في الشرق، بوابة السودان ذات الموقع الإستراتيجي والحيوي، تمور التوترات القبلية والأهلية منذ سنوات. فما إن يُعقد صلح، حتى تتجدد مرةً أخرى، تشتعل ثم تُطفأ، وهكذا دواليك. كل ذلك وسط نفوذ جيوسياسي يلقي بظلاله العميقة على مستقبل المنطقة الذاخرة بالثروات في أرضها وفي باطن البحر الأحمر، في بلد يرزح تحت وطأة حريق مشتعل لأكثر من ثلاث سنوات.

في أوائل يونيو وما بعد منتصفه، تجددت التوترات القبلية في شرق السودان، لكن سُرعان ما أُخمدت، غير أن بذور المشكلة ما تزال مزروعة في الأرض من دون حل، وسط أعين إقليمية تترصد الثروات الموجودة في المنطقة بما في ذلك الذهب والنحاس المتوافرين بكميات كبيرة، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الواسعة في ولاية القضارف. وهو ما ذهب إليه المحلل السياسي، مجدي عبد القيوم في حديثه لـ«بيم ريبورتس» بالقول «بالنظر إلى أن البحر الأحمر نفسه وكذلك ساحله يذخران بثروات هائلة، سواء ما يعرف بكنز البحر الأحمر والذي يدخل في حدود المياه الإقليمية للسودان والسعودية، أو المعادن الموجودة على ساحل البحر الأحمر، وهذا بالضرورة يدخل البعد الإستراتيجي في الصراع على الموارد، علاوة على الصراع الدولي حول الممرات المائية في المنطقة».

وبدأت التوترات والاحتقان القبلي وتبادل الاتهامات بين بعض المكونات الاجتماعية بالولاية خلال زيارة وزير الداخلية بابكر سمره إلى كسلا في الأول من يونيو، جراء ردود الفعل التي صاحبت زيارته إلى محلية أروما، حيث تبودلت الاتهامات بين بعض مكونات المجتمع وانهمرت موجة من الخطابات العنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي. 

كما تنازعت قبيلتا البشاريين والرشايدة الأسبوع الماضي على منطقة «الرتج» بولاية البحر الأحمر على الحدود مع مصر. وتطور الأمر إلى خلافات تفجرت بعد دعوات إلى طرد الرشايدة من المنطقة باعتبارهم (ليسوا أصحاب الأرض)، لكن وساطة أهلية أفلحت في نزع فتيل الأزمة.  

نفوذ جيوسياسي وصراع على الموارد

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في بورتسودان ديسمبر 2025 – الصورة: إعلام مجلس السيادة السوداني

 

«النزاع بين مكونات شرق السودان في الفترة الأخيرة تحديدًا كان على الحواكير وضرورة ترسيم حدود القبائل. وبالطبع المسألة في الأساس متعلقة بالموارد وتحديدًا المعادن بجميع أشكالها، لذلك يتجاوز النزاع حدود السودان ويدخل في الجيوسياسي لدول الجوار، لا سيما مصر وإريتريا والسعودية»، يقول المحلل السياسي والمهتم بقضايا شرق السودان مجدي عبد القيوم لـ«بيم ريبورتس».

ويعتقد عبد القيوم أن «الصراع حول الممرات المائية يعطي الصراع بعدًا أعمق  ويدخل المسألة في صميم الأمن القومي للسودان، باعتبار أثر الأصابع الدولية في تحريك المشهد الداخلي».

ومن جانبه، يلقي الصحفي المهتم بقضايا شرق السودان، عبد الهادي الحاج في إفادة لـ«بيم ريبورتس» نظرة على هذا التأثير الجيوسياسي العميق على شرق السودان الذي ذكره عبد القيوم، معددًا خمس دول بدرجات نفوذ مختلفة على شرق السودان.  

يقول الحاج إن التأثير الخارجي في شرق السودان قائم، لكننا لا نستطيع أن نقول إنه عامل مباشر أو يمثل سببًا للصراعات، لأنها موجودة في الأساس. ويزيد: «فمثلًا دولة مثل إرتريا يعد شرق السودان بالنسبة إليها عمقًا إستراتيجيًا، بالإضافة إلى وجود روابط إثنية وقبلية متجذرة مع معظم المجموعات في شرق السودان. من خلال هذا الترابط لديها نفوذ داخل هذه المجموعات القبلية بشكل أو بآخر».  

