كان عبد الرازق محمد أحمد ينشر، عبر حسابه «ملك الابتسامة رزقة» على منصة «تيك توك»، مقاطعَ كوميدية، بالتزامن مع عمله اليومي بائعًا في سوق ليبيا بمدينة أم درمان. وبعد اندلاع الحرب، واصل في نشر مقاطعه الكوميدية التي تتناول الحياة اليومية، بالإضافة إلى مقاطع تطمينية على نفسه وأهل حيّه وسجلًا يوميًا لتطور الأحداث والمعارك وتداعياتها، وتغيّر أوضاع الناس وأحوالهم خلال الحرب، وطرق تدبير معاشهم من مأكلٍِ ومشرب، وانقطاعات الكهرباء وشبكات الاتصالات، ومشاق توفير مياه الشرب، ونقص السلع الاستهلاكية.
بعد أشهر قليلة من عصف الحرب، اضطر رزقة إلى مغادرة منزله في الحارة 16 بمنطقة «أم بدة» بأم درمان، سعيًا إلى إيجاد فرصة عمل. وتنقل بين عدة مدن، منها شندي وعطبرة وكسلا والقضارف؛ وفي الأخيرة عمل بائعًا للأحذية في سوقها الكبير، مستمرًا في توثيق رحلته وحياته اليومية، ومشاركًا إياها مع متابعيه.
وفي نهاية مايو 2024، نشر رزقة مقطعًا مصورًا لنفسه وهو يبيع أحذيته التي لا يتجاوز عددها الخمسة في سوق القضارف، مع أغنيةٍ عن الحنين والفراق لسوق ليبيا. وبعدها بأيامٍ صوّر رزقة مقطعًا يوزع فيه الأحذية بعد أن اشتراها منه أحد المتابعين، وطلب منه توزيعها على المحتاجين. فوزع رزقة الأحذية على الناس دون إظهار وجوههم أو عرض تفاصيل شخصية عنهم، مما عزز ثقة الناس في أمانته، بالإضافة إلى استحسان الطريقة التي اتبعها، ما فتح الباب أمام التبرعات، فبلغت 54 حذاءً خلال أقل من أسبوع، ومبالغ مالية لأناسٍ ظهرت أصواتهم في المرة الأولى التي وزع فيها الأحذية.
الانتقال إلى توفير الطعام
في الأسبوع الأول من يونيو 2024، تلقى رزقة طلبًا من أحد المتبرعين، بشراء 150 شطيرة ومثلها من قوارير المياه المجهزة من الكافتيريات بالقضارف، وتوزيعها على المحتاجين في السوق. ومنذ تلك اللحظة، تحول عمل رزقة إلى استلام التبرعات وشراء الطعام وتوزيعه، في الشوارع والمستشفيات، علاوةً على استقبال تبرعات مختلفة من ملابس ونقود وأدوية، وتوزيعها.
ومع اتساع حجم التبرعات، تحول نوع المساعدات من توزيع الأحذية إلى توفير الطعام، وذلك وفقًا لرغبة المتبرعين. ومن ثمّ، تحول عمل رزقة، الذي هو في الأساس جمع التبرعات وإعادة توزيعها، إلى توفير الطعام، بما يتوافق مع ترتيب أولويات الناس أنفسهم خلال الحرب، والصعوبات الجمة التي يواجهونها في سدّ رمقهم، بما يعينهم على أداء مهامهم اليومية.
تطوع متنقلًا عبر الأمكنة
بعد قضاء مدة في ولاية القضارف، سافر رزقة إلى ولاية كسلا، لإيصال سلعٍ استهلاكية وتبرعاتٍ إلى مركز إيواء بإحدى المدارس. وبعدها توالت التبرعات لدور إيواء أخرى. وبعد أيام، انتقل رزقة إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، ووزع فيها تبرعات على أسر في دور إيواء ومدارس مختلفة. وبحسب رزقه، فإن التنقل واختيار الأماكن يأتي بناءً على الاحتياجات المرصودة فيها، بالإضافة إلى أن العمل نفسه يعتمد بدرجة كبيرة على استهداف التجمعات.
استقرار التكية في أم درمان
كان من المقرر، بعد العمل على سد احتياجات المستشفيات ومراكز الإيواء في مدينة عطبرة، أن تعود المبادرة إلى مدينة أم درمان. ولكن رزقة يوضح لـ«بيم ريبورتس» أن المبادرة عادت للعمل بولاية القضارف التي وصل إليها آلاف النازحين ضمن موجات نزوح من مدينتي سنجة وسنار، في أعقاب سيطرة «الدعم السريع» عليهما. وفي القضارف، واصلت المبادرة العمل لما يقارب ثمانية أشهر.
