تنطلق غدًا الاثنين امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للدفعة 2024 – 2025 في ولايات السودان الخاضعة للحكومة، بما في ذلك أجزاء من كردفان، إلى جانب مراكز خارجية تشمل دولًا مثل جنوب السودان ومصر وتشاد، فيما تغيب بالكامل عن إقليم دارفور غربي البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويأتي ذلك رغم وجود مبادرة لتوحيد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية وبالتزامن مع إعلان الحكومة الموازية بقيادة قوات الدعم السريع عن شروعها في ترتيب امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، في يونيو المقبل.
يقول المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، لـ«بيم ريبورتس»، إن هناك آثار كبيرة على مستقبل الطلاب من دارفور وكردفان الذين لن يجلسوا للامتحانات، مشيرا إلى أنهم سيصبحون عرضة للجريمة المنظمة وضياع مستقبلهم. محذرًا، في الوقت نفسه، من أن هذه الآثار ستنعكس على الدولة عمومًا؛ في تفكيك النسيج الاجتماعي والوجداني، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. مضيفًا «لذا من الضرورة التعامل مع هذا الملف بصورةٍ إنسانية، وألا توظف امتحانات الشهادة السودانية سياسيًا أو عسكريًا، ولا لتثبيت شرعية أو نزعها».
وأوضح الباقر بخصوص عدد الطلاب الممتحنين للشهادة السودانية هذا العام، أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة بشأن عدد الطلاب الذين سيحرمون من الامتحانات، ولكن بالاستناد إلى عدد الطلاب الذين امتحنوا من هذه المناطق خلال السنوات السابقة للحرب، يمكن تقدير أن العدد من الممكن أن يتراوح ما بين 250 إلى 280 ألف طالب وطالبة.
كما أشار الباقر إلى أن إجراء امتحانات موازية سيعقد المشهد أكثر، إذ تعتزم الحكومة الموازية عقد امتحانات في يونيو المقبل. وأضاف: «لذا نحن نسعى في سبيل إيجاد حل معقول، يسمح لهؤلاء الطلاب بالجلوس لامتحان الشهادة الثانوية الذي تنظمه إدارة الامتحانات بوزارة التربية والتعليم الاتحادية، ونتمنى أن يثمر هذا الحل قريبًا».
وكانت ولايات مثل الشمالية والنيل الأبيض استضافت طلابًا من دارفور للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية. وبحسب تقرير رسمي، فإن أكثر من نصف مليون طالب وطالبة سجلوا لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة غدًا بزيادة 344 ألفا من امتحانات الدفعة المؤجلة 2022 – 2023 والتي سجل لها أكثر من 220 ألف طالب.
كما سجّل لامتحان الدفعة السابقة 2023 – 2024 أكثر من 200 ألف طالب وطالبة، تمكّن 199 ألف منهم من أدائه، ومنعت قوات الدعم السريع آلاف الطلاب من مغادرة مناطق سيطرتها في دارفور وكردفان إلى الولايات في شمالي البلاد ووسطها لأداء الامتحانات، وفقًا للتقرير الرسمي.
وأوضح التقرير أن 148 ألفًا و842 طالبًا وطالبة سجلوا لأداء الامتحانات بولاية الخرطوم 2026، مقارنة مع 30 ألف طالب وطالبة سجلوا العام السابق، مما يشير إلى استقرار الأوضاع الأمنية وتزايد عودة النازحين واللاجئين.
وبخصوص طلاب دارفور وكردفان ذكر التقرير أن عددًا مقدرًا منهم سجلوا للامتحانات في ولايات نهر النيل والشمالية والنيل الأبيض، وتكفلت الحكومة بنفقات ترحيلهم وإعاشتهم رغم عراقيل الدعم السريع.
كما سجل طلاب من دارفور في مراكز بمصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا مع أبناء وطنهم المقيمين هناك، وبلغ عدد الطلبة السودانيين الممتحنين في مصر وحدها 38 ألفا ونحو 3 آلاف في أوغندا.
