مجاهد الدومة
ضمن إقامةٍ فنية استمرت شهرًا بمؤسسة 32East في العاصمة الأوغندية كمبالا، نظمت المصورة والفنانة البصرية السودانية، آية سنادة، معرضها الفني، يومي 28 و29 من أغسطس الماضي.
جاء المعرض حاملًا عنوان The Archive in a Single Moment: October 2023 (الأرشيف في لحظة واحدة: أكتوبر 2023) والذي استعادت فيه سنادة فترة الأشهر الستة الأولى من اندلاع الحرب، من خلال مزجها بين عناصر بصرية وصوتية، تضمن صورًا من أرشيفها الشخصي، جنبًا إلى جنب من الأرشيف العام للحرب وقصاصات الأخبار، علاوة على بث مقاطع صوتية مسجلة تؤرخ لتلك الفترة.
آية سنادة
وتوضح سنادة، في بيان المعرض، أن اختيارها لتلك الفترة، وخاصة شهر أكتوبر من العام 2023، الذي تقاطعت فيه أحداث عدة محليًا وإقليميًا؛ إذ شهدت الحرب توسعًا شمل جغرافياتٍ جديدة، علاوةًَ على اندلاع الحرب في غزة، بالإضافة لذلك، تحولت الأخبار القادمة من السودان نفسها إلى شيء بارد وعادي لا يثير الاهتمام.
ومن خلال هذه المحاور، يطرح المعرض أسئلةً حول ذاكرة الحرب، ومن الذي يقرر ما الذي يظل في مستوى الذاكرة الجمعية العامة، وما يحال إلى ذاكرةً شخصية. وفي هذا المستوى، فإن المعرض ينأى بنفسه من محاولة إنتاج الحرب بكليتها، بل يحاول «استعادة لحظة واحدة منها»، وفحص كيفية عمل الأرشيف عندما تكون التجربة ذاتها—بشقَيها الشخصي والعام—مليئة بالفجوات والتمزقات.
شاشة عرض تتضمن قصاصات لأخبارٍ من جهات مختلفة خلال الأشهر الست الأولى من الحرب
تقاطع العام مع الشخصي
تحرك معرض سنادة ما بين أرشيفين، أحدهما لصورةٍ من أرشيفها الشخصي التقطتها لعمتها «أم الحسن» التي نَزَحَت من الخرطوم إلى ود مدني بولاية الجزيرة. لكنها برغم ذلك حملت عبئًا لازمها بشكلٍ شخصي، إذ كانت تتابع الأخبار بشكلٍ يومي من قناةٍ محلية، متسمرةً أمام شاشة التلفاز، لعلها تلقط خبرًا يطمئنها على زوجها، الصحفي المتقاعد، إبراهيم أبكر، الذي آثر البقاء وحراسة أرشيفه الفوتوغرافي في أم بدة برفقة إبنه ضياء. وتصف آية متابعة عمتها لتلك للأخبار بأنها لم تكن بالنسبة إليها «مجرد معلومات سياسية، بل كانت إمكانية شخصية، وربما السبيل الوحيد للتواصل مع غائب. كانت تبحث في الأخبار عن شيء شخصي للغاية».
أم الحسن وهي تتابع الأخبار من على شاشة التلفاز
وقد تحولت متابعة أم الحسن نفسها للأخبار إلى وثيقة فوتوغرافية للحظة سبقت نزوحًا آخر، إذ بعد أقل من شهرين من التقاط الصورة، ومع هجوم الدعم السريع على مدينة ود مدني، في ديسمبر 2023، أجبرت أم الحسن، وآلاف السودانيين الذين نزحوا من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى مواطني ومواطنات الولاية، إلى النزوح مرةٍ أخرى.
لكن آية لم تكتف بالأرشيف الشخصي بوصفه معينًا، على الرغم من أن كل تجربةٍ شخصية هي بصورة ما جزء لا يتجزأ مما هو جماعي، وهو الأمر نفسه الذي حدا بها إلى التنقيب في الأرشيف العام، لتقع على صورةٍ من مخيم (أدري) للاجئين السودانيين في تشاد خلال الفترة نفسها. ومع بعد المخيم نحو 16 كيلومترًا من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، والتي هاجمتها قوات الدعم السريع، وارتكبت فيها مجازر بحق سكانها، فإن المعرض انطلق في التفكير فيما بعد وصول الناجين إلى المخيم، أي ما بعد الكارثة، وما يواجهونه من صعابٍ جمة خلف الحدود.