بعد تلك الأشهر، رجع رزقة ورفاقه إلى مدينة عطبرة ومنها إلى أم درمان التي أسسوا فيها تكيتين؛ الأولى في الحارة الثالثة بأم بدة، وتركز عملها على توفير إفطارات للمترددين على المستشفيات، وتغطية مستلزمات العمليات وتوفير الأدوية، وما يزال مستمرًا حتى اليوم، بالإضافة إلى تقديم وجباتٍ يومية لأسر يتراوح عددها ما بين 500 إلى 700 أسرة. أمّا التكية الثانية، فهي في الحارة 16 بأم بدة، وتقدّم خدماتها إلى أسر يتراوح عددها ما بين 900 إلى 110 أسر.
التكية إرثٌ ومشروعٌ جماعي
وتعبر التكية التي ابتدرها رزقه بدرجة أساسية، عن تقليدٍ راسخٍ في بنية المجتمع السوداني، فهنا يبرز رزقة بوصفه ميسرًا لهذا التقليد الذي استعيد بصورةٍ كبيرة خلال الحرب، وتمظهر في مبادراتٍ متنوعة، من توفير الطعام والشراب، إلى إيواء النازحين، والمبادرات النسوية والزراعية وغيرها.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى مبادرة التكايا وضعت نصب أعينها تخفيف الأوضاع على النازحين في أماكن مختلفة، لذا نجد أن المبادرة قد عملت في ولاياتٍ مختلفة، ذهابًا وإيابًا، بما في ذلك سنار والقضارف ونهر النيل، ومخيم العفاض بمحلية الدبة في الولاية الشمالية، والذي نزح إليه مواطنو مدينة الفاشر بعد اجتياحها من قبل قوات الدعم السريع المدينة في أكتوبر 2025. يقول رزقة «عملنا في المخيم على فترتين، استمرت الفترة الأولى نحو الشهر، بينما كانت الفترة الثانية 18 يومًا».
مبادرات مفتوحة على بعضها
تابع كثيرون رحلة رزقة في تنظيم عمل التكايا والوقوف عليها بعيدًا عن ذكر أيّ تفاصيل عما تعرض له هو شخصيًا أو أسرته خلال الحرب، فحتى المنزل الذي تُشعل فيه نيران الطبخ يوميًا ليس مملوكًا له، بل تبرع به أحدهم لاستخدامه في تسهيل عمل التكية. وبعدها أطلق عدد من الأشخاص مبادرةً هدفها الأساس إعادة إعمار منزل أسرة عبد الرازق، الذي تضرر من آثار الحرب إلى جانب الأمطار. وقد تافع عشرات الأشخاص من داخل وخارج السودان إلى هذه المبادرة حتى أكملوا بناء البيت.
لا يعد ما يقدمه رزقة عملًا فرديًا، وإنما يستند إلى إرثٍ كبير من تشكل شبكات التضامن الاجتماعي وإدارة الناس وتدبير معيشتهم وحياتهم اليومية، ولا سيّما في الأوقات الصعبة، وهو ما يشير إليه رزقة نفسه بأنه حتى خلال الأشهر الأولى من الحرب ومع صعوبة الأوضاع المعيشية في حيّه، تقاسم الناس مأكلهم ومشربهم، وتدافعوا إلى مشاركة مواردهم، مضيفًا أن مبادرة التكايا نفسها تعتمد على «عشرات المتطوعين من أحياء أم بدة وما جاورها، مكرسين وقتهم وجهدهم لهذا العمل”. لذا، فإنّ التكايا وأشكال العمل القاعدي والاجتماعي المشترك المستمرة في العمل لأكثر من ثلاث سنوات منذ اندلاع الحرب، هي امتداد لتاريخ طويل من الممارسات الاجتماعية، والتي تكثف حضورها الآن بوصفها طريقة ونمط معيشي، يعاد فيه توزيع الموارد الاقتصادية والاجتماعية والجهود طوعًا من أجل تخفيف المعاناة والمشقة التي يتكبدها الناس خلال الحرب، عبر سلسلة متكاملة من العمل التكافلي التطوعي وإدارته. ويتمثل جزء من هذه السلسلة في الأدوار المختلفة التي يضطلع بها السودانيون والسودانيات في بقاعٍ مختلفة، داخليًا وخارجيًا في دعم عمل هذه المطابخ والتكايا وضمان استمرارها.