اللجنة العليا للامتحانات تعلن اكتمال الاستعدادات
في الأول من مارس الماضي، أعلنت اللجنة العليا لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية، عن اكتمال الاستعدادات لقيام امتحانات الشهادة السودانية داخل السودان وخارجه بتاريخ الثالث عشر من أبريل 2026. وتضمن الإعلان توجيه وكيل وزارة التعليم والتربية الوطنية وعضو اللجنة العليا لامتحانات الشهادة السودانية، أحمد خليفة، بالإسراع في تسليم قوائم الطلاب الممتحنين.
يأتي ذلك في وقتٍ لم يتمكن ما يقارب 280 طالبًا وطالبة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، على مدار السنوات الثلاث الماضية، من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، وذلك لانقسام جغرافيا البلاد في مجملها إلى مناطق سيطرة عسكرية ما بين الجيش السوداني والقوات المساندة والمتحالفة معه، وقوات الدعم السريع وحلفائها في كتلة تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) والذي شكل حكومة موازية (حكومة السلام والوحدة) والتي أعلنت عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة منفردة في مناطق سيطرتها في الرابع من يونيو المقبل.
تُظهر هذه الخطوات والقرارات تجاوز الحرب نفسها في القتال على الأرض بين المتحاربين، إذ انتقلت التأثيرات على مصائر المجتمعات نفسها، وجغرافيا وجودها، فمن خلال هذه الإجراءات المتصلة بتأكيد السيطرة والشرعية وما بين محاولة اكتساب الشريعة، وجد آلاف الطلاب والطالبات أنفسهم في مصيرٍ مجهول بشأن مستقبلهم التعليمي.
أحوال امتحانات الشهادة منذ بداية الحرب
في العام 2023، كان نحو 513 ألف طالبة وطالب في السودان يستعدون للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، وينهمكون في الدراسة والإعداد للامتحانات المقررة في يونيو، قبل أن تندلع الحرب وتجرف أحلامهم في اجتياز آخر سلم في المرحلة الثانوية. لتحتجب في ذلك العام ولأول مرة الامتحانات التي بدأت منذ ما بعد الاستقلال. في صباح ذلك السبت، 15 أبريل 2023، تغير كل شيء في هذا البلد المترامي الأطراف والمثقل بالفقر والنزاعات، ليس لأولئك الطلبة وحدهم، وإنما لنحو 50 مليون سوداني، فقد تأجلت وتحطمت الحياة مرةً أخرى، ريثما تنتهي دورة جديدة من الحرب.
ومع استمرار ضراوة الحرب حينها، وتحطم أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومع بحث الجميع عن آفاق للنجاة نزوحًا ولجوءًا، حتى ينجلي دخان النيران عن سماوات مدن السودان وقراها المختلفة، احتجبت الامتحانات ذلك العام وأدرجت ضمن ملفاتٍ منسية، قبل أن تأتي نهاية العام التالي 2024 حاملة خبر إقامة الامتحانات في الولايات الخاضعة لسلطة الحكومة السودانية، ممثلة في الجيش بالإضافة إلى مراكز خارجية في عدة دول، إذ جلس حينها، في 28 ديسمبر، نحو 370 ألف طالبة وطالب للامتحانات.
لكن ذات الأمر تكرر في السنة التالية، في يونيو 2025، إذ غابت مراكز الامتحانات عن جميع ولايات إقليم دارفور الخمس، ما عدته بعض القوى السياسية والمسلحة تقسيمًا للبلاد.
مبادرة من أجل إنصاف الطلاب
ضمن هذا السياق، ولدت المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، والتي أطلقها عدد من الآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات ومهتمون بالتعليم في السودان، سعيًا للدفاع عن حق الطلاب والطالبات، عبر تأكيد المبادرة إلى ضرورة إبقاء الحق في التعليم خارج دائرة الصراع.
