«الدعم السريع» تحشد قواتها قرب الأبيّض وسط تحذيرات أممية ودولية من تكرار «سيناريو الفاشر»

وسط تقارير عن حشود عسكرية لقوات الدعم السريع حول مدينة الأبيّض، عاصمة شمال كردفان، تتصاعد المخاوف الداخلية والتحذيرات الأممية والدولية من تكرار «سيناريو الفاشر»، مع تزايد المخاوف بشأن مصير مئات الآلاف من المدنيين داخل المدينة. أجرى والي شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف وداعة الله، وقائد الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة)، الصديق الجيلي عبد الرحيم، الأربعاء الماضي، جولة داخل مدينة الأبيض لطمأنة السكان، إثر انتشار تقارير إخبارية  دولية وأممية عن حشودٍ كبيرة لقوات الدعم السريع ضمن مخططها شن هجوم واسع على مدينة الأبيّض، في أعقاب سلسلة من الهجمات الدامية بالطائرات المسيّرة، استهدفت البنية التحتية والأعيان المدنية وأودت بحياة عشرات المدنيين.

يأتي ذلك وسط تصاعد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر الدامي في الأبيّض، وهو الأمر الذي حذرت منه الأمم المتحدة و21 دولة. تزامنًا مع هذه المخاوف والتحذيرات، أفادت مصادر عسكرية لـ«بيم ريبورتس» بتحشيد الدعم السريع قواتها وعتادها العسكري في مناطق عدة حول عاصمة ولاية شمال كردفان.  

التحشيد الذي وثقته مقاطع مصورة نشرتها منصات موالية لقوات الدعم السريع خلال هذا الأسبوع، استعرضت فيها عشرات المركبات القتالية الحديثة، مهددةً بشن هجوم كبير على المدينة التي تؤوي، بالإضافة إلى سكان المدينة، مئات الآلاف من النازحين من مناطق مختلفة من إقليم كردفان. 

وفي المقابل، قال قائد الفرقة الخامسة مشاة، الصديق الجيلي عبد الرحيم، في كلمة ألقاها بمسجد مدينة الأبيّض الكبير، الأربعاء الماضي، إن المدينة بخير وأن الأمور تسير بصورة جيدة.

الجيش يتفقد قواته في الصفوف الأمامية

قال الجيش في بيان، الأحد الماضي، مع نشاط العمليات العسكرية في ولايات كردفان منذ عدة أشهر، إن قواته حققت انتصارات كبيرة في محور كردفان خلال يونيو الجاري، مشيرًا إلى أنها أسفرت عن تدمير 91 عربة قتالية لقوات الدعم السريع وقتل العشرات من مقاتليها، فضلًا عن إفشال ما أسماها محاولات زعزعة الأمن والاستقرار بالمنطقة. 

وفي السياق، تفقد القائد الثاني بالفرقة الخامسة مشاة (الهجانة)، محمد فضل يوسف الرشيد، الخميس الماضي، قوات الجيش في المواقع المتقدمة لحماية مدينة الأبيّض، ووقف على مستوى الجاهزية والقدرات القتالية. ونقل الجيش عن الرشيد تأكيده أن الجيش وقوات الهجانة «ماضيةٌ في الحرب بكل كفاءة واقتدار حتى  تحقيق النصر بالقضاء على قوات الدعم السريع المتمردة».

الأبيّض.. صراع على مدينة إستراتيجية

تعدّ الأبيّض منطقة إستراتيجية في البلاد، إذ تلتقي عندها طرق تربط الخرطوم بولايات شمال وشرق وجنوب دارفور، إلى جانب الطريق القومي بارا – أم درمان، وهو ما جعلها في لحظة اندلاع الحرب ساحة للعمليات العسكرية مع محاولات السيطرة عليها. 

وقال مصدر في قوات الدعم السريع من نيالا لـ«بيم ريبورتس» إن قوة عسكرية تقدر بنحو 50 مركبة قتالية مزودة بمدافع حديثة تحركت من المدينة بداية هذا الأسبوع نحو «كازقيل» و«سودري» بولاية شمال كردفان، ضمن خطة تحشيد عسكري لمهاجمة مدينة الأبيّض.

فيما أكد مصدر عسكري من الأبيّض أن قوات الدعم السريع تحشد قواتها في مناطق بعيدة نسبيًا من المدينة، مثل «الحمادي» و«الدبيبات» و«النهود»، مشيرًا إلى أنها محاولة دعائية أكثر من كونها حشود حقيقية لمهاجمة الأبيّض.

مخاوف من تكرار «سيناريو الفاشر»

أضحى هجوم «الدعم السريع» المتوقع على الأبيّض قضية دولية وأممية، إذ دعا كلٌّ من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومفوض حقوق الإنسان فولكر تورك إلى تحرك عاجل لمنع تكرار المآسي التي شهدتها الفاشر (عاصمة شمال دارفور)، محذرين من أن أيّ هجوم وشيك قد يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لخطر جسيم ويؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية جديدة.