ويضيف الحاج: «إرتريا دائمًا ما تنظر إلى شرق السودان كحائط صد لكل المهددات التي يمكن أن تتعرض لها بالنسبة إلى تركيبتها الإثنية المعقدة داخليًا. رأينا العديد من هذه المظاهر، بما في ذلك تأثيرها على الصراع في الشرق بين الحكومة المركزية ومؤتمر البجا في عقد التسعينات وجبهة الشرق».

وأوضح الحاج أن أسمرا وظفت نفوذها وعلاقاتها مع قادة المجموعات المسلحة. كما اضطلعت بدور بارز في اتفاق شرق السودان 2006، والذي أدى إلى إنهاء الصراع المسلح في شرق السودان، مضيفًا «لكن مع بروز الصراعات في شرق السودان مجددًا، لعب أسمرا مجددًا دورًا في التأثير على قيادات المجموعات القبلية بكل مكوناتها».

الحاج أكد أن هذا الدور عاد مرةً أخرى بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، شبيهًا بدورها في حقبة التسعينيات، باحتضان مجموعات مسلحة وتدريبها واحتواء قادتها. ما يمكن أن نسميه في نهاية المطاف أدوات نفوذ وتأثير في أي وضع قد ينشأ مستقبلًا في شرق السودان، وبالتأكيد أسمرا لاعب محوري في الشرق، لكنها مع ذلك ليست السبب لأن التباينات وأسباب الصراع في الأساس موجودة، غير أنها عامل مؤثر.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي – رويترز

وجيوياسيًا أيضًا، رأى الحاج أن دولًا أخرى مثل مصر لديها تأثير في أوضاع شرق السودان رغم أنها تتعامل معه بوصفه ملفًا أمنيًا إستراتيجيًا يرتبط بحدودها الجنوبية أكثر من ارتباطه بمجموعات قبلية. كما أشار إلى المملكة العربية السعودية التي قال إنها تنظر إلى المسألة من ناحية أمن البحر الأحمر، بما في ذلك المناطق الغربية في المملكة المطلة على البحر الأحمر، بالإضافة إلى علاقاتها مع بعض المجموعات القبلية، لكننا لا نستطيع القول إنه بمثل مستوى النفوذ الإرتري.

وفي الخليج أيضًا أشار الحاج إلى تأثير دولة الإمارات على شرق السودان، موضحًا أن دخول أبوظبي على خط الأزمة، بدأ بمحاولة الاستحواذ على الموانئ والقضايا المتعلقة بنفوذها في البحر الأحمر عمومًا.

وأشار الحاج كذلك إلى إثيوبيا التي قال إنها بعيدة عن الصراعات القبلية، وترتبط أكثر بالحدود والنزاع على منطقة الفشقة والاستحواذ على الأراضي الزراعية في شرقي السودان، موضحًا أن نفوذ أديس أبابا في شرقي السودان أقل بكثير من نفوذ أسمرا والقاهرة، لكنها مع ذلك تظل لاعبًا مؤثرًا في أحداث شرقي السودان. 

ضعف وغياب المجتمع المدني

وزير الداخلية بابكر سمره خلال زيارته إلى محلية أروما بولاية كسلا – المكتب الصحفي للشرطة السودانية

بالعودة إلى الاشتباك الداخلي للقضية في شرق السودان، يوضح الحاج أن غياب المجتمع المدني القوي في الشرق تسبب في دفع المجموعات التي تمثل الإدارات الأهلية أو المجموعات القبلية إلى صدارة المشهد.

وأوضح الحاج أن الضعف البائن في مؤسسات المجتمع المدني يجعل الواجهات القبلية تتصدر المشهد، ومن ثم يتبعه حشد وتأجيج لأيّ مشكلة صغيرة حتى وإن كانت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم تنعكس على مستوى الشارع، وتتطور وتخرج عن السيطرة.

