بارتكاب جرائم حرب، فيما عدّته منظمة هيومن رايتس ووتش فاعلًا رئيسًا في إستراتيجية الحكومة السودانية لتجنيد المليشيات والفاعل الأساسي في العديد من الهجمات ضد المدنيين في شمال دارفور بين عامي 2003 و2004.
وفي عام 2006، أصدر مجلس الأمن الدولي عقوبات في حقه وفي حق عدد من المطلوبين، شملت فرض قيود سفر وتجميد حساباته.
وعلى الرغم من الانتقادات الدولية بحقه والعقوبات المفروضة عليه، عيّنه البشير مستشارًا لوزير الحكم الاتحادي في يناير 2008، ودافع عن تعيينه بوصفه مواطنًا سودانيًا وشخصية شديدة التأثير في دارفور، وقدمت مساهمة كبيرة في إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة.
لاحقًا غيرت قواته إلى مسمى «حرس الحدود»، ومع تمدد نفوذ حميدتي بتعيينه قائدًا لـ«الدعم السريع»، أعلن في عام 2013 انشقاقه عن حزب المؤتمر الوطني المحلول، وانضمامه إلى حزب (الإصلاح الآن)، وصرح حينها بأن الأفكار التي يتبناها هذا الحزب هي المخرج من أزمات السودان. ليؤسس في عام 2014 مجلس الصحوة الثوري، الذي قدمه على أنه حزب يعبر عن السودانيين، ويعمل على عقد عقد المصالحات المجتمعية.
ما هي وجهة هلال التالية؟
أجرى موسى هلال، بعد تمكنه من الخروج من مستريحة، عددًا من اللقاءات مع قادة الجيش والقوة المشتركة المساندة له، إذ ظهر أولًا مع رئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، الذي سهل، بحسب هلال، ممرًا آمنًا لخروجه. وصّرح حينها، موجهًا خطابه إلى «الدعم السريع»، بأن «الحرب قد بدأت الآن»، وأنهم سيبذلون الغالي والنفيس من أجل «تحرير كل شبرٍ من المليشيا المتمردة».
التقى هلال، بعدها، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومن ثم رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية جبريل إبراهيم. وهي لقاءاتٍ تحمل إرهاصاتٍ ربما تنعكس على الميدان هذه المرة.
أسئلة معلقة؟
أعادت الحرب الجارية تشكيل الواقع العسكري والسياسي، بالإضافة إلى ترسيم للتحالفات المرتبطة بإعادة تعريف مختلف الفاعلين في ظل الواقع الحالي، وهو الأمر الذي ينطبق على موسى هلال كذلك، إذ يترك خروجه القسري من مستريحة، معقله التاريخي والاجتماعي، أسئلة معلقة، حول مستقبله السياسي والاجتماعي، علاوً على مواقفه نفسها، والتي كانت واضحة في الخطابات التي ادلى بها، دون أي تدخلاتٍ عسكرية من جانبه في الحرب.