تركزت المبادرة على عُدة محاور؛ منها الدعوة إلى إقامة مراكز امتحانات في أماكن وجود الطلاب، وحشد الجهود المجتمعية من أجل حماية العملية التعليمية، بما يضمن جلوس جميع الطلاب لامتحانات الشهادة السودانية لعام 2026. وفي سبيل ذلك، أجرت المبادرة عددًا من اللقاءات والاجتماعات والاتصالات مع القوى السياسية والعسكرية، تضمنت «حكومة الأمل» برئاسة كامل إدريس، و«حكومة السلامة والوحدة» برئاسة محمد حسن التعايشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال عبدالعزيز الحلو، ورئيس حركة وجيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، علاوةً على أعضاء في مجلس السيادة والمجالس الرئاسية في بورتسودان والخرطوم ونيالا وكاودا.
وفي هذه الاتصالات، طرحت المبادرة حزمة من المبادئ والموجهات الرئيسة، والتي كان أبرزها اعتماد المدخل الإنساني إطارًا وعدسة ينظر بها إلى الامتحانات بوصفها احتياجًا وحقًا إنسانيًا أصيلًا. وبالإضافة إلى ذلك، طرحت المبادرة ضرورة توفير فرص الامتحانات للممتحنين في مناطق وجودهم وبيئتهم الدراسية، مع التزام الأطراف كافة بضمان سلامة وأمن الطلاب والطواقم التربوية قبل وأثناء وبعد العملية. وبحسب المبادرة، فإن هذه الجهود تهدف إلى إبعاد الامتحانات والحق فيها من التسييس والعسكرة والاستقطاب.
بنية مختلة يعززها واقع الحرب
تعاني البنية التحتية للعملية التعليمية في مجملها، ولامتحانات الشهادة الثانوية على نحو خاص، اختلالاتٍ كبيرة منذ ما قبل الحرب، ساهمت الحرب في تعزيزها على نحو أعمق. فقبل الحرب بأشهر، وبالتحديد في سبتمبر 2022، أصدرت منظمة يونيسيف تقريرًا شددت فيه على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة فيما يتعلق بموضوع التعليم في السودان، إذ بلغ حينها عدد الأطفال خارج المدارس في السودان 6.9 مليون طفل، فيما بلغ عدد الأطفال الذين واجهوا اضطرابات في التعلم 12 مليونًا.
وقالت يونيسيف حينها إن «واحدًا من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة، لا يذهبون إلى المدرسة في السودان، و 12 مليون آخرين سيتوقفون عن الدراسة، بسبب نقص المعلمين والبنية التحتية الكافية، والبيئة التعليمية التي تمكنهم من الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة».
تعكس الاحصاءات التي رصدتها يونيسيف أوضاعًا مأساوية للتعليم في السودان، تختلف من مكانٍ لآخر وفقًا للفوراق التنموية والاقتصادية، خاصة مع خصخصة قطاع التعليم العام لصالح القطاع الخاص.
وقد أشار سابقًا، الأستاذ بالمرحلة الثانوية، أحمد مختار ضو البيت، في حديثه إلى «بيم ريبورتس»، إلى أن سياسات التعليم التي تتخذها الدولة تسببت في انهيار التعليم الحكومي وتحويله لسلعة من بعض الفئات التي استثمرت فشل الدولة، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تتمثل في إهمال التعليم الحكومي عمومًا، ونقص المعلمين والمعينات والوسائل التعليمية، وتردي البيئة المدرسية، وتضاعف عدد المدارس الخاصة ثلاث مرات خلال 15 عامًا.
وبعد اندلاع الحرب، تعيش نفس الفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا وتهميشًا مأساةً مزدوجة، شقًا بسبب المعاناة من البنية القديمة نفسها للتعليم، مع طبقة جديدة تسببت فيها الحرب نزوحًا وتشردًا أو بقاءً في أماكن لم يستطيعوا مغادرتها في الأساس. وفي ظل انقسامٍ عسكري وسياسي، تدفع هذه الأسر وأبنائها وبناتها ضريبة باهظة في ظل حاضرٍ معقد، ومستقبل قد يضيع إلى الأبد.