ويضع الحاج جدولًا زمنيًا للتوترات الحديثة في شرق السودان، مشيرًا إلى أنها بدأت في الفترة القليلة التي سبقت سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، واستمرت طوال الفترة الانتقالية، لافتًا إلى أنها كانت فترة مليئة بالصراعات القبلية والتوترات الجهوية سواء كان في بورتسودان أو كسلا أو القضارف.

وبحسب الحاج، فقد هدأت هذه التوترات بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم تجدد الصراع بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، وما تبع ذلك من ظهور التشكيلات العسكرية التي تأخذ طابعًا قبليًا واضحًا.

ويلاحظ الحاج أن هذه المجموعات العسكرية مع أنها تتحدث عن شرق السودان، بما في ذلك الدفاع عنه وحماية حقوقه، لكن تتركب في الوقت نفسه  بوضوح من مجموعة قبلية محددة، مضيفًا «هذا الوضع ساهم في مفاقمة الأزمة، إذ أصبح أي طرف لديه مجموعة مسلحة تمثله أو تخوض المواجهة نيابة عنه، إن دعت الضرورة، وهذا ما يجعل الخطاب يتصاعد».

ورأى الحاج أن الصراع في ولايات الشرق الثلاث: كسلا وبورتسودان والقضارف لا يختلف كثيرًا، إذ يقوم على تنازع مجموعتين أو أكثر.  

ويعتقد الحاج أن أحد أبرز أسباب استمرار هذه التوترات هو التعامل المستمر مع هذه المشكلات أمنيًا، موضحًا أن التعامل الأمني لا يبحث عن حلول جذرية للمجموعات القبلية في شرق السودان بقدر ما يبحث عن حلول أمنية تمنع تصاعد الأزمة مؤقتًا.

وانتقد الحاج الاتفاقات التي أبرمت بين القبائل خلال الفترة الانتقالية، قائلًا إنها لم تُحدث أي تغيير يُذكر، مضيفًا: «في بورتسودان وحدها، عُقد أكثر من اتفاقين بين مجموعات قبلية، ما يسمى القلد، دون جدوى، وفي كسلا كذلك، مما يؤكد أن هذه التفاهمات لا أثر لها على الأرض ولا تتجاوز قاعات التوقيع، ومن ثم يخرج الناس ليعودوا إلى ما كانوا يفعلونه في السابق دون أي التزام بالاتفاق».

وحذّر الحاج من أنه ما لم تُعالج التعقيدات في شرق السودان باعتبارها تعقيدات مجتمعية وتحتاج إلى حلول جذرية، سواء عبر الإدارات الأهلية أو غيرها من المجموعات الأخرى التي تمثل المجتمع المدني، على ضعفها، فستظل هذه المشكلات تتكرر، مضيفًا «مع الأسف، أخذت طابع مجموعات مسلحة، وهذه مسألة شديدة الخطورة». 

وتابع الحاج: «جزء أساسي من هذه الصراعات وما يعمل على تأجيجها قائم على من يمثل شرق السودان من بين هذه المجموعات وطرح قضايا المنطقة أمام الحكومة المركزية. وكلما تظهر مجموعة، سواء كانت جزءًا من تحالف أو مجموعة سياسية تتحدث باسم الشرق، تظهر مجموعة أخرى مناوئة تحاول أن تنزع منها استحقاق تمثيل الشرق، وتزعم أن الشرق تمثله مجموعات كبيرة، وأنهم ليسوا جزءًا من هذا التمثيل. وعليه ترفض أي نتائج تظهر باسم الشرق».  

وتكشف التوترات الاجتماعية المتواترة في شرق السودان، وظلال النفوذ الجيوسياسي من ناحية أخرى، أن التعقيدات في تلك المنطقة، تحتاج إلى معالجات  جذرية، سواء عبر الإدارات الأهلية أو غيرها من المجموعات الأخرى التي تمثل المجتمع المدني، على ضعفها، وليس حلولًا أمنيةً مؤقتة أو اتفاقات الهشة، أو ستتجدد بين كل فينة وأخرى، وتشتعل ثم تُطفأ، وهكذا دواليك. 

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع