مثّل فضاء الإنترنت في السودان الوجه الآخر للحرب الدامية التي تمزق البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، محولًا حياة ملايين السودانيين والسودانيات إلى جحيم موازٍ تُنتهك فيه الخصوصية، وتُدار فيه الصراعات في معظم الأحيان من وراء شاشات الهاتف المحمول أو أجهزة الكمبيوتر عبر حسابات مجهولة الهوية، الأمر الذي زاد وتيرة الانتهاكات وخلف أضرارًا كبيرة بالمجتمع.
وضمن تصاعد موجة انتهاكات الخصوصية على الإنترنت، عادت في أواخر يوليو الماضي، مجموعة «منبرشات» النسائية إلى واجهة فضاء الإنترنت مرة أخرى رافقتها مجموعة «منبرشون» الرجالية.
وبرزت مجموعة «منبرشات» في فترة الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير في عام 2019. ونشطت مستخدمات المجموعة في تلك الفترة في تقديم معلومات بشأن رجال الأمن الذين كانوا يعملون على اعتقال المتظاهرين والمحتجين السلميين.
كانت مجموعة «منبرشات» قد بدأت نشاطها قبل سنوات بتداول أسئلة عن تفاصيل بعض الرجال بإنزال صورهم عبر حسابات مجهولة الهوية أو مزورة، من بينها إن كان للرجل المعيّن علاقة عاطفية أو ارتباط أو ماذا يعمل وأين يسكن.
غير أنّ عودة مجموعة «منبرشات» إلى النشاط في هذه المرحلة، بعد فترة من الإغلاق، أتت، بحسب مديرة المجموعة، بهدف فضح المتلاعبين والمحتالين في أثناء فترة الحرب، قبل أن تعود المسائل المتعلقة بالسؤال عن بعض الرجال مرةً أخرى، مع نشر صورهم عبر حسابات مجهولة الهوية.
دفعت هذه التطورات الجديدة في نشاط مجموعة «منبرشات» بعض الرجال إلى ردود فعل غير مسبوقة، وذلك بإنشاء مجموعة «منبرشون» على منصات «فيسبوك» و«تليجرام» و«واتساب»، مع اتهامات لمجموعة «منبرشات» بتدمير أسر عبر نشر صور بعض الرجال. ولكن مع ذلك، فبعض هذه الصور الضوئية المنشورة للرجال مزيفة، ولم تنشرها مستخدمات على المجموعة.
وعمدت حسابات على مجموعة «منبرشون» الرجالية إلى نشر صور سيئة للغاية لنساء، ردًا على الصور المنشورة على مجموعة «منبرشات»، لينشر معظم المستخدمين بحسابات مجهولة الهوية صور خاصة في انتهاك خصوصية مئات النساء، بما في ذلك مكان السكن. وترافق نشر صور النساء على مجموعة «منبرشون» مع حملات تحريض لانتهاك الخصوصية ومعرفة معلومات أكثر عن الضحايا.
تناقضات في المجتمع
يرى باحث اجتماعي في حديث لـ«بيم ريبورتس» أنّ استخدام الفضاء الرقمي أنتج تناقضات كبيرة في حياة المجتمع وأفراده، وهو ما يمكن ملاحظته في ظاهرة «منبرشات» و«منبرشون»، وطبيعة اختلاف ونشاط المجموعتين. ففي حين ينشر على «منبرشات» صور وجوه الرجال مرفقة باستفسارات، فإن أعضاء «منبرشون» ينشرون صورًا وتفاصيل جنسية عن النساء، وذلك ليس بريئًا، بل يعتمد في الأساس على مقدار من العنف والإرهاب تجاه النساء، عبر استغلال البنية الاجتماعية التي تضع مثل هذه المسائل موضعًا للأذى يصل حد قتل النساء في بعض الحالات من قبل ذويهم.
ويضيف الباحث الاجتماعي أنّ سهولة النشر من خلف الشاشات بحسابات مجهولة الهوية لا يسهل الإفلات من القانون فحسب، بل أيضًا يغيب آليات المحاسبة والضبط الاجتماعي، ولذلك فإن الجهود المبذولة لحل مثل هذه القضايا تتطلب تفكيرًا يشمل الجوانب القانونية والاجتماعية، لأنّ المهم هنا هو منع الأضرار الجسيمة التي تقع على الأفراد وحيواتهم أو الحد منها.
موجة عامة
تقول المحامية والناشطة الحقوقية نون كشكوش لـ«بيم ريبورتس» إن الموجة الحالية من انتهاكات الخصوصية على منصات التواصل الاجتماعي في السودان تمثل موجة عامة، مشيرةً إلى أنها ظهرت على السطح مع مجموعة «منبرشات» مؤخرًا. وأوضحت أن انتهاك الخصوصية ونشر الصور والمنشورات التي لها صلة بإشانة السمعة تندرج تحت مواد إشانة السمعة والسباب ونشر أخبار كاذبة وانتهاك الخصوصية.