وعبر غوتيريش، في بيان، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد القتال في مدينة الأبيّض بولاية شمال كردفان ومحيطها، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تطال المدنيين والبنية التحتية المدنية.

وأعرب غوتيريش عن انزعاجه الشديد إزاء التقارير التي تفيد بنشر قوات الدعم السريع تعزيزات عسكرية كبيرة حول الأبيّض، وهو ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة، مما قد يعرّض مركزًا سكانيًا رئيسًا آخر في السودان لخطر جسيم باندلاع أعمال عنف واسعة النطاق، داعيًا الأطراف كافة إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، وحاثًا إياها على اتخاذ كل التدابير اللازمة لاحترام المدنيين وحمايتهم.

وزاد غوتيريش: «في مراتٍ كثيرة للغاية خلال هذا النزاع، لم تُفضِ التحذيرات الواضحة إلى تحركٍ دولي منسق وفعّال».

وحثّ الأمين العام للأمم المتحدة جميع الأطراف والجهات التي تملك نفوذًا على أطراف النزاع على استخدام نفوذها لمنع مزيد من إراقة الدماء، مشددًا على أنه «لا ينبغي السماح بتكرار المآسي التي شهدتها الفاشر في مدينة الأبيّض».

وجدد الأمين العام كذلك دعوته للجيش السوداني والدعم السريع إلى الانخراط في الجهود الدولية، بما فيها الجهود التي يبذلها مبعوثه الشخصي إلى السودان، بهدف خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية تفاوضية تنهي هذا النزاع المدمر.

ولفت غوتيريش إلى أن مدينة الأبيّض تعد مركزًا حيويًا لجهود الاستجابة الإنسانية في عموم إقليم كردفان، داعيًا إلى ضرورة السماح للمدنيين الراغبين في مغادرة المدينة بمغادرتها بأمان، مضيفًا «أما الذين يختارون البقاء فيجب احترامهم وحمايتهم وضمان حصولهم على المساعدات الإنسانية التي يحتاجون إليها».

تحذير من خطر ارتكاب جرائم دولية جديدة

من جانبه، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن هجومًا وشيكًا على مدينة الأبيّض قد يؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية خطيرة جديدة ويزيد من تفاقم الأوضاع الكارثية التي يعاني منها السكان المدنيون المنهكون أصلًا.

وقال تورك، في رسالة مصورة وجهها إثر التقارير التي تفيد بحشد كبير لقوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها حول مدينة الأبيّض، إلى جانب تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي، إن «الهجوم الوشيك على الأبيّض ينطوي على خطر ارتكاب جرائم دولية خطيرة، ويعمّق الآثار الكارثية الواقعة على سكان مدنيين يرزحون بالفعل تحت وطأة معاناة هائلة».

وأضاف المفوض السامي: «لقد رأينا هذا السيناريو من قبل. ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان من الممكن منعها، والتي وثقناها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي. فالمدنيون يواجهون خطرًا جسيمًا في ظل غياب إجراءات تحول دون وقوع هجوم وشيك أو مزيد من التصعيد العسكري».

وحثّ المفوض السامي أطراف النزاع على ضمان حرية التنقل الآمن للمدنيين الذين أُجبروا مرارًا على الفرار من أعمال العنف بحثًا عن الأمان والخدمات الأساسية.

وتابع تورك محذرًا: «ليكن هذا إنذارًا واضحًا للعالم بشأن كارثة وشيكة في مجال حقوق الإنسان وتدهور متفاقم للوضع الإنساني»، ملقيًا على عاتق «الدول ذات النفوذ» مسؤولية استخدام نفوذها الآن لـ«وقف هذا الجنون قبل فوات الأوان»، ومضيفًا: «العالم يراقب، وينبغي محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات».

بيان من 21 دولة بشأن تصاعد مخاطر الفظائع على مدينة الأبيض

وخلال جلسة مجلس حقوق الإنسان، في الدورة الثانية والستين، أصدرت المملكة المتحدة بيانًا نيابة عن 21 دولة، هي: (أستراليا، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وإستونيا، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وأيسلندا، وأيرلندا، وإيطاليا، واليابان، ولوكسمبورغ، وهولندا، ونيوزيلندا، والنرويج، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي)، بشأن تصاعد مخاطر الفظائع على مدينة الأبيّض.

وقال البيان: «نشعر بقلق بالغ إزاء التقارير الموثوقة عن تحركات قوات الدعم السريع وحشدها القوات في محيط مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما يشير إلى نية شن هجوم وشيك على المدينة». 