الناس في قلب الرؤية
مع وجود تغطياتٍ إخبارية وتقارير تتضمن إحصاءات وأرقام لما تسببت فيه الحرب في السودان من قتلٍ وتهجيرٍ ونزوح وأمراض، إلا أن تركيز آية سنادة في معرضها يذهب في اتجاهٍ يتساءل حول تحول حيوات الناس ومصائرهم إلى مجرد أرقام ترد في نشرات الأخبار، وبدلًا من ذلك تحاول إبراز الجانب الشخصي والحميمي لهذه التجارب، وتبايناتها بحسب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية.
ويقدم المعرض كل ذلك عبر وضع الناس في مركز رؤيته، من خلال إشاراتٍ حصيفة تبرز الخطابات المختلفة وسرديات الأطراف العسكرية والسياسية بشأن الحرب، لكن دون جعلها مركزية فيما يحدث السودانيين والسودانيات على أرض الواقع.
صحن زجاجي يتضمن تعريفاتٍ ورؤى مختلفة للحرب وتفسيراتها بجانبها ملعقة ورصاصتين
في خصوصية التجربة
مع فتح المعرض أفقًا للتجارب المتباينة، يجد الزائر نفسه جزءًا أصيلًا من تجربة المعرض، فهو الذي يجلس في كرسيٍ يتطلع منه إلى شاشة الأخبار والملصقات، وهو أيضًا من يقرأ السرديات المختلفة في قصاصات الأخبار من على الصحنٍ الوجاجي، والذي وضعت بجانبه ملعقة ورصاصتين، وكأن آية سنادة تقول من خلال هذا التمثيل للزائرين: أنتم من تقررون وتعرفون الحرب في مستواها الكبير، من تحددون مواقفكم من خطاباتها وسردياتها المتباينة.
ليس ذلك فحسب، ولكن من خلال الانتقال إلى جزءٍ آخر من صالة العرض، والجلوس أمام شاشةٍ تخترقها رصاصة؛ والاستماع إلى الأخبار من قنواتٍ محلية وإقليمية ودولية، تسمع كذلك دوي المدافع والرصاص، وأصوات أناسٍ من قبل الحرب خلال الأشهر الستة الأولى منها، بما يفتح المجال للزائر بتأويل وتفسير ما حدث ويحدث حسب موقعه.
يجلس الزائر على المقعد مواجهًا الشاشة، ويستمع إلى الأخبار من قنواتٍ محلية ودولية مختلفة
وقد ظهرت تباينات موقع الزوار أنفسهم، سواء كانت جغرافية أو اجتماعية، في الجزء الأخير من المعرض، إذ تقدم آية خريطة لكل زائر ليرسم فيها مسارات حركته داخليًا وحتى وصوله إلى ملجئه في أوغندا.
نموذج لخريطة المسارات الداخلية لأحد الزائرين
نافذة مفتوحة على الواقع
صمم فضاء معرض (الأرشيف في لحظة واحدة: أكتوبر 2023) بطريقةٍ تخلق مساحة لاستعادة تجارب الزوار مع وخلال الحرب، ما مّروا به، ورحلاتهم المختلفة، والمسارات التي مروا بها حتى وصلوا إلى ملاذهم بدولة أوغندا، لكنه في الآن ذاته، من خلال طريقة تصميم صالة العرض، التي تحتوي على نافذة مفتوحة على عالمين؛ داخليًا فضاء المعرض، وخارجيًا الشارع وحركته وضحكات الأطفال وحوارات المارة، يقدم شيئًا متعلق باللحظة الراهنة، تذكيرًا للزائرين والزائرات بأنهم يعيشون في سياقٍ آخر، هو سياق الشتات والغربة، وأنهم يصارعون لبناء حياةٍ هنا.
فتح المعرض الفني لآية سنادة نافذة مهمة للتفكير فنيًا حول الحرب وأسئلتها، وذلك من خلال التقاء مساحاتٍ تقاطع فيها الذاتي مع العام، مع تجارب السودانيين والسودانيات في أوغندا الذين زاروا المعرض، وبالنسبة لآية فإن المعرض والإقامة الفنية نفسها كانتا نقطتي انطلاق للنظر في أرشيفها “والبدء في إعادة بناء فترة زمنية محددة داخله؛ صورة شخصية، وصورة من الأرشيف العام، وأصوات من ذلك الزمن”. وبحسب آية، فإن المعرض أو الاستوديو المفتوح نفسه كان فرصةً للاشتغال وتطوير المشروع.