كما لفتت كشكوش إلى أن انتهاك الخصوصية يعد أحد آثار الحرب على السودانيين والسودانيات، مبينةً أن التعامل حاليًا يجري عبر الإنترنت، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي ومواضيع أخرى ذات صلة بالابتزاز والغش والاستغلال. وذكرت أنّ استخدام منصات التواصل الاجتماعي يأخذ الزمن الأكبر من الناس مقارنةً بحياتهم الطبيعية التي كانوا يعيشونها. كما بات التواصل يجري بدرجة رئيسة عبر الإنترنت، أكثر من التواصل المباشر، مشيرةً إلى حدوث تغير في المرتكزات والأخلاق، بما في ذلك الحالة النفسية.
وفصّل القانون السوداني الجرائم المتعلقة بالمعلومات في المادة 24 المتعلقة بانتهاك الخصوصية، إذ تنص على «أن كل من يهيئ أو يستخدم شبكة المعلومات أو الاتصالات أو وسائل المعلومات في انتهاك خصوصية أي شخص بأي شكل من الأشكال، بالتدخل في حياته الخاصة أو الأسرية، سواء عبر التصوير أو مكتوب خاص أو التنصت أو الاطلاع على مراسلته أو نشر أي أخبار كاذبة عنه يعاقب بالسجن»، بحسب كشكوش.
وأضافت كشكوش أن مدة السجن كانت عامًا أو عامين، بالإضافة إلى الغرامة، لكن تعديلًا ضاعف العقوبة لتتراوح بين 5 – 10 سنين.
وأوضحت المحامية أنّ المواد ذات الصلة بنشر الأخبار الكاذبة أو إشانة السمعة مثل المادة 25، والتي تنص على أن استخدام شبكة المعلومات والتطبيقات في إشانة سمعة أي شخص يعاقب بالسجن بالإضافة إلى الإساءة أو السباب عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بما لا يبلغ درجة القذف أو إشانة السمعة، أيضًا يعاقب بالسجن، مشيرةً إلى أن هذه المواد تتشابه مع مواد القانون الجنائي، لكنها في قانون المعلوماتية أكثر تفصيلًا، كما أنها خصصت جرائم متعلقة بالإنترنت.
قوانين رادعة في السودان ودول الإقليم
وترى المحامية والناشطة الحقوقية أن القانون السوداني بإمكانه حسم مثل هذه الجرائم، لا سيّما في وجود نيابة مخصصة لجرائم المعلوماتية ومكاتب التحقيق التابعة للشرطة، مشيرةً إلى أنها على درجة عالية من التدريب ومزودة بالتقنيات اللازمة، لكنها أكدت أنّ التحدي الأكبر هو أنّ عددًا كبيرًا من السودانيين هم خارج السودان، سواء كانوا جناة أو مجني عليهم.
ومع ذلك، لفتت كشكوش إلى تجارب عديدة خارج السودان، لا سيّما في دول مثل الإمارات والسعودية وأوغندا وكينيا، بالإضافة إلى مصر، لديها قوانين وإجراءات قانونية سريعة، مؤكدةً أن جميع هذه الدول لديها نيابات لجرائم المعلومات.
وتعتقد كشكوش أن ما حدث في مجموعة «منبرشات» ليس أمرًا عاديًا، لافتةً إلى أنه قد يكون ذا صلة برسائل سياسية، بما في ذلك الإلهاء عن قضايا سياسية راهنة، مشددةً على أن ذلك لا يعني أن النساء لا يتعرضن لانتهاك الخصوصية ولا ينفي وقوع ضرر كبير عليهن.
ورأت أنّ مثل هذه القضايا، إلى جانب القانون، تحتاج إلى رفع الوعي، بما في ذلك حماية النساء لأنفسهن من العنف الرقمي، وكيف يكن محصنات، بالإضافة إلى شجاعة مواجهة العنف الرقمي باللجوء إلى المحاكم، لأن الجاني شخص متمرس ولديه عدد كبير من الضحايا، موضحةً أن الرجال لديهم الحق نفسه في اللجوء إلى القضاء في حال تعرضوا لأي نوع من أنواع انتهاك الخصوصية، لردع مثل هذه الممارسات، مؤكدةً أن القانون في الأساس سن من أجل تقويم المجتمع.
تثير هذه الظاهرة تحديات أخلاقية وقانونية، تتعلق بحماية الخصوصية ومنع التشهير والإضرار بالسمعة. وتتطلب معالجتها إطارًا شاملًا متعدد الأبعاد، يجمع بين التشريعات الواضحة والفعالة، وتعزيز الوعي المجتمعي والثقافة الرقمية، ودفع منصات التواصل الاجتماعي إلى تطوير آليات الإبلاغ عن المحتوى وتعزيز كفاءتها، وتطوير سياسات مستدامة تستجيب للتغيرات التقنية المتسارعة، بما يضمن بيئة رقمية آمنة قائمة على الاستخدام المسؤول للتقنية.