وحذّر البيان من خطر جدي ووشيك لوقوع فظائع، بما في ذلك القتل الجماعي للمدنيين، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والتهجير القسري، واستهداف الأعيان المدنية، في حال المضي قدماً في هذا الهجوم. 

وشدد البيان على أن التاريخ الحديث لسلوك قوات الدعم السريع في الفاشر ودارفور يبعث على القلق الشديد من تكرار مثل هذه الانتهاكات الجسيمة. كما أعرب البيان عن قلق عميق إزاء التقارير المتزايدة والموثقة عن عمليات قتل متعمدة للمدنيين ارتكبتها قوات الدعم السريع في المناطق الخاضعة لسيطرتها في كردفان ودارفور. 

وطالب البيان قوات الدعم السريع بوقف أيّ هجوم مخطط أو عملية عسكرية ضد مدينة الأبيّض فورًا ودون شروط مسبقة، داعيًا أطراف النزاع إلى الموافقة على وقف إطلاق النار وهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، كما هو موضح في بيان الدول الرباعية.

في المقابل، ذكر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أنه تابع تصريحات سفراء الاتحاد الأوروبي خلال زيارتهم إلى الخرطوم  وتحذيراتهم من ارتكاب فظائع في الأبيّض، قائلًا إنه موقف يستحق الإشادة. وأضاف: «لكن يساورني انطباع بأن الرسالة قد تُفهم أن المطلوب الاكتفاء بدارفور دون كردفان». وتابع مناوي «إن صح ذلك، فعلى الحكومة السودانية أن تثبت عمليًا استعادة البلاد كاملة».

هجمات دامية بالطائرات المسيّرة

بالتزامن مع حشد قواتها على تخوم مدينة الأبيّض، تستمر الدعم السريع في شن هجمات دامية بالطائرات المسيّرة على الأعيان المدنية.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن طائرات مسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت، في 11 يونيو الجاري، مدينة الأبيّض بولاية شمال كردفان، بسلسلة هجمات أسفرت عن حصيلة أولية بلغت 23 قتيلًا و19 جريحًا.  

وذكرت المجموعة، في بيان، أن خمسة مدنيين قُتلوا في سلسلة الهجمات، فيما أُصيب 12 آخرون. وتلا ذلك استهداف تجمع في مقابر «دليل» في أثناء تشييع الضحايا، مما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين وإصابة سبعة آخرين. 

كما أسفر استهداف منازل في حييْ «الموظفين» و«المطار» والأحياء المحيطة بقيادة الفرقة الخامسة مشاة عن مقتل 13 مدنيًا في أثناء تجمعهم قرب المنازل المدمرة – بحسب البيان.

وفي هجوم منفصل فجر 12 يونيو، استُهدفت شاحنة محملة بمواد غذائية عند المدخل الجنوبي للمدينة، مما أدى إلى مقتل سائقها.

وبحسب البيان، تشير هذه الهجمات المتتالية إلى نمط استهداف واسع النطاق طال تجمعات مدنية وأحياء سكنية وأعيانًا مدنية، بما في ذلك أثناء عمليات الإنقاذ وتشييع الضحايا، بما يثير مخاوف جدية بشأن غياب التمييز ومراعاة مبادئ الضرورة العسكرية والتناسب.

وأدانت مجموعة «محامو الطوارئ»، بأشد العبارات، هذه الهجمات، وحملت قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عنها، مؤكدة أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وطالبت المجموعة بالوقف الفوري للهجمات الجوية العشوائية، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وضمان حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين.

وعلى الصعيد نفسه، أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى أن الاستخدام المتزايد باستمرار للطائرات المسيّرة في تنفيذ الغارات الجوية يخلّف آثارًا مدمرة إضافية على المدنيين والبنية التحتية المدنية في إقليم كردفان.

وأوضح تورك أن مدينة الأبيّض شهدت، خلال الأسبوعين الماضيين، عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة، طالت بالأخص محطات الوقود والشاحنات، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.

وأضاف تورك أن هذه الهجمات تؤثر على نحو خطير في قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

ومدينة الأبيّض هي عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، وعاش سكانها أكثر من 18 شهرًا في ظروف تشبه الحصار الخانق، قبل أن يتنفس مواطنوها الصعداء في فبراير 2025 بعد فك الجيش السوداني الحصار الذي فرضته «الدعم السريع»، إذ أضحى الطريق من الخرطوم إلى الأبيّض –الذي يبلغ طوله نحو 500 كيلومترًا– سالكًا، بعد سيطرة الجيش على الخرطوم في مارس 2025.

ولكن في المقابل، دأبت قوات الدعم السريع منذها على شن هجمات بالطائرات المسيّرة على الأعيان المدينة، وكانت الموجة الأخيرة التي شنتها خلال يونيو الجاري الأكثر دموية. 

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع